منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التكليف الشرعي والسلوك المقاصدي

اشترك في النشرة البريدية

مع انتشار الصحوة الإسلامية المباركة عرف الفكر الإسلامي نموا وتقدما لتجاوز مخلفات التقليد والجمود، ويفتح بذلك آفاقا للاجتهاد والتجديد… وهكذا، بدأت تتوالى الكتابات وتتنوع في مجالات التجديد والاجتهاد… ولعل أهم ما يميز الفكر الإسلامي المعاصر اليوم تلك الصحوة المقاصدية التي عرفها، نظرا لكثرة الكتابات والأبحاث في موضوع مقاصد الشريعة الإسلامية التي استفادت من جهود وابتكار الشاطبي رحمه الله… وهي كتابات تحاول في مجملها جعل المقاصد عنصرا من عناصر الفكر الإسلامي حاضرا. إلا أن الفكر الإسلامي لم يكتسب بعدُ صفة “المقصدية”، بل إن العمل الإسلامي نفسه لم يكتسب هذه الصفة.

والملاحظ في الكتابات حول الفكر المقاصدي أنها انصرفت إلى:

_الاقتصار على المصالح الدنيوية دون الأخروية، وهذا عكس ما ذهب إليه الشاطبي من تلازم بينهما. . .

_ثم إن البحث في حظوظ المكلف لم يوفّ حقه، بل لا نكاد نجد شيئا ذا بال عند من جاء بعد الشاطبي الذي جعل المقاصد نوعين: فيما يرجع إلى مقاصد الشارع، وما يرجع إلى مقاصد المكلف في التكليف، وهذا قسم نفيس يحتاج إلى شرح وتفصيل.

_وجنحت إلى الكلام عن المقاصد باعتبارها أداة من أدوات الاجتهاد الفقهي، في حين أن المقاصد ينبغي أن تصبح سلوكا عاما في الفكر الإسلامي، وفي العمل الإسلامي المعاصر. . . وما يعانيه العمل الإسلامي اليوم إلا من غياب المقصد من توجهاته. وقلّ ما نجد الكلام عن المقاصد باعتبارها سلوكا ينبغي أن يطبع العمل الإسلامي وسلوك الأفراد، لتحقق بذلك المقصدية للفكر الإسلامي. ولعل هذا ما يقتضي جهودا متضافرة تنتقل بالمقاصد من الأفق النظري إلى الواقع العملي.

في هذه الورقة نطرح ما يمكن أن يجعل من فقه المقاصد سلوكا يطبع العمل الإسلامي عامة، وسلوك الأفراد خاصة.

 مقاصد الشريعة بين العاجل والآجل

خلق الله عز وجل الإنسان ليكون له خليفة. يقول الله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) (البقرة: 29). وجعل فيه الفطرة ليكون مستعدا لهذا الاستخلاف وإقامة الخلافة… وكانت مهمة الرسل تقويم كل اعوجاج يحصل لهذه الفطرة بما يعترضها من انحرافات وزيغ وضلال وتضليل، وإرشاد الخلق إلى معرفة الله تعالى والدلالة عليه، والتذكير بالميثاق الذي تحدثنا عنه الآية الكريمة: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون). (الأعراف: 172 _ 173 ).

ففي مقابل الإقرار بالعبودية لله عز وجل أعطى الإنسان الخلافة عنه… وعبر الرسل أرسل للناس منهاج هذه الخلافة مادامت النفس الإنسانية وحدها غير قادرة على اكتشاف هذا المنهاج… وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، أرسله الله تعالى بالقرآن الكريم بعد سلسلة من الرسالات أبلغت الإنسانية مرحلة الرشد تدريجيا ليكتمل لدى الإنسان منهاج الاستخلاف: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة: 4).

فإن اتبع الإنسان هذا المنهاج وامتثل:

_نال السعادة الأخروية والقرب من الله عز وجل.

_وكانت أعماله متفقة مع ضرورات الحياة الاجتماعية، وهذا مما يحقق الاستخلاف ويساعد على تحقيق العبودية لله عز وجل…

ونعود إلى كلام الشاطبي رحمه الله “المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا”. هذا المقصد تعبر عنه الآية الكريمة: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). وهذا ما يقتضي اندراج جميع التكاليف كيفما كان نوعها تحت هذا المقصد. ومن يتبع الهوى فإنه عابد لهواه، ولا يحقق مقاصد الشرع.

إذن، عبادة الله عز وجل هي الغاية الأسمى من هذه التكاليف التي وضعها الله عز وجل. والمقصد الأسمى للمكلف هو نيل رضى ربه عز وجل. وهو ما عبر عنه الشاطبي رحمه الله بمسلمة “وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل”.

وفي تعريف المقاصد الضرورية يقول الإمام الشاطبي: “لا بد منها في قيام الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين… “[1]

إذن، فتكاليف الشرع تهدف إلى مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة، بجلب المصالح ودرء المفاسد. لكن هذه المصالح الدنيوية إن لم تترتب عليها مصلح أخروية أو عارضتها، أو لم تكن محققة للعبودية لله عز وجل، فهي مصالح غير حقيقية ولا تنتمي إلى الشرع ولا تعتبر.

لكن اليوم، وحتى من كتبوا في مقاصد الشريعة، لا نجد ذكرا للمصالح الأخروية إلا باختصار مع أنها هي أصل المصالح وأمها، والمصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة شرعا _يقول الشاطبي _ إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى…

إن أهم ما يجب فعله من طرف العلماء والمختصين بيانُ أن للشريعة الإسلامية مقصدا أسمى هو نيل السعادة الأخروية والقرب من الله عز وجل، وبيان _ما قاله الشاطبي_ أن المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة شرعا إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى …

التكاليف الشرعية ومقاصد الشريعة

تتحقق مقاصد الشرع بالتكاليف التي أنيطت بالإنسان. ونقصد بالتكاليف الأوامر والنواهي التي طُلب من الإنسان الامتثال لها. ولا يمكن _كما سبقت الإشارة_ تحقيق مقاصد الشرع خارج هذه التكاليف …

1_في مفهوم التكليف:

التكليف إلزام ما فيه كلفة، أي مشقة. قالت الخنساء:

يكلفه القوم ما نابهم وإن كان أصغرهم مولدا

وكلفه تكليفا رأى أمره بما يشق عليه، وتكلفت الشيء، تجشمته على مشقة، وعلى خلاف عادتك. . ويقال حملت الشيء تكلفة، إذا لم تطقه إلا تكلفا”[2].

والتكليف هو خطاب الأمر والنهي. والمكلف هو كل إنسان عاقل بالغ.

ولكي يصح التكليف لا بد من شروط ثلاثة:

_علم المكلف المأمور به، فلا يصح تكليفه بما لا يعلم.

_أن يكون الفعل المأمور به معدوما، لأن التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل وهو محال.

_كونه ممكنا فلا يصح التكليف بالمحال.

ولقد اهتم بالتكليف مبحث الحكم التكليفي في أصول الفقه، حيث نجد كل ما يتعلق بتكليف الإنسان وعوارض هذا التكليف. وهو ثمرة علم الفقه والأصول، كما قرر الغزالي، ومبحث نفيس جدا يحتاج إلى مزيد مراجعة وبحث في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، كما سنرى بعدُ، وفي ضوء ما حصل من تقدم في العلوم.

والحكم التكليفي هو ما اقتضى طلب فعل من المكلف، أو كفه عن فعل، أو تخييره بين فعل والكف عنه. ويشمل الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح.

وإذا كان العلم بأصول الفقه من الواجب الكفائي، فإن العلم بالحكم التكليفي يبدو مهمة عينية تخص كل مسلم. ذلك أن معرفة أوصاف، أو أحكام الأعمال، مقدمة ضرورية لسلوك طريق الإسلام والإيمان.

إن المكلف الذي يؤدي تكاليف الشرع على وجهها الأكمل هو الذي يحقق مقاصد الشرع من جهتين:

_نيل السعادة الأخروية والفوز برضى خالقه.

_المساهمة في إقامة نظام اجتماعي إسلامي والمحافظة عليه.

ذلك أن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق. وهي ثلاث مراتب:

_ضرورية: لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين … وحفظ الضروري يرجع إلى حفظ الدين، وحفظ النفس، والعقل، والعرض، والمال.

وقد شرع الإسلام لإيجاد الدين مجموعة من التكاليف في مقدمتها أركان الإسلام الخمسة وغير ذلك من العقائد والعبادات… كما شرع لحفظه وحمايته أحكام الجهاد.

ولإيجاد النفس شرع الزواج للتناسل وبقاء النوع الإنساني. ولحفظها أوجب تناول ما يقيمها من طعام وشراب وسكن، وأجب العقوبات على كل من يتلفها أو يهلكها.

كما حرم تناول الخمر والمسكرات والمخدرات لحفظ العقل، وأوجب عقاب من يتناولها.

ولحفظ العرض حرم الزنى، وشرع حد الزنى والقذف.

ولتحصيل المال أوجب السعي للرزق بالطرق الحلال من معاملات تجارية ومهن، وشرع لحفظه حد السارق وحرم الغش وأكل أموال الناس بالباطل والربا…

_حاجية: يحتاج إليها لرفع الضيق والحرج والمشقة. فشرعت الرخص في العبادات تخفيفا على المكلفين ورفعا للمشاق التي لا تطيقها أنفسهم. وفي المعاملات شرعت مجموعة من المعاملات والتصرفات التي تقتضيها حاجات الناس وظروفهم. وفي العقوبات جعل الدية على العاقلة تخفيفا عن القاتل الخطأ، ودرء الحدود بالشبهات …

_تحسينية: الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تألفها العقول الراجحات. ففي العبادات شرع الطهارة للبدن والثوب والمكان، وستر العورة والاحتراز عن النجاسات… وكل عبادة شرع مع أركانها وشروطها آدابا لها ترجع إلى تعويد الناس أحسن العادات. وفي المعاملات حرم الغش والتعامل في كل نجس وضار… وفي العقوبات حرم في الجهاد قتل الرهبان والصبيان والنساء، ونهى عن المثلة والغدر… هذا، وقد ندب الشرع إلى كل خلق جميل وفضيلة تهذب الفرد والمجتمع.

2_المقصد الشرعي من وضع الشريعة:

سبق لنا الوقوف عند كلام الشاطبي رحمه الله كون وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا، وكون المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا…

يتبين لنا أن الإنسان في هذه الدنيا أمام مقصدين: دنيوي وأخروي. لكن لا نعني بالدنيوي تحصيل الملذات والسعادة الدنيوية الصرفة، ولكن من حيث خدمتها للمصلحة الأخروية. وإذا كان الأمر بالنسبة للمصلحة الأخروية واضحا، وهو نيل رضى الله عز وجل والتنعم بقربه تعالى، فإن المصلحة الدنيوية تحتاج إلى توضيح.

فالمصلحة الدنيوية التي يعتبرها الشرع إنما هي مصلحة الجماعة، ولا تعتبر مصلحة الفرد إلا إذا اندرجت في هذه المصلحة العامة. كما أن مصلحة الفرد ليست أهواء أو نزوات تنزل به إلى درك الحيوانات، وإنما ما يقام ضرورات الحياة ولا تخرج عن المقصد الآخر تحقيق العبودية لله عز وجل. وتهم جميع العلاقات الإنسانية على اختلاف أنواعهم ودياناتهم.

وهكذا، يمكن القول: إن الإنسان أمام غايتين لا تنفك إحداهما عن الأخرى:

_غاية عدلية، أو استخلافية، ترمي إليها تكاليف تهتم أساسا بعلاقة الأفراد بعضهم مع بعض، أو مع أجهزة الحكم، قوامها العدل بجميع صوره ومجالاته وفك رقاب الناس من ظلم الطغاة.

والعدل هو إعطاء الحق لصاحبه … وهو ضد الجور. وقد بينت مجموعة من الآيات أقسام العدل وفصلت مجالاته:

ففي العدل الأسري يقول الله عز وجل: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة). (النساء:30)

وفي مجال القرابة، قوله تعالى:(وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى). (الأنعام: 152)

وفي إطار الجماعة المسلمة قوله عز وجل:(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا. إن الله يحب المقسطين). (الحجرات: 9)

وفي مجال الحكم بين الناس يقول الله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). (النساء:58)

والعدل من أهم وظائف النبوة التي يمثلها قول الله عز وجل (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب. وأمرت لأعدل بينكم. الله ربنا وربكم). ( الشورى:15)، فهذه الآية تمثل أساس بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهو إقامة العدل بين الناس في شتى المجالات لما كانوا يعيشونه من ظلم وفساد. وجميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية إنما جاءت لأجل تحقيق العدل.

وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أول السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، كما هو معروف، إمام عادل. وهذا إنما لقيمة الأمر الذي يقوم به.

وكم كانت كلمة ابن القيم رحمه الله جامعة وذات دلالة عندما قال: ”الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه… [3]

_غاية إحسانية، تقصد إليها تكاليف تهم بالأساس علاقة الإنسان بربه عز وجل، تعنيه هو أولا في مصيره وعاقبته.

والإحسان هو الإتقان. ويشمل كذلك مجالات مختلفة، منها قوله عز وجل: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم). ( الإسراء:7 ).

وقوله عز وجل: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. وبالوالدين إحسانا). (النساء:36)

وقوله سبحانه وتعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع إليه بالمعروف وأداء إليه بإحسان). (البقرة:78)…

وغير ذلك من الآيات التي يصعب حصرها والتي تدل على أن ما من أمر إلا ومطلوب فيه الإحسان. غير أننا نستطيع أن نحدد أعلى هذه المجالات وأصلها الذي عنه تتفرع المجالات الأخرى في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال جبريل عليه السلام عن الإحسان: ”أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. وأدنى مراتب الإحسان ما في حديث الموطأ أن امرأة بغيا رأت كلبا يلهث من العطش يأكل الثرى، فنزعت خفها وأدلته في بئر ونزعت فسقته فغفر الله لها.

فهذه المعاني والمراتب تعطينا في مجموعها مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، تعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس، وحتى بالأشياء …

المزيد من المشاركات
1 من 17
مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

ونعود إلى أصل لأصول الذي بينه الحبيب صلى الله عليه وسلم في حوار مع الملك والسلام الذي يرويه الفاروق عمر رضي الله عنه قائلا: ”بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا فقال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال أن تلد الأمة ربتها، وأن تلد الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق، فلبث مليا ثم قال لي يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”. (رواه الشيخان).

وعندما يسود الإحسان، فإن ذلك ضمان للمجتمع من مجموعة من الشرور والفتن، ذلك أن الإحسان، بما هو فضل وزيادة ومرتبة عليا في الدين والتقوى، معنى زائد على العدل، بل قد يحتويه.

ويمثل الغايتين قوله عز وجل: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل: 90)، هذه الآية الجامعة لأصول التشريع الإسلامي جاءت في سياق بيان أن القرآن الكريم كلام الله تعالى تبيان لكل شيء، وهو هدى ورحمة وبشرى للمسلمين…

وهنا، نرى من المفيد جدا أن نعيد النظر أحكام الفقه، وأوامر الشرع ونصيغها على ضوء هاتين الغايتين، حتى يتبين الإنسان المسلم مهمته فينهض في طلبها، ويعرف الغاية من وجوده في هذا الكون.

نحو صياغة مقصدية تؤهل للسلوك المقاصدي

(نموذج صياغة في ضوء غايتي العدل والإحسان)

لقد جاء الشرع الحكيم يوجه الناس في حياتهم الدنيا في أمور شتى، يرتب على ذلك جزاء أخرويا مصيريا. وفي غمرة الجري وراء الكسب المعاشي الدنيوي يغيب عن الإنسان هذا البعد الأخروي.

ونذكر بأن امتثال المكلف لأوامر الشرع، واجبات كانت أو مندوبات أو مباحات، وترك المنهيات، محرمات كانت أو مكروهات، ليست مقصودة لذاته، وإنما من أجل المقاصد والمصالح الناجمة عن هذا الامتثال أو ذاك الترك. فالحكم التكليفي بما يحتويه من دلالات الأحكام (الوجوب، الندب، الإباحة، الكراهة، التحريم) يتناول المهمة الأساسية للإنسان، التي كنا بصدد الكلام عنها، إلا أن الصياغة الحالية والسائدة لهذا الباب لا تسعف لتحصيل البعدين الأساسيين للتصور الخلافي، وهذا ربما بفعل ما حصل للأمة من تجزيء في العلم وما تلا ذلك من جمود في الفكر والاجتهاد. . .

وفي نظرنا لو كانت هناك صياغة مقصدية لهذا الباب، لكان ذلك طريقا أقرب إلى تحقيق التدين وسلوك الإنسان المكلف هذا السلوك المقاصدي. فالطالب يقضي سنوات في دراسة علوم الشريعة ويحفظ عن ظهر قلب الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام من دون أن تتحرك فيه حوافز الامتثال للأمر أو الترك، أو يدرك مقاصد هذه الأقسام…

وهكذا، نرى أن الطريق الأقرب لتحقيق هذا الغرض صياغة باب الحكم التكليفي صياغة تتوافق والتصور العام للاستخلاف، أي في ضوء غايتي العدل والإحسان التي تقصد إليهما تكاليف الشرع، وصياغة الأعمال المطلوب إلى الإنسان القيام بها أو تركها صياغة مقصدية، في ضوء العلل المنوطة بها والغايات التي تقصد إليها.

نقتصر في هذا النموذج على الحكم الواجب والمندوب والحرام.

أولا: الواجب:

وهو ما طُلب على وجه اللزوم فعله، بحيث يأثم تاركه ويثاب فاعله… هكذا تحدثنا كتب الأصول عن ماهية الواجب.

ويعتبر مبحث الواجب من أهم المباحث التكليفية والأصولية، لأنه الحكم الذي يصف أفعال المكلف، ولما يترتب عنه من نتائج وآثار لا تقف عند حد الأبواب الفقهية والأصولية فقط، ولكن ترتبط بالفرد إلى ما بعد الحشر والحساب، فيتحدد طبقا لذلك مصيره ودرجته… وهنا تكمن أهمية البحث في الواجب وضرورة معاودة النظر فيه في واقعنا اليوم. وتزداد أهمية الموضوع عندما نرى كثيرا من الناس يخلطون ولا يفرقون بين أنواع الواجب ومستوياته، مبتعدين في فهمهم عما أثله علماؤنا وأصوليونا رحمهم الله أجمعين.

ففي واقعنا المعاصر، مثلا، اختلط المر على كثير من الناس بخصوص نوعي الواجب: الكفائي والعيني، حتى أصبح العيني محل الكفائي، والكفائي محل المندوب، وإن شئت فقل لقد جُرِّد الكفائي من وجوبه.

ونؤكد أن الواجب أمر إلهي طُلب إلى المكلف فعله على وجه اللزوم، فإن لم يفعل صار عاصيا، وإن أنكره كان كافرا. والواجب الكفائي فقد عُرف أنه الذي يكون المطلوب فيه الفعل من الجماعة على حد سواء، فإذا وقع الفعل من البعض سقط الإثم عن الباقين، ولا يستحق أحد ذما، وإذا لم يقم به أحد أثم الجميع. وهذا ما ذهب إليه الجمهور: “إن الواجب الكفائي موجه إلى كل فرد”[4].

إن المجتمع الإسلامي اليوم أحوج إلى إحياء الواجب الكفائي، لأن الفهم المعوج ورّث في الأمة الخمول والاتكالية. فهناك من يضع في حسبانه أن هناك من يقوم بالفعل فلا يعنيه هو، بل هو ساقط عنه، والأمثلة في مجتمعنا عديدة.

والواجب عينيا، كان أوكفائيا، لا بد وأن يؤدي وظيفتين للمكلف:

الأولى: فهو يقرب الإنسان من الله تعالى خالقه، بل به يبدأ المسلم التدرج في عالم الإيمان. وهذا هو مقصد جميع العبادات، بل وحتى المعاملات التي تكتسي صفة الواجبة.

فالصيام، مثلا، من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها فينتقل الإنسان من عالمه المادي إلى العالم الروحاني الصافي من الكادورات. كما يزداد به المسلم قربا من مولاه، وينال ثوابا أعظم وأكبر. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “الصيام جنة. فلا يرفت ولا يجهل. وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين. والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. الصيام لي وأنا أجزي به”. (رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة واحمد ومالك). فانظر كيف يقرب الصيام العبد من مولاه. ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقد من ذنبه. وهو أيضا وجاء من كثير من المعاصي…

والصلاة أيضا، فهي تكفر الذنوب وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وبها يكون العبد أقرب إلى الله تعالى، يناجيه ويدعوه ويتبتل إليه. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تُغشَ الكبائر”. (رواه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد).

وإذا لم يقم الإنسان بهذه الواجبات، فإنه يبتعد رويدا رويدا عن الله عز وجل. ففي الصلاة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة”. (رواه مسلم والنسائي). فانظر كيف يكون ترك الواجب بابا ومدخلا إلى الكفر.

والثانية: عندما يقوم المكلف بواجب ما فإنه بذلك يساهم في البناء الاستخلافي، أي أن ذلك الواجب لا تقتصر فوائده على المكلف كفرد، ولكن يتعدى أثره إلى الجماعة. فإذا كان الصيام موجبا لترك المعاصي، فإن الصائم يقي المجتمع من شره ويكفيه نفسه، لاسيما وأن الصوم يهذب الغرائز، فلا تطغى القوة الشهوانية والغضبية على الإنسان. وهو بهذا يحافظ على نظام الأمة ونظام التعايش على الأرض.

ونفس الأمر بالنسبة إلى الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فالمحافظ على أداء الصلوات يجد ناهيا بداخله عن الاقتراب من الفحش والمنكر. وندرك جيدا أن الفحش المنكر، كما سنرى لاحقا، إذاية للمجتمع المسلم وخرق لنظام الأمة والتعايش في هذه الأرض.

وفي الزكاة، نجد الأمر أكثر وضوحا، وأثرها أبين. فالذي يدفع الزكاة يزكي نفسه بها أولا، فتسمو روحه وتغفر ذنوبه. ومن جهة أخرى، فإنه يساعد المحتاج في قضاء حوائجه، فيستوي بذلك المالك الغني مع الفقير المحروم، ويلتحم جسم الأمة محققا بذلك العدل الذي لا يتم استخلاف من دونه.

 ثانيا: المندوب:

والمندوب هو ما طلب الشارع فعله طلبا غير لازم، أو هو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. هذا ما نجده عند علماء الأصول. وهو ثلاثة أقسام:

+مندوب فعله على وجه التأكيد، وهو لا يستحق تاركه العقاب، ولكن يستحق اللوم والعتاب. ومثاله الصلاة جماعة.

+مندوب مشروع فعله، وفاعله يثاب وتاركه لا يستحق عقابا ولا لوما. ومثاله النافلة والصدقة.

+مندوب زائد، يعد من الكماليات للمكلف. ومثاله الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم.

وكما قنا في الواجب، فالإنسان المكلف إذا قام بفعل حكمه مندوب، فإنه يحصل فائدتين:

_نيل الثواب: وهذا يعني مزيد قرب من خالقه تعالى مرتقيا في مدارج الإيمان، ويتحقق فيه الحديث الشريف: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا. وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”. (رواه البخاري ومسلم). والتقرب إلى الله عز وجل هو إتيان النفل بعد الفرض. وهذا هو المندوب.

_المشاركة في البناء الاستخلافي: ذلك أن المؤمن التقي المتقرب إلى الله عز وجل أقدر في الغالب على إقامة صرح الخلافة، وأقدر على تحمل المشاق في سبيل ذلك، من أمر بمعروف ونهي عن منكر وتعامل ورع مع الغير.

ولا ننس أن القيام بالمندوب يعني طاعة وولاء للآمر، والمطيع دائما له قوة تنفيذية خارقة في سبيل من يطيع، ولا ينظر أبدا إلى العقبات والأشواك الموجودة في الطريق.

والعكس، إذا أغفل الإنسان عن المندوبات، كان ذلك سببا في ترك الواجبات، لأنها سياجها. كما أن المسلم في هذه الحالة لا يكون له وارد إيماني يزداد به قربا من الله تعالى ويعينه على مواجهة الشدائد والصعاب في سبيل دين الله عز وجل. وهذا يعني فيما يعني انعدام رابط قوي بين الإنسان وخالقه تعالى، ف نجد للطاعة قوتها وتماسكها وانطلاقها. فالطاعة تعني الانقياد، والانقياد يبرره العمل… هذا في الجانب الإحساني.

أما في الجانب العدلي، فإن ترك المندوبات تعني نوعا من الحياد في البناء الاستخلافي. وهذا أمر خطير جدا. فدعوة الله عز وجل لا تحتاج لمن يقف عند حد الفروض مخلصا نفسه فقط، وإنما تطلب مشاركة الجميع لتخليص رقاب خاضعة لغير الله عز وجل ونصب راية الشرع وتقديمه للناس في أحسن حلة.

ولعل هذا ما نلمسه اليوم، فالناس مكتفون بالحد الأدنى من التدين، ولا يهمهم الارتقاء. وما هذا، في نظرنا، إلا لغياب التصور الاستخلافي الذي يحمله المشروع الإسلامي…

ونتوقف هنا عند أمثلة ثلاثة:

في صلاة الجماعة، نقف مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “لقد هممت أن آمر فتيتي أن يجمعوا حزم الحطب ثم آمر بالصلاة فتقام ثم أحرق على أقوام لا يشهدون الصلاة”. (رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد والدارمي). فهذا غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على من لا يشهدون صلاة الجماعة، وقد رأينا أنها من المندوبات. وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا في أمر ذي بال.

ثم إن صلاة الجماعة عامل مهم في تواصل المسلمين بين بعضهم، وتحقق فعلا الوحدة التي ينشده الإسلام، فيكون التكافل والتواصي بالحق والصبر والمواساة والمشاركة في السراء والضراء…

وصيام التطوع أيضا، لا يخرج عن هذا الإطار، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن مقام الصائم: “إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم. يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد”. وهذا لفضل ما يقومون به.

ومن جهة أخرى، فالصائم يكون أبعد عن إذاية غيره، حيث له وجاء من المعاصي، ولا تتحرك فيه الغرائز الحيوانية كغيره. وبهذا لا يحدث خرما في البناء الخلافي، بل يساعد على إقامته وتشييده…

وصدقة التطوع، أيضا، أمرها أبين وأوضح، فهي دليل على تمكن الإيمان من مؤديها، وبها يزداد العبد تقربا من مولاه، وقد جاء في الحديث: “لا تزول قدما يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أفناه. ” (رواه الترمذي والدارمي).

قد يبدو أن المال ملك لصاحبه، وهو حر في إنفاقه، لكن ذلك محل سؤال يوم القيامة، ذلك أن الشرع حدد أين تصرف الأموال من دون تبذير، وإن كان ذلك لا يكتسي صفة الوجوب، بل يأخذ صفة الندب.

 ثالثا: الحرام:

والحرام هو ما طُلب إلى المكلف الكف عن فعله على وجه اللزوم، ويعاقب فاعله.

وارتكاب الحرام لا يقف أثره عند التعريف فقط، بل يتعدى الفرد في علاقته مع ربه عز وجل أولا، وفي علاقته مع مجتمعه ثانيا.

ففي علاقة مرتكب الحرام بخالقه، فإن العلاقة لا تبقى قوية، لأن حبل الإيمان لم يعد قويا كما كان قبل ارتكاب الحرام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن”. (رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدارمي). ويسجل هذا في صحيفته، ويدعوه الأمر إلى الاستغفار الفوري والتوبة المنيبة. ففي الخمر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه”. (رواه أبو داود وأحمد).

وإذا كانت استجابة الدعاء دليلا لقرب العبد من مولاه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد مقترف الحرام بعدم استجابة دعوته قائلا: “يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا. إني بما تعملون عليم). وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟” (رواه مسلم والترمذي وأحمد والدارمي). فانظر إلى مصير العبد عند ربه حين يقترف الحرام.

ومن جهة أخرى، فالذي يتناول المسكر، يكون قد أحدث بذلك خرما بمقصد ضروري أم الشرع بحفظه، وهو حفظ العقل.

والذي يقتل نفسا بغير وجه حق، يكون قد أخل بضروري، وهو حفظ المال.

ومن زنى، فإنه يحدث خرما بمقصد كلي هو حفظ النسل.

وهكذا، تكون مقاصد الشرع عرضة للضياع، ولا يبقى للأمة نظام، ولا مجال، إذن، للكلام عن مهمة الإنسان في هذا الوجود وهي الاستخلاف.

خاتمة

إن علم مقاصد الشريعة الإسلامية، رغم المجهودات التي بذلت في الآونة الأخيرة من اجل إبرازه، فإنه لم يأخذ حقه بعدُ في منظومة العلوم الإسلامية، وهو أعظمها وأشرفها. وإذا كان هذا العلم حاضرا، ضمنا، عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يصدرون إلا عنه، في اجتهاداتهم وممارساتهم اليومية، فإنه، وبفعل الجمود الفكري عامة، والفقهي خاصة، أصيب بالضمور. بل حتى عندما كتب الشاطبي رحمه الله في ذلك كتابه “الموافقات في أصول الأحكام”، فإن ذلك لم يكن ليحظى بعناية أهل العلم والفقه إلا مع بداية النهضة العربية الحديثة، قبيل بداية القرن الرابع عشر الهجري… هنا فقط، بدأ الاهتمام بهذا العلم والنظر فيما كتبه الإمام الشاطبي رحمه الله بالتفسير والتعليق والتطبيق …

ورغم هذه المجهودات الطيبة المباركة، ورغم ما نلمس من آثار لها في بعض الاجتهادات، إلا أن ذلك لا يوافق تطلعات الصحوة الإسلامية المعاصرة، ولا تستطيع أن تؤهل للتدين المطلوب.

وهكذا، كانت النقطة التي حاولت التنبيه إليها في هذا الموضوع هي سبيل الانتقال بمقاصد الشريعة من كونها أداة للاجتهاد يمتلكها العلماء والمجتهدون، إلى سلوك يطبع تصرفات كل متدين له غايتان:

الأولى: تمتين الصلة بالخالق عز وجل من أجل رضاه.

والثانية: المشاركة الجماعية في البناء الاستخلافي الذي نُدب إليه الإنسان بتكليف الشرع.

هذا اجتهاد. وأملنا أن تتواصل الأبحاث في هذا الاتجاه للانتقال بفقه مقاصد الشريعة الإسلامية من مجال النظر والتنظير إلى مجال العمل والسلوك. ولا شك أن هناك الكثير من درر الإمام الشاطبي رحمه الله لم يكتب لها الاكتشاف.


نشر بالعدد الثاني من مجلة منار الهدى

[1] _الموافقات 2/4.

[2] _ابن منظور، لسان العرب، مادة “كلف”.

[3] _إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/1.

[4] _وهبة الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي 1/26.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.