منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فلسطين: تربية وتنظيما وزحفا

فلسطين: تربية وتنظيما وزحفا / رشيد فائز

0

فلسطين: تربية وتنظيما وزحفا

بقلم: رشيد فائز

إن المتتبع لقضية فلسطين وتاريخ المقاومة مع الاحتلال، لا يمكنه إلا أن يسجل التطور الملحوظ في أداء المقاومة الفلسطينية منذ نشأتها إلى اليوم. إلا أن القليل من الناس من ينفذ إلى أسباب هذا التطور ومراحله وعقباته، والأثمنة التي أداها المؤسسون والأجيال المتعاقبة إلى اليوم من أجل الوصول إلى ما وصلوا إليه.

فمثل هؤلاء كمثل من يفرح بانتصار فريقه الرياضي، وينتشي بذلك، غير آبه بكل الآلام التي عاناها اللاعبون أثناء التداريب والمباريات، ولا مقدر للعناية الطبية المحيطة بهم، ولا عالم بالحدود الغذائية والسلوكية والصحة النفسية لكل لاعب، والتي يتتبعها رئيس الفريق بكل حزم وصرامة.

فكل نصر تأتينا بشائره من فلسطين الحبيبة، إنما هو درس تطبيقي وعملي للعديد من المبادئ المنثورة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فلا نصر بدون تربية، ولا نصر بدون تنظيم، ولا نصر بدون زحف.

 فلسطين تربية

مدار التربية على القلوب. فإن صلحت القلوب صلحت الأجساد التنظيمية، وما زال المربون يؤكدون على تطهير القلوب لتصلح وعاء لتنزل الرحمات الضرورية المفضية إلى الحكمة العقلية، وبذل النفوس الغالية. فبدون تربية، تبرز الأنانيات المستعلية وتتقارع المصالح الدونية، ويتفنن الناس في الحيل الوصولية. وبدون تربية تتساوى الوسائل المادية فيكون النصر لمالك القوة التدميرية ولمن يحوز أحدث الاختراعات التكنولوجية. وتحكي لنا السيرة النبوية ومن بعدها سيرة الخلفاء الراشدين كيف انهارت القوتان الماديتان الفرس والروم أمام قوة الإيمان المبنية على صفاء القلوب، رغم ضعف عدد المؤمنين وتواضع عدتهم. فبفضل التربية يستصغر المرء ما استصغره الله ورسوله من أمور دنيا اللعب واللهو الفانية، ويعظم ما يعظمه الله من أمور الآخرة الباقية، حتى يقول المرء: بخ بخ، وينطلق إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

فلسطين تنظيما

إن من سنن الله إعداد القوة. فكل مبدإ لا تسنده قوة مادية أو معنوية لا يعدو أن يكون حلما يدغدغ المشاعر ويلهي الناس إلى حين. والمتأمل في كل مواجهات النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين يرى بكل وضوح الخطط التنظيمية المحكمة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم باستشارة مع الصحابة الكرام قبل كل معركة:

قبل غزوة بدر:

” يا رسول الله هذا المنزل أنزلكَ الله إياه فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟! فقال له: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، هذا ليس بمنزل حرب! فامضِ بالناس حتى تبلغَ آبار بدر، فاجعلها خلفكَ، ثم نُقاتل القوم، فنشربُ ولا يشربون! فقال له: نِعْمَ الرأي! فنهض، وسار بالناس، وجعل آبار بدر خلف الجيش، فقاتلوا، وشربوا، وعطشَتْ قريش! “

ولعمري من يعطش ويجوع اليوم؟ نفسي الفداء!

قبل غزوة أحد:

” عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير فقال إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم “

قبل غزوة الأحزاب:

” لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وسمع بخروج قريش من مكة، ندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في الأمر، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين، فخرجوا من المدينة. وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفح جبل سلع فجعلوه خلفهم، ثم هبوا جميعا يحفرون الخندق بينهم وبين العدو. كان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، وعدد ما اجتمع من قريش والأحزاب والقبائل الأخرى عشرة آلاف”

وقد يطول المقال باستعراض الأدلة على ضرورة التنظيم بعد التربية، وحسبنا أن نعلم أنه لولا التنظيم المحكم والتخطيط الجيد والإعداد المتأني، لما صمدت ساعة أي مقاومة أمام العدو المتغطرس. ومن لايزال لا يؤمن بضرورة التنظيم أي العمل الجماعي المنظم فله أن يستمر في أحلامه، بل في نومه.

فلسطين زحفا

ما فائدة تربية لا تفضي إلى أن يحب المرء لقاء الله فيحب الله لقاءه. وما فائدة تنظيم لا يرص الصفوف لإقامة العدل في الأرض وصد العدوان عن البلاد والعباد، ولنصرة المستضعفين، ولإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

وقد اقتضت سنة الله أن يتدافع الحق والباطل إلى يوم الدين، فطوبى لمن آمن بالحق، وكان في صف الحق، وجاهد في سبيل الحق حتى أتاه اليقين. وخاب وخسر وخسئ من سكت عن الظلم ورضي بالذل والهوان من أحقر بني الإنسان. ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ صدق الله العظيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.