منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العبودية الخاصة في سياق معركة طوفان الأقصى”رؤية شرعية”

العبودية الخاصة في سياق معركة طوفان الأقصى. رؤية شرعية/الدكتور أحمد محمد زايد

0

العبودية الخاصة في سياق معركة طوفان الأقصى”رؤية شرعية”

بقلم : الدكتور أحمد محمد زايد أستاذ بجامعة الأزهر

غاية ما تقوم به الأنظمة العربية اليوم ودماء المسلمين تسيل أنها تعبر عن قلقها، تستنكر، ترفض، تطالب العالم بكذا وكذا… إلخ، فهل وظيفة الأنظمة والحكومات من الناحية الشرعية مجرد الاستنكار والشجب؟ هل يقبل هذا شرعا؟ هذا ما سنوضحه في هذه الأسطر.

من المقرر في شريعتنا أن العبودية نوعان (عامة وخاصة )، فأما العامة فهي ما يشترك فيه عموم المسلمين مما شرع الله لهم من صلاة وصيام وحج وذكر وسائر العبادات على السواء.

وأما العبودية الخاصة فيقول عنها ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إعلام الموقعين:

*ولله سبحانه على كل أحد عبودية بحسب مرتبته سوى العبودية العامة التي سوّى بين عباده فيها*

وهي عبارة دقيقة جامعة تضيف أفقاً في الفهم والعمل، فإذا اشترك الناس في الواجبات والأحكام العامة بحكم كونهم مسلمين، فقد خص الله تعالى كل واحد من الخلق بمسئوليات حسب مكانته وقدراته ومواهبه، وهي تختلف من إنسان لآخر، وقد فصل ابن القيم – رحمه الله- في بيان ذلك على الآتي:

*أولا: العبودية الخاصة للعلماء* قال : “فعلى العالم من عبوديته نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس على الجاهل وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره”

*ثانيا: عبودية الحاكم الخاصة* وقال فيها: “وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه من هو عليه به والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي”

*ثالثا: عبودية الأغنياء* وقال فيها:” وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير”

*رابعا:عبودية القادر على الدعوة إلى الله* فقال:” وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما، وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يوماً في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقالت له امرأة هذا واجب قد وضع عنا فقال هبي أنه قد وضع عنكن سلاح اليد واللسان فلم يوضع عنكن سلاح القلب فقالت صدقت جزاك الله خيرا”

حكم تعطيل هذه العبوديات وموقف الشرع من أصحابها؟

لما كان هذا اللون من العبودية ذا شأن خطير نظراً لما يترتب على القيام به من مصالح ولما ينشأ عن الإخلال به من مفاسد، يقول ابن القيم وهو يصور لنا أثر تعطيل وتضييع هذه العبودية:” وقد غر إبليس أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع وعطلوا هذه العبوديات فلم يحدثوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس ديناً، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به، فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالاً عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي، فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجهاً ذكرها شيخنا رحمه الله في بعض تصانيفه، …… وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم – يرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين وخيارهم المتحزن المتلمظ ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون وهو موت القلوب فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل”.
وإذا لم يقم كل صاحب حالة بالعبودية الخاصة فينبغي أن تعيد الأمة النظر في شأنه بالحجر عليه إن كان مفتيا، ومنعه من العمل إن كان مهنيا، أو إسقاطه وتنصيب من يقوم مقامه ممن يقوم بهذا الواجب العام إن كان حاكما، ومن هنا يأتي قول أبي حنيفة رضي الله عنه :*يجب أن يحجر على ثلاثة :المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس*

عبوديات خاصة ثلاث يجب تفعيلها على الفور في معركة طوفان الأقصى

• عبودية الحكام والمسئولين
• عبودية العلماء
• عبودية الأغنياء

*أولا: عبودية الحكام والمسئولين*

إن عبودية الحاكم لا تستوي مع غيره فلا يقبل منه أبدا مجرد تصريح بشجب أو رفض او استنكار لمذبحة في حجم طوفان الأقصى، أو مطالبة يوجهها لمجهولين أو لكفار، وذلك لأن واجباته الشرعية تتمثل في إقامة الحق، والقيام بالجهاد، وتحريك الجيوش لاستنقاذ المسلمين، وحراسة الثغور، وتحقيق العدل وحماية الأمة. فإن لم يفعل ذلك فلا طاعة له ويجب إسقاطه حينئذ شرعا لأنه يصير حينئذ وبالا على الأمة مضيعا لها، والرضى به عند تعطيل هذه الواجبات معصية كبرى تضيع معها مصالح العباد والبلاد كما هو حاصل اليوم.

*ثانيا: عبودية العلماء*

هي بيان الحق وتوجيه الأمة نحو واجب الوقت، والنصح لا الخداع ، والتحريك لا التخدير، والقيادة لا التخاذل، والجهر بالحق الإسلامي، وعلى الأمة حينئذ طاعتهم فهم أولو الأمر على الحقيقة، وانشغال العلماء بغير ذلك عبث ولعب غير مقبول ولا تبرا به الذمة، وهؤلاء المضيعون لواجب البيان عند الحاجة إليه هم كما قال ابن القيم ” أقل الناس دينا ” وموقفهم أشد عند الله من مرتكب الكبائر لكتمانهم الحق، ولا تغنيهم عبادات فردية أو أي كلام بعيد عن واجب الوقت.

*ثالثا: عبودية الأغنياء*

المال عصب الحياة، وهو مقدم في الجهاد عن الجهاد بالنفس في كل آيات الجهاد في القرآن عدا آية التوبة، ولا يقبل في المعارك الفاصلة اكتفاء الأغنياء ببعض النفقات هنا وهناك، بل الواجب شرعا بذل المال في أولوياته، وأولى الأولويات الآن القيام بفرض دعم غزة والمجاهدين هناك، ولا يقبل من أغنياء المسلمين ترك ذلك والتوجه إلى العبادات الفردية وترك فلسطين وغزة والمجاهدين
قيل لبِشر: إن فلاناً الغني كثير الصوم والصلاة فقال: المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره وإنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين فهذا أفضل له من تجويعه نفسه ومن صلاته لنفسه من جمعه للدنيا ومنعه للفقراء .
وقال ابن مسعود :(في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب يهون عليهم السفر ويبسط لهم في الزرق ويرجعون محرومين مسلوبين يهوي بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار وجاره مأسور إلى جنبه لا يواسيه).

وقال أبو نصر التمار إن رجلاً جاء يودع بشر بن الحارث وقال قد عزمت على الحج فتأمرني بشيء فقال له كم أعددت للنفقة؟ فقال: ألفي درهم، قال بشر: فأي شئ تبتغي بحجك تزهداً أو اشتياقاً إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله؟ قال ابتغاء مرضاة الله، قال فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى أتفعل ذلك؟ قال نعم، قال اذهب فأعطها عشرة أنفس ،مديون يقضي دينه ،وفقير يرم شعثه ،ومعيل يغني عياله، ومربي يتيم يفرحه ،وإن قوي قلبك تعطيها واحداً فافعل فإن إدخالك السرور على قلب المسلم وإغاثة اللهفان وكشف الضر وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك.

فقال يا أبا نصر سفري أقوى في قلبي فتبسم بشر رحمه الله وأقبل عليه وقال له:

إن المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس أن تقضي به وطراً فأظهرت الأعمال الصالحات وقد آلى الله على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين.
والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.