منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

طرائق التدريس النبوية

اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

بعث رسول الله عليه الصلاة والسلام معلما ومربيا، فكانت أعظم وظيفة حباه الله تعالى بها هي أن جعله معلما للمسلمين وللناس كافة، قال سبحانه عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيٰتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الجمعة: 2. وعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً”[1]. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين: إحداهما: يقرءون القرآن ويدعون الله، والأخرى: يتعلمون ويعلمون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كل على خير؛ هؤلاء يقرءون القرآن ويدعون الله، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون ويعلمون، وإنما بعثت معلماً فجلس معهم”[2]. كان عليه الصلاة والسلام مدرسة كاملة الأركان، تخرج منها جهابذة الأمة الإسلامية، قادوا العالم لفترة طويلة وبنوا حضارة عريقة علما وعمرانا.

فما هي يا ترى الطرائق التعليمية التي سلكها عليه الصلاة والسلام في تعليم هذا العدد الجم الغفير من الناس، ودفعهم إلى محو العامية دفعا؟

أولا: في مفهوم طرائق التدريس

  • الطرائق لغة واصطلاحا

المزيد من المشاركات
1 من 17

وردت كلمة طرائق في القرآن الكريم بمعنى “فرق”[3] قال تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُون ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِق قِدَدًا}[4]. وهي مفرد طريقة، وعرفت الطريقة بأنها المسلك وهناك من عرفها بأنها: السيرة والمذهب والطريق[5]، قال تعالى: {قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ} طه 63.

وفي الاصطلاح اختلفت تعريفات الطريقة بحسب مجال تداولها، فالطريقة في علم العقيدة ليست بنفس المعنى في علم الفقه وهكذا. أما في المجال التربوي فليس هناك حد يجمع عليه في اصطلاح الطريقة، بحيث أن كلا يراها من منظوره الخاص وانطلاقا من فلسفة التربية التي يؤمن بها. فهناك من يرى أن الطريقة في التدريس هي: “ما يتبعه المعلم من خطوات متسلسلة متتالية مترابطة لتحقيق هدف أو مجموعة أهداف تعليمية محددة”[6]. وتعريف آخر يرى بأنها: الأسلوب أو المنهج الذي يسلكه المعلم مع تلاميذه في عملية التدريس، بحيث يتيح هذا الأسلوب أو المنهج، الفرصة الكاملة للتلميذ لكي يشارك بنشاط، وفاعلية في عملية التعليم، وبحيث لا يصبح المتعلم متلقياً ولكن مشاركاً[7].

  • التدريس لغة واصطلاحا

التدريس: هذه الكلمة مشتقة في اللغة من الفعل دَرَّسَ، ” ودَرَّسَ الكتاب: قام بتدريسه، وتدارس الشيء أي: درسه وتعهده بالقراءة والحفظ ومنه الدرس: وهو المقدار من العلم يدرس في وقت ما والجمع دروس”[8]. ومن هذه الدلالة وغيرها يتبين أن معنى التدريس في اللغة يفيد بذل الجهد للقراءة، أو الحفظ، أو الفهم أو التلقين والإفهام.

من حيث الاصطلاح هو: نشاط تعليمي تعلمي يقوم به المدرس لإكساب المتعلم مجموعة من المعارف، والمهارات، والقيم والسلوكات؛ لتوظيفها في وضعيات مختلفة[9].

  • طرائق التدريس

أما طرائق التدريس باعتبارها مفهوما مركبا فهي: “إجراء منظم في استخدام المادة العلمية، والمصادر التعليمية، وتطبيق ذلك بشكل يؤدي إلى تعلم الطلاب بأيسر السبل”[10] أو هي: “المنهج الذي يسلكه المعلم في توصيل ما جاء في الكتاب المدرسي أو المنهاج الدراسي من معرفة ومعلومات ونشاطات للتعلم بسهولة ويسر[11].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

ثانيا: المعلم قدوة بمظهره وعمله قبل علمه:

اعتناء المعلم بمظهره:

من أهم الأمور التي تؤدي إلى صناعة انطباع المتعلمين الأول عن معلمهم: لباسه ومظهره، بل إن مظهر المعلم أشد تأثيرا في ذات المتعلم من المعرفة التي يتلقاها منه، لذلك وجب على المعلمين الاعتناء بحسن مظهرهم بما يتماشى مع عرف المتعلمين ووبيئتهم من غير مخالفة للشرع طبعا. وقد وردت في المسألة أحاديث نبوية عدة منها: ما رواه أبو داود بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش”[12]. وأورد الترمذي في الشمائل وابن سعد في الطبقات عن قتادة قال: “ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم حسن الوجه، حسن الصوت”.

المعلم قدوة بالعمل:

إن البيان بالفعل أكثر وقعا في نفوس المتعلمين من البيان بالقول، وأعونهم على الفهم وأدعى إلى التأسي والاقتداء. لذلك نجد أكثر أساليب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه كانت فعلا وعملا. وقد شهد له بهذا الجلندى ملك عمان عندما راسله عليه الصلاة والسلام يدعوه إلى الإسلام، فقال الجلندى: “والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من يأخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له”[13]. والأمثلة على مبادرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه بالفعل كثيرة جدا نذكر منها ما رواه الإمام مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: “أتانا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في مسجدنا هذا وفي يدِه عُرجونُ بنُ طابٍ[14] فنظر فرأى في قبلةِ المسجدِ نخامةً فأقبل عليها فحتَّها بالعُرجونِ ثم قال أيُّكم يحبُّ أن يُعرضَ اللهُ عنه بوجهِه! ثم قال إن أحدَكم إذا قام يصلي فإن اللهَ قِبَلَ وجهِه فلا يَبصُقنَّ قِبَلَ وجهِه ولا عن يمينِه وليبزُقْ عن يسارِه تحت رجلِه اليسرى فإن عَجِلت به بادرةٌ فليقُل بثوبِه هكذا ووضعَه على فيه ثم دلَكَه ثم قال أروني عبيرًا فقام فتى من الحيّ يشتدُّ إلى أهلِه فجاء بخَلُوقٍ في راحتِه فأخذَه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فجعلَه على رأسِ العُرجونِ ثم لطَخ به على أثرِ النُخامةِ. قال جابرٌ: فمن هناك جعلتم الخلوقَ في مساجدِكم”.

 ثالثا: من طرائق رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعليم

تنوعت طرائق وأساليب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه وتربيتهم، وقد تميزت هذه الطرائق والأساليب بشدة أثرها في نفسية المتلقي، وأقربها إلى فهمه وعقله. فكان “تارة يكون سائلا، وتارة يكون مجيبا، وتارة يجيب السائل بقدر سؤاله، وتارة يزيده على ما سأل، وتارة يضرب المثل لما يريد تعليمه، وتارة يصحب كلامه القسم بالله تعالى، وتارة يلفت السائل عن سؤاله لحكمة بالغة منه صلى الله عليه وسلم، وتارة بطريق الرسم، وتارة بطريق التشبيه أو التصريح، وتارة بطريق الإبهام والتلويح…”[15] وغير ذلك.

أ- الموازنة العقلية:

  • طريقة الحوار والمساءلة: تكمن أهمية هذه الطريقة في كونها تفتح أذهان المتعلمين، وتدفعهم لإعمال فكرهم وشد انتباههم، كما تشوقهم لمعرفة الجواب. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمساً، (حوار) هل يُبْقي من درنه شيئاً (مساءلة)”، قالوا: لا يبقي من درنه شيئاً قال: “كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا”. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أتدرون من المفلس؟” قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: “إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار”. رواه مسلم
  • طريقة التشبيه وضرب الأمثال: كان عليه الصلاة والسلام يستعين في تقريب الفهم لأصحابه بالتشبيه وضرب الأمثال مما يشهدونه في بيئتهم ومما هو واقع تحت حواسهم، والأمثلة على هذا كثيرة جمعها بعض علمائنا رحمهم الله في كتب مستقلة كالحافظ أبو الحسن العسكري المتوفى سنة 310ه وكتاب الأمثال لأبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد المشهور بالرامهرمزي المتوفى سنة 360ه وغيرهما. لكن لابأس من ذكر بعض الأمثلة على ذلك: روى البخاري عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ المؤمن الذي يقرأُ القرآن (ويعملُ به) كمَثَل الأُتْرُجَّة؛ ريحُها طيِّب، وطعمُها طيِّب، ومَثَلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمَثَل التَّمرة؛ لا ريح لها، وطعمُها حلوٌ، ومَثَل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الرَّيحانة؛ ريحها طيِّب، وطعمها مر، ومَثَل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمَثَل الحنظلة؛ ليس لها ريح، وطعمها مرٌّ”. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : “إِنَّ مَثَل مَا بعَثني اللَّه بِهِ منَ الْهُدَى والْعلْمِ كَمَثَلَ غَيْثٍ أَصَاب أَرْضاً فكَانَتْ طَائِفَةٌ طَيبَةٌ، قبِلَتِ الْمَاءَ فأَنْبَتتِ الْكلأَ والْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ[16] أَمسكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّه بِهَا النَّاس فَشَربُوا مِنْهَا وسَقَوْا وَزَرَعَوا وأَصَابَ طَائِفَةٌ مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينَ اللَّه، وَنَفَعَه بمَا بعَثَنِي اللَّه بِهِ، فَعَلِمَ وعَلَّمَ، وَمثلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْساً وِلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ”[17].                                                                                                وعن النُّعْمانِ بنِ بَشيرٍ رضي اللَّه عنهما، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: “مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعً”[18]
  • طريقة السؤال: يعد السؤال في الممارسة التربوية أداة رئيسة للتفاعل بين المعلم وتلامذته، بحيث يحفِّز عن طريقه المتعلمين على التفكير والتحليل والتركيب، وكذا الربط والإدماج من خلال التركيز على مهاراتهم وقدراتهم العليا. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه “عن الشيء وهو يعلمه، وإنما يسألهم ليثير فطنتهم، ويحرك ذكاءهم، ويسقيهم العلم في قالب المحاجاة”[19]، ومن أمثلة ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بَيْنا نحنُ عند النبي صلى الله عليه وسلم جُلوس ، إذْ أُتِيَ بِجُمّارِ نَخْلَة ، فقال وهو يأكُلُه : إنَّ من الشَّجَر شَجَرة خضراءُ ، لَما بَرَكَتُها كبَرَكَةِ المسلم ، لا يَسْقُطُ وَرَقُها ، ولا يَتَحاتُّ ، وتُؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذْنِ رَبِّها ، وإنها مِثْلُ المُسْلِم، فحدِّثوني ما هي؟

ب-مراعاة قدرات المتعلمين وظروفهم

  • طريقة التدرج في التعليم: التدرج منهج رباني في تعليم عباده وتربيتهم على الإيمان والتقوى، يظهر ذلك جليا من خلال الأحكام الواردة في الآيات القرآنية، حيث نزلت أغلب الأحكام والزواجر والنواهي والأوامر بالتدرج. ولعل مسألة تحريم الخمر أبلغ مثال على ذلك. وقد أرسى هذا المبدأ وثبت أسسه ونهجه النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه، حيث كان يتدرج معهم في ترتيب وتقديم المعلومات والنصيحة، وتلقين الأساسي منها معقبا إياه بالشرح والمثال، حتى يكون ما يعلمهم إياه أقرب تناولا وأسهل فهما. فمن أمثلة هذا التدرج ما رواه جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ” كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا [20]“. وعن أبي عبد الرحمن السُلَمي بقوله: “حدّثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل”[21]
  • مراعاة الفروق الفردية: على المتصدر لمهنة التعليم أن يكون على دراية بما بين طلابه من فروق، حتى يتمكن من معرفة نواحي القوة والضعف فيهم فيوجه العملية التربوية بما يساعد كل على حسب قدراته واستعداده. فإن “لم يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم ومبلغ استحقاقهم كانوا وإياه في عناء مكد وتعب غير مجد … فيعجز الذكي منه، ويعجز البليد عنه، ومن تردد أصحابه بين عجز وضجر ملوه وملهم”[22]. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على مراعاة هذه الفروق بين أصحابه وغيرهم من مخاطبين وسائلين. والأمثلة على ذلك كثيرة منها: عن أَنسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -وَمُعَاذٌ ردِيفُهُ عَلى الرَّحْلِ- قَالَ: يَا مُعاذُ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قالَ: يَا مُعَاذُ، قالَ: لَبَّيكَ يا رَسُول اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثَلاثًا، قالَ: مَا مِن عَبدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِله إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ، قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا أُخْبِرُ بِها النَّاسَ فيَستبشِروا؟ قال: إِذًا يَتَّكِلُوا”[23]، فَأَخْبرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْد مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. فامتناعه عليه الصلاة والسلام عن عدم إخبارهم بالبشارة خوفا على أن يتبادر إلى أحدهم أن ذلك يكفي للنجاة من النار دون العمل. وعن ابن عمرو بن العاص قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شاب فقال: يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ فقال: لا. فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال نعم. فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قد علمت لما نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه.”[24]

ت- استخدام الوسائل التعليمية:

  • طريقة الرسم: كان عليه الصلاة والسلام يستعين على توضيح بعض المعاني بالرسم على الأرض أو التراب، ومن ذلك ما روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وخَطَّ خَطًّا في الوَسَطِ خَارِجًا منْهُ، وَخَطَّ خُططًا صِغَارًا إِلى هَذَا الَّذِي في الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي في الوَسَطِ، فَقَالَ:  “هَذَا الإِنسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطًا بِهِ –أَوْ: قَد أَحَاطَ بِهِ- وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْراضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذا نَهَشَهُ هَذا”. وعن جابر بن مسعود رضي الله عنهما قال: كنا جلوساً عند النبي صلَّى الله غليه وسلم، فخطَّ بيده خطاً هكذا أمامه، فقال: “هذا سبيلُ الله عزَّ وجلَّ، وخطَّ خطين عن يمينه، وخطين عن شِمالِه، وقال: هذه سُبلُ الشيطان، ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية :(وأنَّ هذا صِراطي مستقيماً فاتَّبِعوه، ولا تَتَّبعوا السُّبُلَ فَتَفرَّق بكم عن سَبيله، ذلكم وصَّاكم به لعلكم تَتَّقون)[25] رواه أحمد في المسند.- طريقة الإشارة الجسدية للتوضيح: وهذا من أشد ما يجذب الانتباه ويوضح المعنى وينبه إلى أهميته. وفي السيرة النبوية أمثلة جمة عن ذلك منها: روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين”، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا. وعن البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ثم شبك رسول الله بين أصابعه. وروى الترمذي عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله حدِّثْني بأمرٍ أعتصِمُ بِهِ قالَ “قُلْ ربِّيَ اللَّهُ، ثمَّ استقِم” قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما أخوَفُ ما تخافُ عليَّ؟ فأخذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانِ نفسِهِ ثمَّ قالَ: “هذا”.

خاتمة:

تبقى هذه بعض طرائق التدريس النبوية التي وفقنا الله عز وجل في استحضارها على سبيل الذكر والبيان، لا على سبيل الحصر، وإلا فإن المتعمق في كتب السيرة يقف فيها على طرائق وأساليب نبوية عدة. فسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم معين لا ينضب من الخبرات والحكم والتجارب التي ترشد أجيال الأمة العاملين على نهوضها وتطورها في كل زمان ومكان.

 

[1]      صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، حديث رقم: 2795.

[2]  الإمام ابن كثير الدمشقي الشافعي، جامع المسانيد والسنن، تح: عبد المعطي أمين قلعجي، دار الفكر للطباعة والنشر-بيروت لبنان، ج 26 ص 288.

[3] الإمام القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تح سالم مصطفى البدري، ج 19، دار الكتب العلمية-بيروت- لبنان، ط1971 ص 16.

[4]  سورة الجن الآية 11

[5] (مجمع اللغة العربية. المعجم الوسيط. دار الكتب المصرية، القاهرة بدون تاريخ، ج2 ص 576).

[6] حسن ظاهر بني خالد، فن التدريس في الصفوف الابتدائية الثلاثة الأولى، دار أسامة للنشر-عمان الأردن، ص204

[7] د. خالد حسين أبو عمشة، مقال: مصطلحات: الإستراتيجية، المدخل، الطريقة، الأسلوب، والتخطيط التربوي. https://www.alukah.net/social/0/81066/

[8]  كمال عبد الحميد، زيتون، التدريس نماذجه ومهاراته، عالم الكتب-القاهرة، ط الأولى 2003، ص 27

[9]  د. سعيد حليم، الميسر في علم التدريس، ص 09. https://drive.google.com/file/d/1_ERpaIooQUIGP-5fRPRgpV8L0VP9FAxo/view

[10]  علي عبد السميع قورة ووجيه المرسي أبولين، الاستراتيجيات الحديثة لتعليم وتعلم اللغة، كلية التربية جامعة المنصورة-مصر، ص72.

[11]  أفنان نظير دروزة، النظرية في التدريس، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان الأردن 2000، ط1 ،ص176.

[12]محمد بن علان الصديقي الشافعي، دليل الفالحين لطريق رياض الصالحين،  دار الكتب العلمية-بيروت لبان، ج 3 ص 252.

[13] الإمام أبي القاسم السهيلي، الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لان هشام، ج 4، دار الكتب العلمية-بيروت لبنان، الطبعة غير مذكورة ص392-393.

[14]  العرجون بضم العين هو العود الأصفر إذا يبس واعوج، وقوله “عرجون ابن طاب” هو نوع من تمر المدينة منسوب الى ابن طاب رجل من أهلها.

[15]  عبد الفتاح أبو غدة، الرسول المعلم، مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب، ط 1992، ص 63-64.

[16]  صلاب الأرض التي تمسك الماء ولا تشربه سريعا.

[17]  البخاري 1/175 في كتاب العلم، باب من علم وعلم.

[18]  البخاري، كتاب الشركة، باب: هل يقرع في القسمة.

[19]  الرسول المعلم، مرجع سابق، ص102

[20] رواه ابن ماجه (61)، وصححه الألباني في “صحيح سنن ابن ماجه” (1 / 37 – 38).

[21]  رواه الإمام أحمد في مسنده

[22] الماوردي، أدب الدنيا والدين، ت مصطفى السقا، ط الرابعة، دار الكتب العلمية، بيروت -1968م

[23]  رواه البخاري في كتاب العلم، ومسلم في كتاب الإيمان.

[24]  رواه الإمام أحمد في مسنده

[25]  الأنعام 153

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.