منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 الأبعاد الفلسفية في رواية “رباط المتنبي” لحسن أوريد

محسن الدكني

0
اشترك في النشرة البريدية

 تقديم:

عرفت الرواية المغربية المعاصرة قفزة نوعية نحو النضج الفني، حيث استطاعت في وقت وجيز أن تحتل الصدارة ضمن الأجناس الأدبية الأخرى، وهذا بفضل الروائيين الجدد الذين طوروا الوسائل والأساليب الفنية في الكتابة الإبداعية، بحثا عن جنس أدبي متميز يواكب العصر ويعالج هموم الإنسان المعاصر.

ومن بين هؤلاء الروائيين نجد المفكر والروائي الدكتور “حسن أوريد”، الذي يمثل تجربة روائية فريدة نظرا لكونه جمع بين الأدب والفكر والسياسة، فهو صاحب تخصص أدبي، درس بالمدرسة المولوية، وحصل على دكتوراه في الأدب، بالإضافة إلى كونه قد شغل مناصب سامية بالدولة ساعدته على فهم طريقة تدبير أمور الدولة للامور الاجتماعية والسياسية من قبل دوائر الحكم، ساهمت هذه التجربة السياسية بشكل أو بآخر في بلورة مشروعه الروائي، خصوصا بعد قطيعته مع دوائر القرب من القصر.

وسنحاول من خلال هذه الدراسة تسليط الضوء على بعض الأنساق الثقافية في روايته “رباط المتنبي”، التي تمثل نوعا من الخطاب المتحرر من أسر الايديولوجيا الدينية والسياسية، عبر من خلالها أوريد عن أفكاره بكل حرية، وأعلن فيها عن وجهة نظره تجاه بعض القضايا الفلسفية كمفهوم “العقل” و “الحرية”، والقضايا السياسية والاجتماعية كقضية “الدولة الديموقراطية والعدالة الاجتماعية”، والقضايا الانسانية كقضية “المرأة”.

لكننا سنقتصر في دراستنا هاته على الأبعاد الفلسفية الكامنة في متن الرواية، لأسباب موضوعية تتعلق بكثافة المفاهيم والإشكاليات وتشعبها، مما يصعب حصرها في مقالة كهاته.

المزيد من المشاركات
1 من 36

ومن بين القضايا الفلسفية التي أثارتها الرواية دعوة صاحبها لنقد التراث الإسلامي، على ضوء المناهج الانسانية، ومطالبته بالحرية الكلية دون قيد أو شرط، كما منح “للأخلاق” مفهوما قد يثير تساؤلات حول مرجعيته الدينية.

فماهي الخلفية الفلسفية التي استقى منها الكاتب أفكاره؟ وهل دعوته لنقد التراث الإسلامي فيها شيء من الجدة أم مجرد تكرار لمن سبقه من دعاة الحداثة؟ ثم كيف ينظر للأخلاق باعتبارها معيار بقاء الأمم و رقيها؟

سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال المحاور التالية:

  1. مقدمة تتضمن ملخصا للرواية
  2. نقد التراث
  3. العقل
  4. الحرية
  5. الأخلاق
  6. خاتمة

مقدمة:

تعتبر رواية “رباط المتنبي” جنسا أدبيا سرديا، يستلهم ذاته من شخصيات تاريخية مرتبطة بالادب والسياسة والحب، مسافرا بها عبر الزمن الى عصر العولمة. تستقي هذه الرواية مادتها التي تتأسس عليها من التاريخ الماضي والمعاصر فهي ليست رواية تاريخيىة ولا بسيرة ذاتية، لقد استطاع الكاتب المزج بين ماض من خلال شخصيات تاريخية (المتنبي)، وحاضر بشخصيات واقعية (السارد حسن أوريد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة المغربية) ضمن قالب من التشويق والإثارة، تجعل القارئ يهيم في عوالم إبداعية ويتشوق للمزيد.

افتتح روايته بزيارة الشاعر أبي الطيب المتنبي للسارد في ليلة مطيرة، ودخوله بيته عنوة معللا ذلك بأنه اصطفاه دون غيره لعلمه بشغفه الشديد بالأدب عامة والشعر خاصة، وبعد شد وجذب استطاع المتنبي أن يبيت عند السارد.

ومن هنا تبدأ الأحداث في التطور والتعقيد، إذ كيف سيقدم ضيفه للخادم؟ وللزوج؟ بل وكيف سينظر إليه الناس؟ فالفارق الزمني بين العصرين العباسي والحاضر، كفيل بأن يجعل ثقافة المتنبي غريبة عن واقع السارد، ناهيك عن لغته وأفكاره.

وتقع أحداث طريفة توشك أن تذهب بعقل السارد، ورغم ذلك فهو لايخفي حلاوة اللقاء مع شخص يكن له كل الاعتزاز لفصاحة لسانه وبلاغة أشعاره، بل ولا تكاد تمر الأحداث إلا ويستشهد بقريض المتنبي في مواقف مختلفة تناسب المقام. ولايفوته أن يشكو إليه ما آلت إليه حال العرب وغثائيتهم بعد أن تداعت عليهم الأمم.

ثم تتطور الاحداث حين يعود السارد من عمله ليجد المتنبي قد غادر البيت جهة البرلمان، حيث معقل الاحتجاجات الطلابية والقطاعية، ليتم اعتقاله بعد أن انضم إليهم في شعاراتهم. حاول السارد طبعا بحكم علاقاته أن يطلق سراح صاحبه، لكنه أخفق. وبعد لأي وجهد استطاع عميد الشرطة أن يجد حلا لوضع المتنبي، وهو اعتباره مجنونا ويجب وضعه بمستشفى الامراض العقلية “الرازي” بالرباط. وهناك حيث تم تشخيص حالته واعتبارها انفصام في الشخصية، حاول التدخل مرة أخرى من أجل ترحيله من المستشفى لكن المحاولة باءت بالفشل.

ويحال ملفه الى الدكتورة خولة التي تفهمت قضية المتنبي بعد أن حكى لها الدكتور جلال صديق السارد حقيقة المتنبي وبأن الشرطة اختارت هذا الحل ليس لانه مجنون أو إرهابي، ولكنه أخف الضررين: السجن أو المستشفى. وفي المقابل طلبت الطبيبة من السارد أن يساعدها على فهم حالة المتنبي. ذلك أنها أولت اهتماما خاصا بحالته غير اهتمامها بباقي المرضى، وبين الفينة والأخرى يناقشان أمر المتنبي باعتباره مثقفا وعن دوره في المجتمع ليس كمطبل للسلطان بل كحامل لهم الامة. وتتطور الاحداث ليشك السارد بوجود علاقة بين المتنبي والطبيبة خولة. وفي المستشفى تظهر شخصيات أخرى تتفاعل مع أحداث الرواية كالمرضى والممرضين والماجور.

وفوجئ السارد حين عاد إلى المستشفى بعد غياب دام أسبوعا بسبب نزلة برد، فوجد لكنة المتنبي تحولت من اللغة العربية الى لغة العوام بالدارجة المغربية، كما اكتشف توطد العلاقة بين المتنبي والطبيبة، و حاول أن يبعده عنها، كما حاول تجاهل إحساسه بالانجذاب تجاه خولة، لكنه لم يوفق. ويصدم مرة اخرى حين يعود الى المستشفى ليجد خولة والمتنبي يتحدثان باللغة الفرنسية بل ويقبلان بعضهما، كانت صدمة قاسية لم يستسغها السارد.

ويقع شجار بالايدي بين المتنبي وبعض نزلاء المستشفى، فيتدخل الممرضون ليحقنوا السارد بحقنة غرق بعدها في نوم عميق، ليستيقظ ويجد نفسه نزيلا بمصحة “بوسيجور” بسبب انهيار عصبي كما وصفته الطبيبة خولة التي تغير اسمها الى منى فنيش، والتي شرحت له بان كل مايسرده من البداية مجرد توهمات وبانه نزيل المصحة منذ مدة. وهنا دارت بذهنه أسئلة الهوية: من أكون؟ ومن أين أتيت؟. ثم يكتشف من خلال حديث جانبي مع ممرضة بأنهم لقبوه في المصحة بالمتنبي. كان السارد متعلقا بالمتنبي يجد فيه مؤنسه في وحشته حين يعود من عمله يتحدثان، ويتبادلان وجهات النظر في قضايا مختلفة، لقد كان بالنسبة إليه الحضن الذي ضاع منه، خصوصا بعد فتور علاقته بزوجته لكثرة أسفارها وبعدها عنه.

وهو يسرد أحداث المجانين في المصحة لا يفوته بين الفينة والاخرى ان يبث بعضا من ارائه الفلسفية، ورثائه على أحوال اللغة العربية والاوضاع الاجتماعية، كما أن القضية الأمازيغية ليست بمنأى عن فصول روايته إذ لا يمر فصل إلا وتجده يعرضها عرضا مفصلا حينا ومقتضبا حينا آخر، أما سبب فشل ربيع العرب فراجع في رأيه لأرضهم القاحلة، التي لم تنبت مونتسكيو ولافولتير، ولاهولباخ، وبأن أوضاعهم ستنتقل من نظام قديم الى نظام أقدم منه، وبالنسبة لدور علماء الدين فيقتصر في الدعوة إلى الصبر على قضاء الله وقدره، أو إلى التمسح بالأولياء والأضرحة.

ويتبين في نهاية الرواية أن الماجور المكلف بحقن المرضى، ما هو إلا عميل للأمن يضاعف من الحقنة المسكنة، لم تكن غايته العلاج لأن الامن لايريد العلاج. كانت غاية الطبيبة منى من الحقنة الخفيفة الدفع بالمرضى للبوح، وكانت غاية الأمن التدجين ومحو القرص الصلب. لكن جميع نزلاء بوسيجور تمكنوا من الهروب إلى خارج البلد، بمساعدة الطبيبة لهم، بعد وضعها لخطة محكمة ضللت بها الماجور، الذي اختار عدم إخبار الأمن بالحقيقة واستمراره في مسلسل الزيف.

الأبعاد الفلسفية في رواية “رباط المتنبي” لحسن أوريد:

نقد التراث:

يطرح الكاتب في متن روايته تساؤلات فلسفية الغرض منها إيجاد جواب شاف لما تعيشه الدول العربية من تخلف وركود في شتى المجالات. لذلك حاول تقديم حل قائم على أسس متينة، مستقاة من دروس فلسفة الانوار، ومن اسبينوزا خصوصا، الذي يعتمد في منهجه على مبدأ الشك والنقد، والذي يعني نقد الأساطير الدينية اليهودية الثابتة في كتابهم المقدس، لذلك يرى “أوريد” أنه” كان يبدو من قبيل التضارب ان يحرر اسبينوزا الانسان من خلال تصور جديد للميتافيزيقا، أو فهم جديد للدين أو الايمان بالله بشكل مغاير غير ما حمله الكتاب المقدس، كان هذا التعريج بالميتافيزيقا مستغربا إلا أنه كان يبدو ضروريا ” ([1])

إن الضرورة التي يراها أوريد حافزا لاسبينوزا هي نفسها بالنسبة اليه، حيث قام باسقاطاته الفلسفية على التراث الاسلامي من خلال دعوته الى ضرورة مراجعته على أسس عقلية معبرا عن ذلك بتساؤله: “هل نستطيع نحن من داخل الحضارة الإسلامية تحرير الإنسان بقراءة نقدية للتراث؟”([2])

هذا النقد الذي عبر عنه أوريد، هو نفسه الذي دعا إليه الجابري في كتابه “نقد العقل العربي بقوله: “ولما كان العقل العربي الذي نعنيه هنا هو العقل الذي تكون وتشكل داخل الثقافة العربية، في نفس الوقت الذي عمل هو نفسه على إنتاجها وإعادة إنتاجها، فإن عملية النقد المطلوبة تتطلب التحرر من اسار القراءات السائدة واستئناف النظر في معطيات الثقافة العربية الاسلامية بمختلف فروعها، دون التقيد بوجهات النظر السائدة” ([3])

إن ما ذهب إليه كل من أوريد والجابري يعود بالأساس إلى صدمة الحداثة، والاحتكاك بالغرب، اللذين أبانا عن هوّة عميقة بين الشرق والغرب؛ شرق لايزال تفكيره تقليدي قديم، يؤول الدين تأويلًا سطحيا، في غياب شبه تام للاستقلال العقلي، والذي لن يؤدي إلا إلى الإبقاء على الانحطاط والركود. وغرب استطاع أن يتحرر من كل المورثات الثقافية والدينية ويتجاوز درجات التخلف والجمود إلى مرحلة الابداع الفكري والتقني. لذلك ارتأى الجابري أنه “كان من المفروض البدء في هذا المشروع قبل مائة سنة” ([4]).

لكن ما يميز الجابري أنه كان صريحا من خلال دعوته إلى مراجعة “القراءات السائدة” أي اجتهادات العلماء والمفسرين والأصوليين، بينما لم يفصح “أوريد” عن وجهة نظره حول مفهوم “التراث”.

ولم يكتف أوريد بطرح المشكل الأساس في تخلف العرب بل تعداه إلى تحديد الأدوات والوسائل الكفيلة لزحزحة هذا الواقع المؤلم، والإقلاع به نحو أفق الاجتهاد والإبداع والتحرر، حيث يقول: “كنت أحب من اسبينوزا قولته إن مايفضي الى السكينة هو الفهم. والفهم هو الغائب عندنا لاننا مكبلون بالهوى. . . . . وليس هناك من أداة للفهم سوى العقل والحرية”([5]) فينصب نفسه كطببيب متخصص يشخص الداء العضال ويصف الدواء الناجع. حيث أفضت عملية تشخيصه إلى ضرورة فهم الواقع أولا، والذي يحتاج إلى وسيلتين اثنتين لابد منهما: العقل والحرية. فما العقل وما الحرية في فكر أوريد؟وما الغاية منهما؟

مفهوم العقل:

لتحديد مفهوم العقل كما ورد في رواية “رباط المتنبي”، وجب النظر في الأصول التي نظر فيها الكاتب، أو أشار إليها في ثنايا سطور الرواية. حيث أفصح بقوله أن “الرابط بين عقلانية ديكارت وفلسفة الانوار وهو المرحلة الاساسية للانتقال من مؤثرات الفكر الغيبي إلى الفكر الموضوعي، من خلال القراءة الفلسفية التي أجراها للتراث اليهودي، كان هذا الجانب ما يهمني من دراستي اسبينوزا من خلال كتابه “علم الأخلاق” ([6]). وظف الكاتب مصطلح “عقلانية” بدل “عقل” باعتبارها آلية للفهم والتحليل عن طريق نقد الافكار والقيم والموروثات، وطالب باسقاط هذا المنهج النقدي على الدين الاسلامي من خلال تساؤله: “هل نستطيع نحن من داخل الحضارة الاسلامية تحرير الانسان بقراءة نقدية للتراث؟ ([7])

. فدعوته لمراجعة التراث الإسلامي على أسس عقلية كانت صريحة لا تشوبها شائبة، وغايته من ذلك “الانتقال من مؤثرات الفكر الغيبي الى الفكر الموضوعي”، لأنه لاحظ ازدواجية الخطاب العربي الإسلامي “فالعرب بقدر قربهم من النص بقدر بعدهم من روحه” ([8])، لكنه لم يوضح أكثر بل اكتفى بذكر ملامح عامة حول مشروعه.

هذه الدعوة لم ينفرد بها أوريد بل دعا إليها العديد من المفكرين المغاربيين أمثال أركون والجابري والعروي، هذا الأخير اعتبر أن “الفكر الذي ورثناه عن السلف، ما يسميه البعض التراث، يدور كله حول العقل” ([9])

وتساءل العروي مستنكرا: “أولا يكون ذلك العقل الموروث، العقل الذي نتصوره بإطلاق ونعتز به هو بالذات أصل الاحباط؟” ([10])فالعروي كما الجابري يحملان مسؤولية تخلف العرب والمسلمين إلى العقل المجتهد، أي إلى اجتهادات العلماء والمفسرين للقران الكريم والسنة النبوية، ويريان بأن الدين الإسلامي مبني على العقل، لكن المجتمعات الإسلامية العربية، بعيدة في سلوكها عن العقل، وبالتالي عن العقل والدين معاً، ولعل هذا التناقض الصارخ بين التعاليم الإسلامية وواقع المسلمين هو ما حاول أوريد تجاوزه من خلال دعوته لمراجعة تراثنا الاسلامي.

الحرية:

تعتبر الحرية من أهم القضايا الفلسفية الشائكة التي دار حولها جدل كبير عبر تاريخ الفلسفة منذ العهد اليوناني، واختلف الفلاسفة حول الحرية إلى حد التناقض، فهناك من يثبتها ويرى بأن الإنسان حر حرية مطلقة وهناك من ينفيها ويرى بأن الإنسان مقيد غير حر. بالنسبة لأوريد يرى أن “الحرية تحرر، عملية اقتلاع من كل القيود ووالعوائق والمكبلات، ومن أهم القراءات التي أجريت لاسبينوزا تلك التي قام بها الفيلسوف دولوز، وقوله إن فكر اسبينوزاهو تحرير من القس، ومن الطاغية، ومن العبودية. هو تحرير من السلطة الدينية ومن الاستبداد، ومن إصر العادة، أو لذة المتع العابرة” ([11]). فالحرية بالنسبة إليه ليست مجرد اسم، بل هي فعل يقوم به الفرد والجماعة للتخلص من كل المعيقات التي تحول دون تحقيقها، ولعل أبرز هذه المعيقات في نظره هي السلطة السياسية والسلطة الدينية. فالكاتب لم يشر للمفهوم من الجانب الشخصي للفرد، أي الحريات الشخصية مفهومها ووسائل تحقيقها، لكنه رهنها بالتحرر من السلطتين التقليديتين: الدين والدولة.

ولفهم الحرية كما وردت في رواية “رباط المتنبي” أكثر، وجب العودة إلى كتاب “رسالة في اللاهوت والسياسة”، حيث نجد اسبينوزا يركز على حرية الفرد في الدولة، وغاية الدولة وحرية التفكير والتعبير وجدل العلاقة بينهما، ويقترح في نهاية كتابه ستة مبادئ أساسية للدولة الديموقراطية، تصب كلها في مجال الحريات، وهي: “1- يستحيل سلب الناس حريتهم في التعبير عما يعتقدون
2- لا يهدد الاعتراف بالحرية الفردية حق السلطة العليا أو هيبتها.
3- لا يمثل التمتع بالحرية الفردية أي خطر على سلامة الدولة
4- لا يجلب التمتع بهذه الحرية أي خطر على التقوى
5- لا فائدة من القوانبن الموضوعة بشأن المسائل النظرية العقلية

6- تمتع كل فرد بحريته لا يهدد سلامة الدولة، أو التقوى أو حق السلطة العليا، بل هو بالاضافة الى ذلك ضروري للمحافظة على ذلك كله” ([12])

خلاصة قول اسبينوزا، أن تمتع الافراد بكامل حريتهم لا يشكل خطرا على استقرار الدولة ولا ينقض مبادئ الدين، فالحرية لا تتعارض مع الدين ولا مع الدولة، بل تعضدهما وتقويهما وتمنحهما مشروعية البقاء. ويرى أن من أهم واجبات الدولة، حماية المواطنين وممتلكاتهم، وهذا يتوقف على وجود حكومة قوية تمتلك القدرة على حفظ السلام وتطبيق العقوبات للحد من ميول الانسان اللاجتماعية كذلك ان تترك للأفراد الحرية في الاعتقاد والعمل والتفكير وان تكفل لهم حق الكلام والدفاع عن آرائهم بالحجة لا بالعنف، اما الديكتاتورية فهي ألد أعداء الحرية الفكرية والسياسية.

ويسترسل اسبينوزا في شرحه مبينا أعراض المساس بهذا الحق “الحرية” بقوله: “ولنفرض أنه يمكن سلب الناس حريتهم والقضاء على استقلالهم بحيث لايمكنهم التفوه بكلمة واحدة إلا بأمر السلطة العليا، في هذه الحالة لن يحدث مطلقا أن تتفق جميع أفكارهم مع أفكار السلطة العليا، والنتيجة الحتمية لذلك هي استمرار الرعايا في التفكير على نحو يتعارض مع أقوالهم، وبذلك تضيع الثقة، التي هي شرط ضروري لاقامة الدولة”([13])

إن ضمان حياة الفرد وحريته الفكرية والدينية بالنسبة لاسبينوزا، هي المعيار لصلاحية الحكومة والنظام الاجتماعي. كما يرى أن النظام الديمقراطي هو الذي يكفل للفرد اكبر قدر من الحرية ولا يخشى من سيطرة الاوامر اللامعقولة اذ انه كلما ازداد عدد المشتركين في الحكم قل احتمال ظهور الرغبات اللامعقولة.

لكن هل التحرر من السلطة الدينية يعتبر فعلا من صميم الحرية؟

يرى فيلسوف الشخصانية الواقعية”محمد عزيز الحبابي” رحمه الله بأنه”لاتوجد حرية بصفة مطلقة مجردة” ([14]). ذلك أن الحرية المطلقة قد تفضي إلى الإلحاد. ولنا في الفلسفة الوجودية خير مثال، حيث يعلن “سارتر” إلحاده وبأن إيمانه الوحيد لايتجسد إلا في الإنسان، حيث يعتبر أنه ” إذا لم يكن الله موجودا فإنه يوجد على الاقل مخلوق واحد فقد تواجد قبل أن تتحدد معالمه وتبين. وهذا المخلوق هو الانسان. بمعنى أن وجوده كان سابقا على ماهيته” ([15]). فالوجودية مذهب يدعو الإنسان إلى التخلص من كل موروث عقدي، أو أخلاقي، وممارسة الإنسان لحياته بحرية مطلقة دون أي قيد، وبالتالي تدعو إلى الكفر بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات وكل ما جاءت به الأديان، وتعتبرها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل.

إن من نتائج القول بأسبقية الوجود على الماهية عنذ “سارتر” فكرة الحرية، لأن الإنسان لم يكن شيئًا في بدء وجوده. فهو الذي سيصمم نفسه، لأنه حر، “بل هو الحرية ذاتها، لأن الإنسان محكوم عليه بالحرية” ([16]). ويعتبر الحرية حكما فرض على الإنسان، فهي بمثابة المكوِن الأساسي لوجوده، “لا تخضع لأيِّ قانون سوى أن تكون هي هي: إنها تحمل ذاته. والذين يطمسون حريتهم الكاملة بحجة أنهم لايريدون الحرية وإنما يريدون أن يعيشوا الحياة متزنين جادين أوبحجة أنهم كانوا مضطرين تحت ضغط ظروف قدرية وحتمية هؤلاء ندعوهم جبناء” ([17])

ما حدود الحريات؟

إن رفض الدين للحرية المطلقة ليس من باب السطو على حق من حقوق الانسان الطبيعية كما يتوهم البعض، بل هو سياج حام للإنسان نفسه من أن يهوي في دركات الانحطاط إلى رتبة الدوابية. سيدنا يوسف عليه السلام اختار السجن بدل الوقوع في خطيئتي الزنا والخيانة. لذلك أضحت الحرية المطلقة تشكل تهديدا حقيقيا لكل القيم الأخلاقية والجمالية. أما الحرية السياسية بالمفهوم الوارد في الرواية فمما لايختلف حولها عاقلان.

خلاصة:

من الملاحظ أن “أوريد” منجذب إلى أبعد حد لفكر “اسبينوزا” ولعل السبب يرجع لنقط التشارك بينهما، يمكن حصرها فيمايلي:

  • كلاهما يدعو لثورة على الأوضاع الثقافية والسياسية وتطبيق لأحكام العقل في مجال الدين والسياسية.
  • إيمانهما بالحرية في كافة مظاهرها، فكلاهما دافع عن حرية الرأي وحرية الأديان ونقد كل حكومة لا تسير على هذا المسار.
  • دعوتهما لنقد التراث الديني.

 

مفهوم “الأخلاق” في رواية “رباط المتنبي”:

يعرف أوريد الأخلاق بكونها “ليست تلك النابعة من النصوص الدينية أو تأويل لها، أو ما تفرضه سلطة معينة، بل تلك النابعة من الذات، ومن الضمير، والتي يحمل إليها العقل. ” ([18])

إن هذا المفهوم للأخلاق الذي أورده حسن أوريد في روايته ليس جديدا، بل سبقه إليه فيلسوف الأخلاق إيمانويل كانط صاحب فكرة ” الواجب الأخلاقي”، حيث بدأ بالتمييز بين الدين التعبدي والدين الاخلاقي: فالدين التعبدي، كما يراه كانط، إيمان العبادة الالهية لايمكن اعتباره مخلصا لانه ليس ايمانا أخلاقيا ولايتضمن استعدادا حقيقيا للقلب بل يتوهم رضى الله من خلال العبادة، بل ويعتبره كانط أساس تشردم البشرية من خلال أشكال عبادية مختلفة ومتصارعة ترى كل واحدة منها نفسها على حق والاخرى على ضلالة، مما يؤدي حسب كانط الى نشوب صراعات بشرية لامتناهية. والاولى انهم حين يقومون بافعال أخلاقية يستحسنها المجتمع فانهم بذلك يحققون ارادة الله واوامره. فالكتاب المقدس أمر بمحبة الجار وبالاحسان إليه ولو كان عدوا، هذا الحب “إنما هو حب عملي لا حب انفعالي باثولوجي، يقوم على الإرادة لا على وازع الحساسية، ويستند على مبادئ السلوك لا على مشاركة عاطفية مفرطة، ذلك الحب وحده هو الذي يمكن أن يوصى به” ([19])

ويخلص كانط إلى “أن الدين الأخلاقي لايقوم على أساس العبادات، بل على الاستعداد القلبي للقيام بالواجب الأخلاقي باعتباره أمرا إلهيا.

“إن الإرادة الخيرة لا تكون خيرة بما تحدثه من أثر أو بما تحرزه من نجاح، بل إنها تكون كذلك عن طريق فعل الإرادة وحده، أعني أنها خيرة في ذاتها” ([20]) فكل العبادات والطقوس يرى أنها عبادات زائفة تصور الله على أنه حاكم دنيوي نسعى لإرضائه بالعبودية والمديح والتملق، فغايته كانت وحدة الانسانية على مستوى العقيدة وما تعدد الاديان الاعبارة عن دوائر متصارعة كل منها يحاول اثبات ذاته على حساب الاخر.

لكن هل فعلا تتوقف القيم الاخلاقية على الاستعداد الذاتي فقط، ألم تكن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بحاله وأخلاقه قبل مقاله، حافزا خارجيا دفع بالصحابة رضي الله تعالى عنهم، إلى اتباعه والاقتداء به والاعتقاد بكل ماجاء به من شرائع وأحكام وما تتضمنه من أخلاق فاضلة؟ ألم تنتشر رسالة الإسلام شرقا وغربا بفضل سماحة الدعاة الحاملين للمشروع الإسلامي؟

خاتمة:

إن رواية “رباط المتنبي” زاخرة بالأنساق المضمرة، لكننا اكتفينا بذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر،

وقفنا من خلالها على بعض القضايا الفلسفية الشائكة التي طرحها “أوريد” للنقاش، على أمل الوصول إلى حل توافقي للنهوض بالأمة من سباتها، لكننا خلصنا إلى جملة من الملاحظات يمكن إجمالها في كون الكاتب حاول الجمع والتوفيق بين فكري “ديكارت” و “اسبينوزا”، فهو يميل إلى ديكارت حين يفصح عن بعض ويترك البعض الاخر من أفكاره دون إجابات واضحة، مهادنا بذلك السلطة الدينية، ويميل أحيانا أخرى الى فكر اسبينوزا الاكثر جراة في تطبيق المنهج الديكارتي النقدي على اللاهوت والسياسة، على الدين والدولة. لكن دعوته إلى نقد التراث انطلاقا من العلوم الإنسانية و”الاجتماعية” (متأثرا في ذلك باسبينوزا)، هي في الحقيقة وليدة تصور غربي تتضمن القطع مع الغيب والآخرة، إنه تصور لا يتقبله العقل السوي، ولعل خير مثال ما أفرزته “الدوابية الداروينية” و”الإلحاد الوجودي”، وما هو إلا نتاج معركة مع الدين بالأساس، ولا يصح نقل مثل هذه المعطيات إلى ساحة الفكر الإسلامي رغم اختلاف الشروط، لأنه أمر يجافي العلمية نفسها. أما التساؤل المشروع والذي لم يفصح عنه أوريد فهو: ما مفهوم التراث الذي سيتعرض لعملية النقد؟ هل المقصود به القران الكريم والسنة النبوية أم اجتهادات العلماء المسلمين؟ ثم صدور رواية “رواء مكة” في نفس سنة إصدار رواية “رباط المتنبي”، هل يمكن اعتباره مراجعات الكاتب لمواقفه وآرائه تجاه الدين في علاقته بالسياسة، أم مجرد سحابة عابرة، ونشوة روحية زائلة؟

لائحة المصادر والمراجع:

  1. حسن أوريد، رباط المتنبي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2019.
  2. عبد الله العروي، مفهوم العقل، مقالة في المفارقات، ط3، 2001 المركز الثقافي العربي.
  3. الباروخ اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم د حسن حنفي، مراجعة د فؤاد زكريا، الطبعة الأولى 2005، دار التنوير للطباعة والنشروالتوزيع بيروت
  4. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي (نقد العقل العربي 1)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 10، 2009م.
  5. محمد عزيز الحبابي، من الحريات إلى التحرر، مكتب الدراسات الفلسفية، دار المعارف بمصر، بدون طبعة
  6. ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، طبعة 2003م.
  7. جون بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عن الفرنسية عبد المنعم الحفني، الطبعة الأولى1964
  8. إيمانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم الدكتور عبد الغفار مكاوي، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2002، كولونيا ألمانيا

(1)حسن أوريد رباط المتنبي، الطبعة الأولى 2019، المركز الثقافي العربي، بيروت لبنان، ص48

(2) المرجع نفسه، ص48

(3) محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي (نقد العقل العربي 1)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 10، 2009م، ص0 5

(4) نفسه، ص 5

(5) رباط المتنبي، ص50

(6) المرجع نفسه، ص48

(7) المرجع نفسه ص48

(8) المرجع نفسه ص265

(9) عبد الله العروي، مفهوم العقل، مقالة في المفارقات، ط3، 2001 المركز الثقافي العربي، ص357.

(10) المرجع نفسه، ص357.

(11) رباط المتنبي، ص50

 

(12) الباروخ اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم د حسن حنفي، مراجعة د فؤاد زكريا، الطبعة الأولى 2005، دار التنوير للطباعة والنشروالتوزيع بيروت، ص443

(13) رسالة في اللاهوت والسياسة، ص440

(14) محمد عزيز الحبابي، من الحريات إلى التحرر، مكتب الدراسات الفلسفية، دار المعارف بمصر، بدون طبعة، ص41

(15) جون بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عن الفرنسية عبد المنعم الحفني، الطبعة الأولى1964، ص14

(16) المرجع نفسه ص 26

(17) المرجع نفسه ص59.

(18) رباط المتنبي، ص48

(19) إيمانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم الدكتور عبد الغفار مكاوي، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2002، كولونيا ألمانيا، ص50

(20) المرجع نفسه، ص40

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.