منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مبادئ التعلم الناجح في الفكر التربوي الإسلامي

0
اشترك في النشرة البريدية

    مقدمة

كنت قد تحدثت في مقدمة مقال سابق[1] جعلت له عنوان: “الثواب والعقاب في النظرية التربوية الإسلامية، ابن خلدون وابن جماعة أنموذجا” عن أهمية العودة إلى فكرنا التربوي بالدراسة والتحليل، بغية كشف الغطاء عن أحسن وأجود ما فيه لجعله منطلق التجديد ومنبع الإضافة والإبداع التربوي، بما يتماشى وخصوصية الواقع والزمن.

ولا زلت أؤكد على المسألة وأتبناها روحا وعقلا، وأتحفظ على استيراد نظريات ونظم تربوية مبنية على فلسفة غير فلسفتنا الإسلامية، بحجة تقدم أصحابها وازدهار حضارتهم بفضل هذه النظم التربوية المتبعة، ثم إسقاطها على المجتمع الإسلامي.

ومبرري في هذا الرفض أن المجتمع الإسلامي يتميز عن غيره من المجتمعات ثقافة وقيما، كما أن نظرة المسلمين للحياة غير نظرة غيرهم، لذلك لن يتولد عن هذا الإسقاط إلا مزيدا من التخبط والتأخر على جميع المستويات.

فالغرب الذي يعد عند كثير من مثقفينا النموذج الذي قاده نظامه التربوي إلى التحضر والازدهار، إذا ما عدنا بالتنقيب في جوهر هذا النظام ومرجعيته وجدنا أسس تشييده قائمة على فلسفة غربية محضة، تتماشى مع قيم ومعتقدات المجتمع الغربي.

المزيد من المشاركات
1 من 28

فإذا كنا مطالبين حقا بالاستفادة من فكر المتغلب حضاريا، فلتكن أكبر استفادة هي التفكير العلمي الجاد في تأسيس نظرية تربوية إسلامية خالصة ومعاصرة. يكون منطلقها إبراز الإسهامات التربوية، والأفكار التنظيرية لعمليتي التربية والتعليم، التي تركها علماؤنا في ثنايا كتبهم.

ولهذا الغرض جاءت هذه الورقات المتواضعة لتبحث في مسألة من مسائل التعلم نظر لها كبار علماء التربية الإسلامية، أمثال الإمام أبي الحسن الماوردي، والإمام الخطيب البغدادي وغيرهم كما سيتبين، وهي مسألة مبادئ التعلم الناجح.

مبادئ التعلم الناجح:   

لا يمكن أن نختلف بأن الفعل التربوي هو المسؤول إلى حد كبير عن بناء القيم وترسيخها، وتحديد رؤيتنا للعالم، لذلك اهتم علماؤنا في وقت مبكر بقضية التربية والتعليم، لأنهم فطنوا إلى أنها العامل الأساس في تطوير الواقع والدفع به نحو مسالك التقدم. لذا نجدهم قد اجتهدوا في إرساء مبادئ وقواعد لنجاح العملية التربوية والتي يمكن إجمال أهمها فيما يلي:

  • مبدأ التدرج في التعلم:

لقد استخلص علماء الفكر التربوي الإسلامي مبدأ التدرج في منهاج التعليم من القرآن الكريم، ذلك أن التدرج منهج رباني في تعليم عباده وتربيتهم على الإيمان والتقوى، يظهر جليا من خلال الأحكام الواردة في الآيات القرآنية، حيث نزلت أغلب الأحكام والزواجر والنواهي والأوامر بالتدرج. ولعل مسألة تحريم الخمر أبلغ مثال على ذلك.

كما أرسى هذا المبدأ وثبت أسسه النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه، حيث كان يتدرج معهم في ترتيب وتقديم المعلومات والنصيحة، وتلقين الأساسي منها معقبا إياه بالشرح والمثال، ولنا في قصته صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (يا غلام إني أعلمك كلمات) خير مثال.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

فعلى هذا المبدأ نسج علماء التربية في الثقافة الإسلامية المنهاج التعليمي، لما له من أثر في تقدم المستوى العلمي للطلبة. ذلك أن ” للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها، فليبتدئ طالب العلم بأوائلها، لينتهي إلى أواخرها وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها”[2] وينص الماوردي على هذا المعنى قائلا “ولا يطلب الآخر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المدخل، فلا يدرك الآخر، ولا يعرف الحقيقة لأن البناء على غير أسس لا يبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى”[3]. أما الإمام الغزالي فيبسط أشكال وكيفية هذا التدرج في تدريس العلوم قائلا: “ففي البداية يدرس المتعلم الموضوعات التي تمثل آراء أستاذه أو التي يختارها الأستاذ ويبتعد عن الخوض في مواضيع الاختلاف سواء في علوم الدنيا أو الآخرة. ثم يدرس كافة العلوم دراسة عامة، هدفها تكوين ثقافة عامة عن أهداف كل علم ومقصده وطريقته، فإن ساعدته الظروف طلب التخصص في قسم منها. ويجب مراعاة الترتيب في دراسة العلوم فيبدأ بالمهم فالأهم ولا يخوض في علم حتى يستوفي العلم الذي قبله، فإن العلوم مرتبة ترتيبا ضروريا، وبعضها طريق إلى البعض والموفق مراعي ذلك التدريب والتدريج[4].

والشواهد كثيرة على آراء علماء الإسلام حول التدرج في التعليم ترسيخا وتقويما وتوظيفا؛ وما استحضرناه من آراء هو للمثال لا الحصر وإلا فإن المسألة تحدث عنها الإمام الزهري وسفيان ابن عيينة وأكدها القابسي وابن سحنون وابن القيم وابن خلدون وغيرهم من العلماء الذين اهتموا بالفعل التربوي، وللاستفادة أكثر يمكن العودة إلى بحث قيم في المسألة تحت عنوان “التدرج في منهاج التعلم عند المسلمين”[5] للدكتور عادل إسماعيل خليل.

وهكذا نقف على الدور الكبير الذي مثله علماء الإسلام في تطوير النظام التربوي بدء من حرصهم على تعليم الطفل في سن مبكرة بمنهج تعليميي متدرج قائم على أسس علمية رصينة.

  • مبدأ مراعاة الاستعدادات والفروق الفردية:

ويرجع هذا المبدأ في التعليم في الفكر التربوي الإسلامي إلى منطلق فلسفي أساسه رؤية المسلمين للإنسان، حيث تتمثل هذه الرؤية في كون الله عز وجل خلق الناس متفاوتين ومتباينين في الألوان والأجسام والقدرات، فعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك السهل والحزن والخبيث والطيب”[6].

وقد عرف أهل التربية المعاصرون الاستعدادات والفروق الفردية بأنها: تلك الصفات التي يتميز بها كل إنسان عن غيره من الأفراد سواءً كانت تلك الصفة جسمية أم في سلوكه الاجتماعي. ولا بد أن نشير في معرض الحديث عن هذا المبدأ والاعتناء به في العملية التربوية بأن الأمر لم يكن وليد التربية المعاصرة، بل قد أدرك المسألة وأشار إليها علماؤنا الأوائل وجعلوها مبدأ أساسا ينبغي مراعاته أثناء الفعل التربوي. فهذا الإمام أبو الحسن الماوردي[7] رحمه الله تعالى في القرن الخامس الهجري يؤكد على مراعاة تفاوت الطلاب في أفهامهم، لأن منهم كما يقول: فئة لا تميل للعلم أصلا. وفئة قليلة الفهم قاصرة الإدراك، وفئة تتشوق العلم وتقبل عليه، ويستحسن عدم دعوة الفئة الأولى للتعليم، بينما تترك الفرصة للفئة الثانية لتأخذ من العلم بقدر طاقتها لأن أدنى مراتب العلم خير من الجهل، أما الفئة الأخيرة فيجب العناية بها وإقبال المعلم عليها بكل ما عنده”[8]. ويؤكد على المسألة أيضا الإمام النووي رحمه الله قائلا:” وينبغي أن يكون باذلا وسعه في تفهيمهم، وتقريب الفائدة إلى أذهانهم، حريصا على هدايتهم، ويفهم كل واحد بحسب فهمه وهمته، فيكتفي بالإشارة لمن يفهمها فهما محققا، ويوضح العبارة لغيره ويكررها لمن لا يحفظها إلا بتكرار، ويذكر الأحكام موضحة بالأمثلة من غير دليل لمن لا ينحفظ له الدليل، فإن جهل دليل بعضها ذكره له[9].

ومنه نجد بأن علماء الفكر التربوي الإسلامي وعوا المسألة جيدا، حيث أدركوا أن على المتصدر لمهنة التعليم أن يكون على دراية بما بين طلابه من فروق، حتى يتمكن من معرفة نواحي القوة والضعف فيهم فيوجه العملية التربوية بما يساعد كل على حسب قدراته واستعداده. فإن “لم يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم ومبلغ استحقاقهم كانوا وإياه في عناء مكد وتعب غير مجد … فيعجز الذكي منه، ويعجز البليد عنه، ومن تردد أصحابه بين عجز وضجر ملوه وملهم”[10].

  • مبدأ مراعاة الحالة النفسية للمتعلم والمعلم:

أظهر الدراسات الحديثة في علم النفس التربوي أن الانفعالات النفسية الهائجة والثائرة تعطل تفكير المتعلم وتحجب عنه الإدراك والفهم. “فالانفعال العنيف يشوه الإدراك، ويعطل التفكير المنظم والقدرة على حل المشكلات، ويضعف القدرة على التذكر، ويشل سيطرة الإرادة”[11]. وقد أشار إلى ذلك الإمام الخطيب البغدادي وهو يتحدث عن الطالب الذي يأخذ الحديث عن شيخه قائلا: ” فإن قلبه إذا حضر عقل ما يقال، وإذا غاب القلب لم يعقل ما يقال له”[12]. بل أكثر تشخيصا من هذا لنفسية المتعلم نجد الإمام الماوردي قد شخصها في ثلاث حالات:

  • حال عدل وإنصاف: “وهي حالة وسطى لطلب العلم ترجع… إلى اختلاف قوى النفس…طاعة مستعدة، وشفقة كافة، فطاعتها تمنع التقصير، وشفقتها ترد عن السرف والتبذير، وهي أحمد الأحوال. لأن ما منع من التقصير تام، وما صد عن الصرف مستديم، والنمو إذا استدام فأخلق به أن يستكمل”.[13]
  • حال التقصير والإجحاف: “والطالب هنا منصرف عن العلم، مقصر في طلبه، وهو بالتالي يخيب في الطلب، لأنه لا يملك العزيمة ولا الهمة التي يستطيع بها أن يطلب العلم”[14].
  • حال غلو وإسراف: فهو إقبال الطالب على الدرس في جميع أوقاته وأحواله، وهذه قد تنتهي بالطالب إلى الكلل والترك فتصير الزيادة نقصانا، والربح خسرانا، فيصبح مثل طالب العلم مثل آكل الطعام، الذي يسرف في طعامه فيصيبه المرض”[15].

وبالتالي يكون علماء الإسلام منذ أكثر من إحدى عشر قرنا قد تحدثوا عن العلاقة الوثيقة بين الحالة النفسية للمتعلم وسرعة تعلمه وإدراكه. بل على غرار الدراسات التربوية الحديثة التي أولت اهتمامها الكبير لمراعاة الحالة النفسية للمتعلم، نجد الفكر التربوي الإسلامي في هذا المبدأ حث كلا طرفي العملية التعليمية (المعلم/المتعلم) على مراعاة الأحوال النفسية للطرف الآخر في أثناء الفعل التربوي.. فإذا تحدثنا في الأسطر السابقة عن مراعاة الحالة النفسية للمتعلم فكذلك “ينبغي للطالب أن يتحين الفرص المواتية التي تطيب فيها نفس المعلم ويصفو خاطره، ويتجنب سؤاله في حالة الغضب أو الجوع أو الفرح أو الحزن، لأنه في تلك الحالة يتغير فهمه ولا يستطيع إصدار أحكام صحيحة، ولذلك ينبغي للطالب ألا يسأله عند انشغال قلبه”[16].

  خاتمة

إننا حين العودة إلى فكرنا التربوي مع قراءة وفهم قضاياه ومكوناته واستنباط مبادئه ومعطياته، ليس قصدنا في ذلك المناداة بتطبيق هذه الأفكار والمنتجات كما هي على واقعنا الإسلامي المعاصر. وإنما الجهد منصب على ذلك بغية إعادة الشعور بالذات أولا، ثم ليكون اجتهادنا في مجال التربية والتعليم وإصلاح منظوماتنا التربوية الفاشلة مبنيا على أسس متينة أصيلة، نكون من خلالها قد وعينا تمام الوعي الغرض من وراء تأسيس هذا التراث التربوي الضخم، والمتمثل أساسا في السير نحو التقدم والازدهار الحضاريين. “كما أن هذه العودة تشعرنا بأننا لا نبدأ من فراغ أو تقليد أو أننا عالة على الغير وإنما نبني على تجارب أجيال ورصيد أمة وبذلك تزداد ثقتنا بأنفسنا وتتعمق المفاهيم التربوية والنفسية لدينا وتتحول إلى أجزاء أصيلة من ثقافتنا”[17].

وقد اكتفينا في هذه الورقات بالحديث عن أهم المبادئ التي ينبغي الأخذ بها في العملية التربوية، وإلا فإن المبادئ التي وقفنا عليها عند مفكرينا أكثر مما ذكرنا، نعود إليها دراسة وتحليلا وإلى غيرها مما له علاقة بالتربية والتعليم في ورقات أخرى. أسأل الله أن يسدد ويبارك العمل ويقبل القصد.

والحمد لله رب العالمين.

 

[1]  نشر المقال على موقع مركز نماء للبحوث والدراسات. رابط المقال: http://nama-center.com/Articles/Details/41287.

[2] الدكتور علي خليل مصطفى، قراءة في فكر أبي الحسن البصري الماوردي، دار المجتمع للنشر والتوزيع جدة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع المنصورة، ط 1990م، ص 390

[3] المرجع السابق ص 390

[4]  ماجد عرسان الكيلاني، تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية، دار ابن كثير، دمشق بيروت، ص 170.169

[5] نشر البحث في مجلة دراسات تاريخية- جامعة البصرة

[6]  سنن الترمذي، ص662، رقم الحديث 2955.

[7]  هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي، 364 – 450 هـ / 974 – 1058 م، أكبر قضاة آخر الدولة العباسية، صاحب التصانيف الكثيرة النافعة، الفقيه الحافظ، من أكبر فقهاء الشافعية والذي ألّف في فقه الشافعية موسوعته الضخمة في أكثر من عشرين جزءًا.

[8]  الماوردي، أدب الدنيا والدين، ت مصطفى السقا، ط الثالثة، القاهرة مكتبة مصطفى البابي 1955. ص 34-35..

[9]  الإمام محي الدين النووي، كتاب المجموع، ت مجموعة من الباحثين، دار الكتب العلمية، بيرت -لبنان، ج 1 ص 451

[10] الماوردي، أدب الدنيا والدين، ت مصطفى السقا، ط الرابعة، دار الكتب العلمية، بيروت -1968م

[11]  أحمد عزت، أصول علم النفس، المكتب المصري الحديث، الإسكندرية ط 2، 1973م، ص 251

[12]  الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ت محمود طحان، مكتبة المعارف الرياض، ج الأول، ص 231

[13] قراءة في فكر أبي الحسن البصري الماوردي (مرجع سابق) ص 399/398

 

[14] قراءة في فكر أبي الحسن البصري الماوردي (مرجع سابق) ص 399/398

[15]  تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية (مرجع سابق) ص 144.

[16]  الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، تصحيح وتعليق إسماعيل الأنصاري، دار الكتب العلمية -بيروت، الطبعة الثانية 1970م، ج 1 ص 99، 133، 142.

[17]  بدر الرحمن النقيب: بحوث في التربية الإسلامية، الكتاب الأول، القاهرة، دار الفكر العربي 1983، ص 7، 9.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.