منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دعاوى المستشرقين في السنة النبوية: “دراسة نقدية منهجية”|دراسات نقدية لمؤلفات المستشرقين حول السنة النبوية

الدكتور محمد الصادقي العماري

0

دعاوى المستشرقين في السنة النبوية: “دراسة نقدية منهجية”

دراسات نقدية لمؤلفات المستشرقين حول السنة النبوية

الدكتور محمد الصادقي العماري[1]

مقدمة:

ساهم الاستشراق بقسط كبير في تواصل الشرق بالغرب. عرف الآخر ذاته من خلال نصوصنا التأسيسية الأولى، ومن خلال تراثنا الفكري؛ لأن التعرف على الآخر يمكنك من معرفة ذاتك. وهذا ما تحقق للغرب من خلال الاستشراق، إذ طور علومه ومعارفه وآليات اشتغاله، وما لبث أن تنكر لهذا الآخر –تنكر لكل ما هو عربي وإسلامي-الذي ساعده على الوصول إلى ما وصل إليه، من تحضر وتقدم علمي. وهذا ما عبر عنه طه عبد الرحمان ب”الوقاحة الإنكارية”.

ولم يقتصر الآخر على هذا –أي التنكر لكل ما هو عربي إسلامي-، بل وظف الاستشراق، توظيفا سلبيا. ولم يقتصر على وجهه الإيجابي، الذي مكنه من تطوير ذاته، والانفتاح على علوم ومعارف أخرى عربية وإسلامية، بل أخذ يشكك ويطعن في مسلمات المسلمين، بل في نصوصهم التأسيسية، القرآن والسنة؛ لأنه بالتشكيك فيهما يسهل التشكيك فيما دونهما، وهو التشكيك بالتراث الفكري والمعرفي للأمة الإسلامية.

ومقصد هذه الورقة هو الوقوف على بعض مطاعن المستشرقين في السنة النبوية، ودراستها وتفكيكها ونقدها، وبيان تهافت شبهاتهم، وكشف مقاصدهم، وفضح من يقتدي بهم من بني جلدتنا، أو ينقل عنهم، ويجتر شبهاتهم. وليس القصد استقراء جميع هذه المطاعن والشبهات ونقدها كلها؛ لأن المقال لا يتسع لذلك، ولأن الأمر يتطلب مجالا أوسع، بل القصد الوقوف على الجانب المنهجي، برؤية كلية نعرض فيها لموقف علماء المسلمين من دعاوى المستشرقين، ونقد منهجهم الذي اعتمدوه وبنوا عليه شبهاتهم، ونحيل على التفاصيل بالمصادر المتخصصة، الأكثر شمولا واستيعابا للموضوع.

مدخل: لمحة عن الاستشراق والمستشرقين:

  • مفهوم الاستشراق:

يطلق الاستشراق على الدراسات الغربية للنصوص التأسيسية الأولى للشرق الإسلامي، وتشريعات المسلمين وعقائدهم ولغاتهم وآدابهم وتاريخهم ..، وتراثهم الفكري والحضاري عموما، فقد تناولت دراساتهم كل ما يرتبط بالإسلام والمسلمين، فقاموا بتحريف النصوص حينا، وأساءوا فهمها حينا، وتناقضوا أحيانا أخرى.

وعليه، فقد كان موضوع الاستشراق هو “الإسلام” و”اللغة العربية” بالأساس، وهدف المستشرقين الطعن في نصوص الوحي: القرآن والسنة، ودارت بحوثهم ودراساتهم حول الوحي، لأنه إذا تيسر لهم نقض الوحي سهل عليهم ما بعده، وقد نالت السنة النبوية الحض الأوفر من دراساتهم وانتقاداتهم.

يقول مصطفى السباعي بخصوص ميدان الاستشراق: “بدأ الاستشراق .. بدراسة اللغة العربية والإسلام، وانتهى بعد التوسع الاستعماري الغربي في الشرق، إلى دراسة جميع ديانات الشرق وعاداته وحضاراته وجغرافيته وتقاليده وأشهر لغاته، وإن كانت العناية بالإسلام والآداب العربية والحضارة الإسلامية هي أهم ما يعنى به المستشرقون حتى اليوم، نظرا للدوافع الدينية والسياسية التي شجعت على الدراسات الشرقية”[2].

  • تاريخ الاستشراق:

رغم الاختلاف الحاصل في تاريخ الاستشراق وبداياته الأولى، إلا أنه من المؤكد عند أغلب الباحثين أن بعض الرهبان الغربيين تتلمذوا على علماء المسلمين بالأندلس، إبان عظمتها ومجدها، وتثقفوا في مختلف العلوم والمعارف على يد علماء المسلمين في الفلسفة والطب والرياضيات ..، ومن أوائلهم “جربرت” Jerbert الذي انتخب بابا لكنيسة روما سنة 999م، و”بطرس المحترم” (1092م-1056م) PierreleAenereو”جيراردي كريمون” (1114م-1187م) Gerard De Gremone … وعاد هؤلاء الرهبان إلى بلادهم، ونشروا ثقافة العرب، ومؤلفات أشهر علمائهم، وأسسوا المعاهد للدراسات العربية مثل مدرسة “بادوي” العربية ..، حتى جاء القرن الثامن عشر، وهو قرن بداية استعمار العالم الإسلامي، فنبغ بعض علماء الغرب في الاستشراق، وبدأوا يصدرون المجلات والدراسات المتخصصة ..، ويشترون المخطوطات من الجهلة، أو يسرقونها من المكتبات، وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر، تم عقد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس سنة 1873م، ومن ذلك الوقت والمؤتمرات تعقد في هذا الموضوع إلى أيامنا هذه[3].

ويقول سعد المرصفي: “وعلى الرغم من أن الاستشراق يمتد بجذوره إلى ما يقرب من ألف عام مضت، فإن مفهوم مستشرق لم يظهر في أوربا إلا في نهاية القرن الثامن عشر … يمكن القول بأن تاريخ الاستشراق في مراحله الأولى هو تاريخ للصراع بين العالم النصراني الغربي في القرون الوسطى والشرق الإسلامي على الصعيدين: الديني والإيديولوجي”[4].

  • أبرز المستشرقين:

من أهم المستشرقين، نذكر: “أ.جأربري”A.J.Arberry إنجليزي، من محرري “دائرة المعارف الإسلامية”، و”ألفرد جيوم”A. Geom إنجليزي، ومن كتبه “الإسلام”، و”بارون كارا دي فو”Baron Garra de Vaux، فرنسي، شارك في تحرير “دائرة المعارف الإسلامية”، و”ه.ا.ر.جب”H.A.R.Gibb أكبر مستشرقي إنجلترا المعاصرين، شارك في تحرير “دائرة المعارف الإسلامية”، و”جولد تسيهر”Gold Ziher مستشرق مجري، من محرري “دائرة المعارف الإسلامية”، و”جون ماينارد”Maynard أمريكي، و”س.م. زويمر”S.M. Zweimer، مستشرق مبشر، و”عزيز عطية سوريال”، مصري مسيحي، و”غ.فونجرونباوم”G.VonGrunbaum ألماني يهودي ..[5].

ويعد المستشرق اليهودي “جولد تسيهر” إمام المستشرقين، وأهمهم على الإطلاق، وتعد كتبه ودراساته مرجع كل الدراسات –تقريبا- في هذا الميدان، فهو يعد “شيخ المستشرقين في الجيل الماضي”[6]، ويعد هو و”فنسنك” –معد “المعجم المفهرس لألفاظ الحديث” و”مفتاح كنوز السنة”- و”جوزيف شاخت” من كبار المستشرقين في هذا القرن، فهم على رأس الاستشراق، ولم يقم أحد من المستشرقين بدراسة الحديث النبوي مثل “جولد تسيهر”[7].

يذهب الأعظمي إلى أن أول محاولة لدراسة الأحاديث النبوية ظهرت في وقت متأخر، هي ما قام به المستشرق “جولد تسيهر”، وذلك بنشره نتيجة بحثه سنة1890م، بعنوان: “دراسات إسلامية” (باللغة الألمانية) MuhammedanischeStudien، وأصبح هذا الكتاب منذ ذلك الوقت إلى الآن “إنجيلا مقدسا” يهتدي به الباحثون.

وبعد كتاب “جولد تسيهر” بستين سنة، ظهر “شاخت” بعد مدة من البحث والتنقيب، وخصوصا في الأحاديث الفقهية، وأصدر كتابه: The OriginsOf  Muhammadan Jurisprudence وخلاصة مشروع “شاخت” هو: ادعاؤه أنه لا يوجد حديث واحد صحيح، وبذلك يكون “شاخت” تجاوز “جولد تسيهر” القائل بالتشكيك في الأحاديث، إلى القول بعدم صحتها[8]. يقول الأعظمي عن شاخت “منهج بحثه لم يكن علميا”[9].

ويذكر مصطفى السباعي أن من أوائل تلامذة المستشرقين في عالمنا العربي، الدكتور طه حسين، وكتابه “الأدب الجاهلي” كان ترديدا ونقلا لآراء “مرجليوث”، فقد نقل آراءه كلها ونسبها إلى نفسه، وليس له في الكتاب مجهود علمي خالص، ولا نتيجة علمية توصل إليها باجتهاده، والأستاذ أحمد أمين، صاحب “فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام”، والدكتور علي حسن عبد القادر، وكتابه “نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي” ترجمة حرفية لكتابي “جولد تسيهر”: “دراسات إسلامية” و”العقيدة والشريعة في الإسلام”[10].

ويضيف في كتابه “السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي”، ملخصا خصائص بحوث المستشرقين حول السنة النبوية –نسوق النص رغم طوله لأهميته-: “وتتسم بحوث هؤلاء بالظواهر الآتية: 1- سوء الظن والفهم لكل ما يتصل بالإسلام في أهدافه ومقاصده. 2- سوء الظن برجال المسلمين وعلمائهم وعظمائهم. 3- تصوير المجتمع الإسلامي في مختلف العصور، وخاصة في العصر الأول، بمجتمع متفكك، تقتل الأنانية رجاله وعظماءه. 4- تصوير الحضارة الإسلامية دون الواقع بكثير، تهوينا لشأنها، واحتقارا لآثارها. 5- الجهل بطبيعة المجتمع الإسلامي على حقيقته، والحكم عليه من خلال ما يعرفه هؤلاء المستشرقون من أخلاق شعوبهم وعادات بلادهم. 6- إخضاع النصوص للفكرة التي يفرضونها حسب أهوائهم، والتحكم فيما يرفضونه ويقبلونه من النصوص. 7- تحريفهم للنصوص في كثير من الأحيان، تحريفا مقصودا، وإساءتهم فهم العبارات حين لا يجدون مجالا للتحريف. 8- تحكمهم في المصادر التي ينقلون منها، فهم ينقلون مثلا من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث، ومن كتب التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقله “الدميري” في كتاب “الحيوان”، ويكذبون ما يرويه “مالك” في “الموطأ”، كل ذلك انسياقا مع الهوى، وانحرافا عن الحق.”[11].

  • التعصب الديني للمستشرقين:

من مظاهر التعصب أن المستشرقين ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مع اعترافهم بأنبياء التوراة، وهم –المستشرقون- في الغالب يهودا أو مسيحيين[12]. وهذا منتهى التناقض، لأن الاعتراف بموسى أو عيسى عليهما السلام، يفرض ضرورة الاعتراف بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن الأنبياء منهج واحد، بل دليل كل النبوات هو القرآن الكريم، رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن مظاهر التعصب عند المستشرقين يقول عبد المتعال محمد الجبري: “يلاحظ أنهم لا يكتبون إلا القليل والتافه عن الإسلام والرسول، حتى يبدو الدين غير جدير بالوقوف عنده .. وكانت الكنيسة الكاثوليكية تتجاهل كتب السيرة النبوية، ليتسع المجال لتصوير النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خلاف صورته التاريخية، وتتجاهل القرآن ولا تعترف بوجوده، وأحرقت نسخه العربية في البندقية سنة1350م، وحرم بابا الإسكندرية طبعه وترجمته”[13].

الملاحظة التي يمكن استنتاجها من “مفهوم الاستشراق” و”تاريخ الاستشراق” ومعرفة “أهم المستشرقين”، أن الاستشراق كان إيديولوجيا منذ البداية، ارتبط بالرهبان، وبالدوافع الدينية اليهودية والمسيحية المتعصبة في كثير من الأحيان، كما ارتبط، بالحملة الاستعمارية على العالم الإسلامي، فلم يكن في جوهره، حركة علمية خالصة وهذا ما يؤكده سعد المرصفي بقوله: “الاستشراق ارتبط منذ نشأته بالتبشير والاستعمار”[14]، ويقول مصطفى السباعي أن المستشرقين اهتموا أكثر بالحضارة الإسلامية أكثر من غيرها “نظرا للدوافع الدينية والسياسية التي شجعت على الدراسات الشرقية”[15].

أولا: مفهوم السنة:

  • تعريف السنة عند علماء الإسلام:
      • السنة لغة:

السنة في اللغة هي الطريقة، يقول ابن منظور: “السنّة في الأصل سنّة الطريق، وهو طريق سنّه أوائل الناس فصار مسلكا لمن بعدهم. وسنّ فلان طريقا من الخير يسُنّه إذا ابتدأ أمرا من البرّ لم يعرفه قومه فاستَسَنُّوا به وسلكوه”[16].ويقول الجرجاني: “السنّة: في اللغة: الطريقة، مرضية كانت أو غير مرضية”[17]، “السّنة: بالضّمّ والتّشديد: الطّريقة ولو غير مرضية”[18].

فالسنة في اللغة حسب ما سبق، تأخذ معنى الطريقة سواء كانت محمودة أو مذمومة.

      • السنة اصطلاحا:

السنة في الاصطلاح الشرعي يختلف مفهومها من حقل معرفي إلى آخر، فمفهومها عند المحدثين يختلف عن مفهومها عند الأصوليين والفقهاء، “ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلافهم في الأغراض التي تعنى بها كل فئة من أهل العلم”[19]، لكن ما يهمنا هنا هو تعريف السنة عند المحدثين.

ومن أجل التركيز وعدم التطويل، نعرض لمختصر مركز قام به إدريس الخرشافي ل”مفهوم السنة”، و”مفهوم الحديث”، و”العلاقة بينهما”، كما نعرض لتعريف “علم الحديث رواية”، و”علم الحديث دراية”، لما لهذا التدقيق المصطلحي من فائدة منهجية في نقد تعريف المستشرقين للسنة النبوية.

السنة: هي كل ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم –خاصة دون غيره- من أقوال أو أفعال أو صفات خلقية أو خلقية أو سيرة، سواء كان قبل البعثة أو بعدها.

الحديث: هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، أو همه أو إشارته، أو أضيف القول فيه إلى الصحابي أو التابعي.

ويستفاد من التعريفين:

* مصطلح “الحديث” له نفس دلالة “الخبر” و”الأثر”.

* “الحديث” أعم من “السنة”، الحديث يشتمل على المضاف إلى الصحابي والتابعي، والسنة تقتصر على المضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

* اندراج مصطلح “السيرة” في الدلالة الاصطلاحية “للسنة”.

* يعتبر مصطلح “الحديث” أعم من مصطلح “السنة”، وهذه الأخيرة أعم من مصطلح “السيرة”.

علم الحديث رواية: ضبط النص المضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو التابعي، من حيث نقله.

علم الحديث دراية: توظيف العلوم التي يعرف بها حال السند والمتن، للحكم على الرواية بالقبول أو الرد.

وعليه، فإن المراد ب”علم الحديث رواية ودراية” هو: ضبط النص من حيث نقله، ثم الحكم عليه بما يناسب من أوصاف[20].

وبالجملة، فإن مصطلح السنة استعمل في “اللغة” بمعنى الطريقة، وبمعنى الطريقة والعادة، سواء كانت محمودة أو مذمومة، وقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم الكلمة في هذا المعنى في قوله: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»[21]، وخصصها الإسلام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،وهي طريقته وشريعته.

  • تعريف السنة عند المستشرقين:

زعم “جولد تسيهر” أن السنة “مصطلح وثني” استعمله الإسلام، وزعم “شاخت” أن مفهوم السنة في المجتمع الإسلامي في العصر الأول هو “الأمر العرفي” أو “الأمر المجتمع عليه”[22]، واستنتج “مارغوليوث” أن معنى السنة في صدر الإسلام هو “ما كان عرفا مألوفا”[23].

يقول الأعظمي في رده على “جولد تسيهر” أن الكلمة استعملت في أشعار العرب، وفي القرآن الكريم، وفي دواوين السنة في معنى الطريقة والسيرة والشريعة ومنهج الحياة، وعليه، فإن ما قرره “جولد تسيهر” ادعاء لا يستند إلى دليل، واستعمال الوثنيين من العرب للكلمة لا يلبسها ثوبا وثنيا، وإلا تحولت اللغة العربية بكاملها لغة وثنية[24].

ويضيف قائلا بعد ذكر أمثلة لما اعتمده “مارغوليوث” في بناء منهجه لتعريف السنة “فلا يمكن أن تقبل تلك الادعاءات ما لم تستند إلى حجج معقولة، سواء في ذلك ما ادعاه “جولتسيهر” في تفسير “السنة” بأنها “مصطلح وثني” استعملها الإسلام، أو ما ذهب إليه “مارغوليوث” من أن معناها في العهد الأول ما كان “عرفيا”، أو ما توصل إليه “شاخت” في دراسته من أن معناها “تقاليد المجتمع” أو “الأعراف السائدة”، لأن تلك الادعاءات تخالف مخالفة جذرية ما دلت عليه النصوص القطعية والتي تفسر بعضها بعضا”[25].

ويشير الأعظمي لإشكال تعريف السنة عند “شاخت” بقوله: “جرت العادة بأن تترجم كلمة الحديث والسنة ب tradition ويستعمل شاخت هذه الكلمة للآثار عن الصحابة والتابعين وفتاويهم. وعندما يتحدث عن السنة أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فبدلا من استعمال كلمة (tradition) يستعمل كلمة (living tradition of ancientschools) ثم يفسر هذه الكلمة بالعربية ب “الأمر المجتمع عليه” في المدارس الفقهية القديمة”[26].

مفهوم السنة عند المستشرقين يشمل مرحلتين: “الأولى: أنها تشمل كل ما ورث عن المسلمين في الصدر الأول من أقوال وأفعال وعادات وتقاليد، والثانية: تشمل كل ما أثر من أقوال وأفعال عن النبي صلى الله عليه وسلم أو صحابته رضوان الله عليهم”[27]، كما وقع الخلط بين الحديث والسنة عند المستشرقين: “يرى Schact أن الأحاديث ليست هي السنة، بل هي تدوين السنة بالوثائق”[28] وهذا يتناقض مع مفهوم علماء الحديث للسنة النبوية كما سبق بيانه، “ومن هذا يتبين بجلاء تهافت ما زعمه المستشرقون من أن السنة في المعنى الشرعي والاصطلاحي هي مجموع ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، فإن ذلك لم يقله أحد من علماء الأمة، ويتبين كذلك أن التباين والتفرقة بين السنة والحديث ليس صحيحا على إطلاقه وفي جملته”[29].

وبالجملة، فإن السنة عندما تطلق عند المسلمين يقصد بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، مرتبطة بالاقتداء به وطاعته، كما أمرهم القرآن الكريم بذلك، ولم يكن يقصد بها عرف المجتمع ولا تقاليده، كما أن المسلمين ميزوا في المصطلح بين دلالته اللغوية ودلالته الاصطلاحية، فالدلالة اللغوية عامة يمكن إطلاقها بدون قيد، أما الدلالة الاصطلاحية فهي مقيدة بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما أن المصطلح لا علاقة له بالحمولة الوثنية، حتى لو سلمنا جدلا بالحمولة الوثنية للمصطلح، فإن المقصود عندنا هو الدلالة الاصطلاحية التي أعطاها الإسلام للكلمة، وهي واضحة في نصوصه التأسيسية الأولى.

  • مكانة السنة النبوية عند الفقهاء:

يعتبر القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع، والسنة النبوية هي المصدر الثاني بعده، وعلاقة السنة بالقرآن تتجلى في كونها مبينة له، ويتجلى بيانها في: تفصيل المجمل، وتوضيح المشكل، وتقييد المطلق، وتخصيص العام. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(النحل:44).

فقد جاء الأمر بإقامة الصلاة في القرآن الكريم، ولكن القرآن لم يبين عدد الصلوات ولا كيفياتها ولا أوقاتها ولا فرائضها…، لكن تكفلت السنة ببيان ذلك، ونفس الأمر ينطبق على الصوم والحج والزكاة…، حيث عرض القرآن الكريم للقواعد العامة والمقاصد الكبرى، وترك التفصيل والشرح والبيان للسنة النبوية.

وقد اتفق العلماء على حجية السنة النبوية يقول الشوكاني: “ثبوت حجيّة السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام، ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام”[30]، فإجماع علماء الأمة وعدم اختلافهم في حجية السنة النبوية[31]، في كل مراحل التاريخ، ينقض دعاوى المستشرقين، ويؤكد أهميتها بل ضرورتها الدينية.

فحجية السنة أمر ثابت متفق عليه، أي أن السنة المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، واختلاف علماء الأمة فيما دون ذلك من تفاصيل اختلافهم في قضايا أسانيد ومتون أحاديث بعينا، لكن الجامع بينهم هو اتفاقهم على حجية السنة مصدرا ثانيا للتشريع بعد القرآن الكريم.

وقد اهتم الفقهاء بالسنة النبوية وجعلوها بعد القرآن الكريم، وقدموها على كل الفتاوى والآراء الاجتهادية، فقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: “آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رَسُول الله، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رَسُول الله، أخذت بقول أصحابه ..”[32].

وقد ادعى “جولد تسيهر” أن أبا حنيفة لم يكن يعلم: هل كانت معركة بدر قبل أحد أم كانت أحد قبلها؟، فإن هذه الدعوى ينقضها علم أبي حنيفة وفقهه في أحكام الحرب، وعلمه بوقائع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومغازيه، فلا يعقل أن يكون أبو حنيفة وهو من هو في الفقه والعلم جاهلا بهذه المعلومة البسيطة. وهذا خطأ منهجي، فإن “جولد تسيهر” اعتمد على رواية عن “الدميري” في “الحيوان” والرجل ليس مؤرخا وكتابه ليس كتاب فقه ولا تاريخ، وإنما هو كتاب حكايات ونوادر، والمنهج العلمي يفرض الرجوع إلى ما دون عن تاريخ أبي حنيفة تدوينا علميا ثابتا[33].

وهي عند مالك في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم، المتواتر منها والمشهور والآحاد، ويقدم خبر الآحاد على عمل أهل المدينة، واختلف في تقديمه خبر الآحاد على القياس[34]. وقد كان رحمه الله تعالى من المهتمين بالسنن، وكان كتابه “الموطأ” أول تدوين في السنة النبوية، وهو كتاب حديث وفقه.

وقد اعترض المستشرقون على منهجية مالك بخصوص “عمل أهل المدينة”. يقول الأعظمي: ادعى “شاخت” “معارضة المدنيين الحديث بالعمل، في الواقع هذا استنتاج غريب، ولنفترض أن الأمر هكذا، فمن أين يثبت أن العمل وجد أولا، ثم وضع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على غراره ثانيا؟”[35]، ويضيف موضحا المثال الذي طرحه شاخت عن ابن القاسم قائلا: “في الواقع مناقشة ابن القاسم كلها ترتكز على نقطتين، فإن هناك نوعين من الأحاديث: النوع الأول من الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم يصحبها العمل المستمر في البيئة عصرا بعد عصر. والنوع الثاني من الأحاديث التي لم يصحبها العمل في المجتمع المدني، فإن وجد التعارض بين هذين النوعين من الروايات، فالرواية التي يصحبها العمل هي التي ترجح. إذن ما صرح به شاخت، وما استنتجه هو في الواقع نتاج خيال خصب غير مقيد بالنصوص”[36].

والشافعي يجعل القرآن الكريم والسنة النبوية في مرتبة واحدة، قال في سياق ذكر مصادر فقهه: “العلم طبقات شتى الأولى الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة، ثم الثانية الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة ..”[37]. ويقول السباعي في تبرير الشافعي لجعل القرآن الكريم والسنة النبوية في مرتبة واحدة، لأن السنة مبينة للقرآن: “ولا يمكن أن يكون لها البيان إلا إذا كانت لها مرتبة المبين في العلم، وقد كان كثيرون من الصحابة ينظرون ذلك النظر”[38].

كان الإمام أحمد رضي الله عنه إماما في الحديث، بل كان محدثا، وفقيها، ودليل إمامته في الحديث كتابه “المسند”، وذكر ابن القيم مكانة السنة عند أحمد وهو يشرح الأصول التي بنا عليها فقهه: “كانت فتاويه مبنية على خمسة أصول: أحدها: النصوص، فإذا وُجد النّص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا مَنْ خالفه –كائنا من كان- .. ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا قولا ولا رأيا ولا قياسا، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ..”[39].

وفي سياق تعامل الفقهاء مع السنة النبوية، يذهب “شاخت” إلى وضع منهج لإثبات أن الحديث لم يكن موجودا في مرحلة معينة من التاريخ، وأنه وضع بعد ذلك، وهو إثبات أن الحديث المقصود لم يستعمل بين الفقهاء في مناقشاتهم الفقهية، لأنه لو كان موجودا لكانت الإشارة إليه أمرا ضروريا، وهذا تناقض بين. شاخت يدعي معاداة الفقهاء للسنة النبوية، ثم يجعل عدم ذكرهم للحديث منهجا ودليلا لعدم وجوده، ثم إن الفقهاء لم يدعي أحد منهم معرفته واطلاعه على كل الأحاديث النبوية في كل الأبواب الفقهية[40]، والباحثون يعلمون أن من أسباب الاختلاف الفقهي: عدم العلم بالحديث، أو عدم صحة الحديث عند فقيه وصحته عند فقيه آخر.

يشككون في الحديث النبوي “متجاهلين تلك الجهود التي بذلها علماؤنا لتنقية الحديث الصحيح من غيره، مستندين إلى قواعد بالغة الدقة في التثبت والتحري، مما لم يعد عندهم في دياناتهم عشر معشاره في التأكد من صحة الكتب المقدسة عندهم”[41].

وهذا الاهتمام بالسنة النبوية وهذه المكانة التي حظيت بها عند الفقهاء هي نتيجة لامتثال أوامر القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾(النجم:3-4)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾(النساء:59).

واستفاد الفقهاء مكانة السنة وحجيتها من إقراره صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن قال: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟»، قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟»، قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قال: أجتهد رأيي، ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ، رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ»[42].

هذه هي مكانة السنة في التشريع الإسلامي، وهذه أهميتها عند الفقهاء، فقد كانوا على اختلاف مدارسهم وعلى تفاوتهم في استعمال الرأي، لا يتجاوزون الاحتجاج بالسنة النبوية، فهم يبنون الاراء الاجتهادية على النصوص التأسيسية الاولى للتشريع الاسلامي، القرآن أولا ثم السنة ثانية، فهما معا نص واحد، كما هو التعبير القرآني قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(النجم:3-4)، وفي هذا رد مفحم للمستشرقين الذين يشككون في مرتبة السنة وحجيتها في التشريع، ومنهم “شاخت”. يقول الأعظمي و”القول بمعاداة الفقهاء للسنة النبوية .. من نتائج تخيل عقلية غريبة عن فهم المجتمع الإسلامي”[43].

وزعم “شاخت” أيضا طعنا في مكانة السنة وحجيتها، أن سلطة النبي صلى الله عليه وسلم “لم تكن تشريعية .. ولو رجع إلى القرآن الكريم لوجد التعاليم التي ترسم سلطة النبي صلى الله عليه وسلم بكل وضوح .. وبمراجعة المصادر المتوفرة لدينا حتى الآن نستطيع كتابة قائمة طويلة من قضاة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لذلك، فادعاء شاخت بأن سلطة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تشريعية، ولم يعين النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدين القضاة، مجانب للحقائق التاريخية”[44].

و”خلاصة القول أجمعت الأمة الإسلامية من سالف الدهر حتى الآن على الأخذ بالسنة النبوية، وأنها مصدر التشريع والمسلمون ملزمون بها. ووجد قديما بعض الأشخاص أو بعض الفرق التي طعنت في السنة النبوية ولكنها انتهت بنهاية القرن الثاني أو على الأكثر بنهاية القرن الثالث، وما بقي لهم وجود، وقد استيقظت الفتنة مرة أخرى في القرن الماضي بتأثير من الاستعمار الغربي”[45]، “وعلى كل فالاتجاهات الحديثة في رفض السنة لا تخرج عن اتجاهات القرن الثاني، واستدلالاتهم، لا تضيف شيئا على استدلالات أسلافهم.”[46].

ومكانة السنة وأهميتها عند الصحابة[47] وعلماء الإسلام، تتجلى في الاعتناء بها عناية كبيرة، وحفظها وحمايتها من التحريف والضياع أو الزيادة والنقصان ..، كانت عنايتهم تشمل ثلاث جوانب:

الجانب الأول: الحفظ في الصدور، والجانب الثاني: الحفظ في السطور، والجانب الثالث: التثبت والنقد للأحاديث رواية ودراية، والذي ساعد الصحابة الكرام على حفظ الحديث النبوي الشريف: “صفاء الذهن وقوة القريحة .. وقوة الوازع الديني .. وإفادتهم من المنهج التربوي الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ سننه القولية”[48].

ثانيا: تدوين السنة:

  • حقيقة الوضع العلمي وانتشار الكتابة في عهد الرسالة:

حرص القرآن الكريم على طلب العلم والتعلم والقراءة ظاهر جلي في آياته، بل كان أول ما نزل من الذكر الحكيم قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾(العلق:1-5).خطاب واضح وصريح في الدعوة إلى القراءة والكتابة، والأخذ بأسباب العلم والتعلم، وذكر لفظ “القلم” لا شك فيه إشارة إلى الكتابة، و”القلم” وسيلة الكتابة الوحيدة في زمن النزول، وإن تطورت وسائل الكتابة وتنوعت آلياتها في زماننا، تبقى هذه الإشارة إلى “القلم” في كتاب الله، دعوة إلى تقييد العلم ليحفظ من الضياع.

وفي نفس السياق نزلت آية المداينة من سورة البقرة، تندب وتحث المسلمين إلى كتابة العقود وتوثيق معاملاتهم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ..﴾(البقرة: 282).

وجاء الترغيب في طلب العلم من النبي صلى الله عليه وسلم: «..مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ..»[49]، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم التحذير من كتم العلم، وعدم تعليمه ونشره بين الناس، فلم يجعل أمر التعليم اختياريا للمعلم، بل جعله واجبا مفروضا، يستحق المعلم العقاب إن كتمه أو رفض تعليم الناس. قال صلى الله عليه وسلم:  «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»[50].

كان هذا التقرير وهذا التأكيد على طلب العلم وتدوينه وحفظه منهج الوحي منذ نزوله، وقبل المستشرقين وادعاءاتهم، في المرحلة المكية والمدنية على الخصوص، فإذا كان هذا هو منهج الإسلام في الحث والتأكيد على العلم وكتابته وتدوينه، فمن باب أولى وأحرى الاعتناء بنصوص الوحي، وعلوم الشرع، حفظا وتدوينا ومدارسة وتحقيقا.

وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أمور دينهم، لكن كانت الأمة الإسلامية حينها أمية لا تكتب، وكان معولها في النقل على الرواية الشفوية، لندرة من يحسن الكتابة،وندرة ما يكتب فيه من أدوات، وفي ظل هذا الوضع وجه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه المتقنين للكتابة لتدوين القرآن الكريم في فترة مبكرة من المرحلة المكية.

وكان أول ما قام به بعد الهجرة هو بناء المسجد، وخصص فيه مكانا للأغراض العلمية، سمي بالصفة، ويمكن أن نطلق عليه أول جامعة في الإسلام[51]، بل كان يأمر الكتبة بتعليم الناس، فقد روي عنه أنه أمر عبد الله بن سعيد بن العاص أن “يعلم الكتاب بالمدينة، وكان كاتبا، وقتل يوم بدر شهيدا”[52]. وكان فداء أسرى بدر تعليم الكتابة.”عن عكرمة، قال: كان فداء أُسَارَى بدْر مختلفًا وكان منهم من فداؤُه أن يعلِّم غلمان الكِتَاب، أو قال يعلِّم الغلْمان الكتَاب”[53].

ويروى “أن إسحاق بن أبي نباتة من بني عمرو بن سعيد بن زيد مَنَاةَ بن تميم، مكث ستّين سنة يؤذّن لقومه في مسجد بني عمرو بن سعد، وكان يعلّم الغلمان الكتاب ولا يأخذ الأجر، ومات قبل أن يحفر الخندق بثلاثين سنة”[54].

هذه فقط إشارة مختصرة جدا، قصدنا منها الالماع ولو من بعيد، على الوضع العلمي في صدر الإسلام، وحرصه صلى الله عليه وسلم على تعليم الناس العلم وأدواته ومنها الكتابة، مما يدل على منهج الإسلام في حرصه على اكتساب العلم وتوثيقة، فإذا كان هذا في العلم عموما، فكيف بالعلوم الدينية، وخصوصا نصوص الوحي، كتابا وسنة.

  • تدوين السنة في العهد النبوي:

كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يكتبون عن النبي صلى الله عليه وسلم، ووردت “آثار صحيحة تدل على أنه قد وقع كتابة شيء من السنة في العصر النبوي”[55]، لكن ورد النهي عن كتابة الحديث النبوي في أوائل الفترة المكية،روي عن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ»[56]، وعورض هذا النص بنص آخر يقول فيه أبو هريرة رضي الله عنه: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ»[57].

ولرفع التعارض المتوهم بين النصين، واستنادا إلى المعطيات النقلية الثابتة في الموضوع، نستنتج ما يلي:

* الإذن بالتدوين ناسخ للمنع منه لتأخر وروده، لأن المنع كان خوف التباس النصوص القرآنية بغيرها.

* مدار الإذن والنهي على خوف العزوف عن النص القرآني، والانكباب على تحصيل الحديث وتدوينه.

* التدوين المأذون به على العهد النبوي لم يكن رسميا عاما، بل كان خاصا بآحاد الصحابة وأفذاذهم[58].

يقول عجيل جاسم النشمي بعد دراسة مسألة تدوين السنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومناقشة النصوص الواردة في موضوعها: “وهذه الأدلة والأقوال مجتمعة لا يبقى لدعوى المستشرقين في أن السنة لم تدون إلا في عهود متأخرة أي حظ من دليل ثابت، أو حجة قوية، وبالتالي فإن ما راموا التوصل إليه من توهين الأحاديث وتضعيف أسانيدها مبني على غير أساس أو أثارة من علم.”[59].

وهذا التأكيد العلمي على تدوين السنة زمن النبي صلى الله عليه وسلم ينقض دعاوى المستشرقين، بأن السنة لم تدون زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهدفهم من هذا الزعم هو التشكيك في حجية السنة، وفي ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم الاطمئنان لصحتها، الأمر الذي يفتح باب وضع الأحاديث والتشكيك فيها.

  • التدوين الرسمي للسنة النبوية:

كان معول المسلمين في بداية الأمر، في القرن الهجري الأول، على النقل الشفوي للحديث النبوي، والإذن في التدوين كان خاصا، ولم يكن عاما لكل الصحابة رضي الله عنهم،يقول الأعظمي: “كتابة الأحاديث النبوية بدأت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، واستمرت مع اطراد الزيادة في العصور التي تلت تلك الفترة، وليس معنى هذا إنكار التحديث الشفهي، أو إنكار الاعتماد على الذاكرة في حفظ الأحاديث، كل ما يهمنا هو توضيح أن الكتابة لم تكن نادرة كما يخيل للناس، ولم يكن الاعتماد على الذاكرة اعتمادا كليا كما يعتقد كثير من الباحثين”[60].

وأول محاولة للتدوين كانت مع سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، يقول السباعي: “وتكاد تجمع الروايات أن أول من فكر بالجمع والتدوين من التابعين عمر بن عبد العزيز”[61]، حيث كتب إلى أبي بكر بن حزب: «انظر ما كان من حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دُرُوسَ العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: وَلْتُفْشُوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يَهْلِكُ حتى يكون سرا»[62].

ونقل سعد المرصفي أن “جولد تسيهر” شكك في هذا الحديث، ورماه بالوضع، ويرجع المصرفي هذا الادعاء إلى أن “جولد تسيهر” لم يدرس كتب علم أصول الحديث دراسة شاملة ومستوعبة، رغم معرفته ببعضها، فقد كان بعضها الآخر مخطوطا، وأنه لم يعر اهتماما لسياق المعلومات وظروفها، ولم يفرق بين تدوين الحديث وتصنيفه، كما اختلطت عليه الروايات الخاصة بهما اختلاطا[63].

وكان من ثمار هذه المرحلة ظهور علم مصطلح الحديث، وهو مجموعة من القواعد المنهجية الدقيقة لمقاومة الوضع، وتحقيق ما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما هو دون ذلك. وقسموا الحديث إلى ثلاثة أقسام: الصحيح، والحسن والضعيف.وقواعد علم مصطلح الحديث “أصح ما عرف في التاريخ من قواعد علمية للرواية والأخبار، بل كان علماؤنا رحمهم الله هم أول من وضعوا هذه القواعد على أساس علمي لا مجال بعده للحيطة والتثبت، وقد نهج على نهج علماء الحديث، علماء السلف في الميادين العلمية الأخرى، كالتاريخ والفقه والتفسير واللغة والأدب وغيرها، فكانت المؤلفات العلمية في العصور الأولى مسندة بالسند المتصل إلى قائلها في كل مسألة وفي كل بحث، حتى إن كتب العلماء ذاتها تناقلها تلامذتهم منهم بالسند المتصل جيلا بعد جيل، فنحن لا نشك في أن “صحيح البخاري” مثلا المتداول الآن بين المسلمين، ألفه الإمام البخاري، لأنه روي عنه بالسند المتصل جيلا بعد جيل، وهذه ميزة لا توجد في مؤلفات العلماء من الأمم الأخرى، حتى ولا في كتبهم المقدسة”[64].

وبهذا التدوين الرسمي للسنة النبوية، وبذلك المنهج الدقيق، والتحقيق العلمي القوي، الذي اعتمد في جمعها وتدوينها وتدقيق النظر فيها،لم يعد للمستشرقين ولا لغيرهم التشكيك في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الخلط بينها وبين غيرها من أقوال الصحابة ولا التابعين.

ثالثا: السند والمتن:

  • السند والمتن عند علماء الإسلام:

السند في اللغة: مطلق الإخبار، وفي الاصطلاح: رفع الخبر أو الحديث إلى قائله، “قال البدر بن جماعة والطيبيّ: هو الإخبار عن طريق المتن… وأما المتن فهو: ألفاظ الحديث التي تتقوم بها المعاني، قاله الطّيبيّ”[65]، والسند[66] والمتن[67] هما موضوعا علم الحديث.

وللسند أهمية كبرى في نقل وتحقيق العلوم الإسلامية. يقول ابن المبارك: “الإسناد من الدين”[68]،و”لولا الإسناد لقال كلُّ من شاء كُلَّ ما شاء»[69]. ويقول ابن الصلاح: “كان الإسناد أحد الخصائص التي اختص الله تعالى بها أمة صفيِّه- صلى اللهعليه وسلم –”[70]. ويقول الشافعي: “مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل.”[71].

يقول الأعظمي: “الأمر الذي لا شك فيه أن الإسناد بدأ من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن منهج المحدثين في استعمال الأسانيد كان يختلف من شخص إلى آخر، خاصة في عهد الصحابة، ويمكننا أن نقول أنالإيمان بأهمية الإسناد وصل إلى ذروته في نهاية القرن الأول.”[72].

فقد كان الناس يلزمون الرواة بذكر الإسناد، وخصوصا بعد ظهور الفتنة، والوضع في الحديث[73]، وكثرة البدع…، يقول ابن سيرين موضحا هذا الإلزام: “لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سَمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم”[74].

وري عن مالك في سياق شرح كلام ابن سيرين والاختلاف في الأخذ عن المبتدع، وهل هو داع لبدعته أم لا؟ ممايؤكد ويدل على احتياط العلماء وتثبتهم في النقل والرواية: “لا يؤخذ الحديث عن أربعة، ويؤخذ عمن سواهم: رجل مُعلن بفسقِه –وإن كان أروى الناس-، ورجل يكذبفي أحاديث الناس –وإن كنت لا تتهمه على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، ورجل له فضل لا يعلم ما يحدث به.”[75].

وأدى اعتماد الإسناد في نقل الحديث النبوي إلى ظهور علم جليل من أعظم خصائص أمة الإسلام، وهو “ميزان الجرح والتعديل”، و”الدراسة المصطلحية”، لتقويم السند والمتن، مما يدل على أصالة التحقيق العلمي والتثبت في الأخبار في الثقافة الإسلامية[76].

  • السند والمتن ودعاوى المستشرقين:

المستشرقون مختلفون في بداية استعمال الأسانيد في الحديث النبوي الشريف، يرى “كايتاني” أن عروة(ت:94ه)، أقدم من قام بجمع الأحاديث، وهو لا يستعمل الأسانيد، مستشهدا بقول الطبري عن عروة، وعليه ينتهي إلى أن استعمال الأسانيد بدأ بين عروة وابن إسحاق(151ه). ويذهب “شبر نجر” إلى أن كتابات عروة إلى عبد الملك خالية من الأسانيد، وأن استعمال عروة للأسانيد متأخر[77].

ويرد الأعظمي على هذا الزعم بقوله: “أما الاقتباسات من كتابات عروة، فهي ليست موجودة في تاريخ الطبري فقط، لكن كتبا عديدة من كتب السنة اشتملت على كتاباته، وهي أقدم من الطبري، وفي إحدى الاقتباسات من الطريق التي استعملها الطبري نجد عروة يذكر مصدره عائشة رضي الله عنها.”[78].

ويذكر الأعظمي رد المستشرق “هوروفتس” على “كايتاني” و”شبر نجر” ومفاده أن “الذين نفوا استعمال عروة للإسناد لم يدرسوا كتاباته وأسانيده كاملة… وأخيرا يصل “هوروفتس” إلى النتيجة التالية: أن بداية الإسناد في الأحاديث تذهب إلى الثلث الثالث من القرن الأول.”[79].

ويناقش “شاخت” خبر ابن سيرين، الذي جاء فيه أن الإلزامبالإسناد كان مع “الفتنة”، ويشكك “شاخت” في صحة الخبر، وينسبه إلى الضعف؛ لأنه يفسر الفتنة بمقتل الوليد بن يزيد(126ه)، ووفاة ابن سيرين كانت سنة 110ه ويرد عليه الأعظمي بأن هذا التفسير يخالف كل الحقائق التاريخية، وأن الفتنة المشار إليها في خبر ابن سيرين هي فتنة علي ومعاوية رضي الله عنهما، وأكد ذلك بسببين: 1- كان سبب الوضع سياسيا، لذلك ربما بدأ الوضع لهذا الغرض أيام الحرب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما. 2- استعمال ابن سيرين ضمير الغائب في الخبر المروي عنه، ولم يستعمل ضمير المتكلم، مما يدل على أنه يخبر عن عادة كانت قبل أيامه، كما أن ابن سيرين يقول: “أنهم لم يكونوا يسألون عن الإسناد”، ولم يقل: “أن الإسناد لم يكن حينها موجودا”، والفرق واضح بين العبارتين[80].

إن النقد المنهجي الذي يمكن توجيهه إلى المستشرقين في هذه المسألة هوخطأ سوء اختيارهم مواد دراسة الأسانيد، وأكثر معتمدهم في دراسة السند هي السيرة النبوية، وهذه الأخيرة من الوجهة العلمية ليست المجال الطبيعي الصائب لدراسة الأسانيد، لذلك توصلوا إلى نتائج خاطئة، لاختيارهم المجال غير المناسب للبحث[81].

ونفس الأمر ينطبق على “شاخت” الذي اعتمد في دراسة الأسانيدعلى الكتب الفقهية، ولم يعتمد على كتب الحديث، حيث درس كتاب الموطأ للإمام مالك، والموطأ للإمام محمد الشيباني، والأم للإمام الشافعي، وهذه الكتب أقرب إلى الفقه من الحديث، وإن كانت فيها مواد حديثية، إلا أن طبيعة تناولها للأحاديث تختلف عن كتب الحديث، لكن “شاخت” عمم نتائجه التي توصل إليها على كل كتب الحديث، وكأنه لا فرق بين طبيعة هذه الأخيرة وكتب الفقه[82].

ويخلص الأعظمي بعد عرض بعض النماذج على اختلاف طبيعة كتب الفقه وكتب الأحاديث، في منهجية ذكر الإسناد واعتماده بقوله: “لقد أثبتت الدراسة لهذه الأحاديث وأسانيدها وطريقة استعمالها في كتابات الفقهاء الأقدمين، بأن كتب السيرة وكتب الفقه ليستا مكانا ومصدرا مناسبا لدراسة ظاهرة الأسانيد ونشأتها وتطورها. الحديث النبوي موضوع قائم بذاته، بل يشتمل على عدد غير قليل من المعلومات الفرعية الأخرى ..، وعلى هذا الأساس فإن ما قام به المستشرقون من دراسة كان مآلها الإخفاق وعدم الوصول إلى الحقيقة، لأنهم اعتمدوا على منهج غير سليم”[83].

والأحاديث يختلف عدد رواتها من جيل لآخر، كما أن الحديث الواحد قد تجد رواته مختلفين: منهم البصري ومنهم المدني، كما أنك تجدهم مختلفين في الأوطان والأمصار، واختلاف أعمارهم واختلاف مشاربهم، وقد تجد الحديث في كتب السنة وكتب الشيعة الزيدية والإباضية ..، والحالة هذه فإنه لا يجوز الارتياب في صحة الحديث، بل لا يجوز الارتياب في تحقيق علماء الحديث، وتثبتهم في نقل الأخبار وروايتها بأسانيد تميزت بعدل وضبط رواتها[84].

وقد اعتمد العلماء منهجية دقيقة في قبول الأحاديث، وبيان علامات الوضع في السند والمتن. ومما قالوه بخصوص السند: أن يكون راويه كذابا معروفا بالكذب ..، أن يعترف واضعه بالوضع ..، وما قالوه في المتن: ركاكة اللفظ ..، فساد المعنى ..، مخالفته لصريح القرآن ..، مخالفته لحقائق التاريخ ..[85].

فقد حدد المحدثون مستوى عال جدا لقبول حديث رجل ما، فإذا كان الرجل لا يكذب في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه يكذب في حياته اليومية وتعامله مع الناس فإن أحاديثه لا تقبل[86]، “لقد قام هؤلاء الجهابذة، بانتقاد آبائهم وإخوانهم وأصدقائهم وأقاربهم. وعلى الأغلب هذا هو المنتهى لما يمكن أن يوضع من المستوى للأمانة بقبول وثيقة ما. وعلى هذا ليس هناك سبب وجيه لرفض شهادات هؤلاء النقاد بخصوص تعديل المحدثين أو تجريحهم.”[87].

كما اعتمد المحدثون طريقة المقارنة بين الروايات المختلفة لاختبار صدق الرواة، وكان هذا المنهج معتمدا عند المحدثين في وقت مبكر جدا[88]. يقول ابن المبارك: “إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض.”[89].

يقول: الأعظمي:”ونخلص من ذلك إلى حقيقة هامة هي أن هذه الأدلة العلمية المنطقية الواضحة يستحيل معها القول بأن الأسانيد ونظامها اخترعت واختلقت في القرن الثاني، مع وجود هذا العدد الكبير من الرواة المنتشرين في أرجاء المعمورة مع صعوبة التنقل والترحال والتنقل بين تلك الأقطار”[90].

ويعلق الأعظمي على منهج “شاخت” في البحث الحديثي بقوله: “ويبدو أن شاخت يستعمل نوعين من الكلمات في دراساته وبحوثه فإن كانت النظرية توافق هواه، فيكفيه أن يجد مثالا أو مثالين، أو بضعة أمثلة ثم يفسرها حسب رغبته بعد ذلك ويسميها بالظاهرة العامة الاعتيادية (commonoccurrenee)، أما إذا كانت الوثائق والشهادات تعارضه وتشير إلى اتجاه عكسي، وتخالف نظريته وتشكل 99% من القضايا تقريبا فحينئذ يقلل من أهميتها باستعمال كلمة (occasionally) أي بمعنى أحيانا. وهذا النوع من الأسلوباللاعلمي في البحث يثبت في الواقع جنوح شاخت إلى الهوى بدلا من البحث العلمي النزيه”[91].

و”يقول شاخت أن أكبر جزء من أسانيد الأحاديث اعتباطي .. ومعلوم لدى الجميع أن الأسانيد بدأت بشكل بدائي، ووصلت إلى كمالها في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري .. وكانت الأسانيد كثيرا ما تلصق بأدنى اعتناء .. وأي حزب يريد نسبة آرائه إلى المتقدمين كان يختار تلك الشخصيات ويضعها في الإسناد”[92].

ويعلق الأعظمي على منهج شاخت بقوله: “فمن ألوف الأحاديث التي رواها الإمام مالك والآخرون من المحدثين، ينتقي شاخت بعض الأحاديث التي حكم عليها المحدثون بالخطأ والوهم، ثم يقوم بدراسة تلك الأحاديث المتكلم فيها ثم ينشئ النظرية في ضوء دراسته للأحاديث المعلولة. لكنه يطبق تلك النظريات على الأحاديث الصحيحة، هذا هو منهجه وهذه هي الظاهرة العامة في بحوثه. وحتى في هذه الحالة نرى الشواهد التي يستند إليها في إصدار حكمه تعارض حكمه بل تزيفه وتخطئه وتنقضه”[93].

وتتبع طعون المستشرقين حول الإسناد والمتن[94] يطول، ومن أراد الاطلاع على ذلك ومعرفته يرجع إلى ما نقله الأعظمي عن “كيتاني”و”شبرنجر”[95]و”هوروفتس” و”روبسون”[96]، وما ذكره أكرم ضياء العمري عن “شاخت” وموقف “روبسون” من تفسير “شاخت” للفتنة، وكيف قرر “هوروفتس” ما رآه “روبسون”، واتفق مع “كيتاني” وتابعهم “سزكين”[97].

خاتمة:

حاولنا من خلال هذه الدراسة الوقوف –في المدخل- على مفهوم الاستشراق، وتاريخه، وأهم المستشرقين، ومظاهر تعصب المستشرقين، ثم تناولنا في صلب الدراسة –المحاور- مطاعن بعض المستشرقين في السنة النبوية، والتركيز على نقد منهجهم، وخصوصا فيما يتعلق بقضايا المفهوم والتدوين، والسند والمتن، ويمكننا أن نستنتج مما سبق ما يلي:

  • الاستشراق يطلق على الدراسات الغربية التي موضوعها الشرق العربي والإسلامي.
  • يبدأ تاريخ الاستشراق منذ هجرة الرهبان الغربيين للتتلمذ على علماء المسلمين بالأندلس.
  • يعتبر “جولد تسيهر” شيخ المستشرقين، وكتاباته عمدة في الاستشراق، وخصوصا السنة النبوية؛ وإن كان المعاصرون ينتقدون كثيرا ما جاء به، لتطور البحث العلمي في زماننا، وتحقيق العديد من المخطوطات اليوم.
  • أثبت غير واحد من الباحثين ظاهرة التعصب التي اتسم بها المستشرقون، وما يؤكد هذه الحقيقة أن الاستشراق منذ بدايته ارتبط بالرهبان.

5- وقع المستشرقون في جهالات حول مفهوم “السنة”، واختلط عليهم مفهوم “السنة” ومفهوم “الحديث” وسبب هذه الجهالات –في اعتقادي- عدم اطلاعهم بما يكفي على “علم مصطلح الحديث” وعلى التدقيقات التي أوردها علماء الحديث فيما يخص المفاهيم: “السنة”، و”الحديث”، و”السيرة”.

6- تدوين السنة النبوية يتأسس على إرشاد الوحي العام إلى طلب العلم وكتابته وحفظه وتوثيقه، وهذا الأمر دلت عليه آيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة، كما أن تدوين السنة النبوية وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان الإذن فيه لأفذاذ الصحابة ولم يكن عاما، لكن التدوين الرسمي للسنة كان مع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ومع هذا الحدث العظيم تطور علم الجرح والتعديل، واستفاد منه علماء في تخصصات أخرى لتحقيق معارفهم وعلومهم، وما جاء به المستشرقون من ادعاءات لا تنطلق من منهج علمي سليم، تعرض لها العلماء  بالنقض والتصحيح.

7- أهم قضية منهجية أُفحم فيها المستشرقون، هي قضية “السند”، فإنه من خصائص أمة الإسلام، بل اعتبره العلماء إمعانا في التثبت والتدقيق العلمي من الدين. بالسند حاربوا الوضع والكذب عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم يقتصر الأمر على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل رويت أقوال العلماء واجتهاداتهم وكتبهم ومؤلفاتهم بالسند المتصل، أما المتن، فقد وضع له العلماء قواعد لتحقيق ما هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم،وما هو من وضع غيره، وقد رد العلماء دعوى وضع حديث الشهادتين كما يزعم المستشرقون.


فهرس المصادر والمراجع:

*القرآن الكريم.

–  إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني(ت:1250هـ)، تحقيق: أحمد عزو عناية، قدم له: خليل الميس، ولي الدين صالح فرفور، دار الكتاب العربي، ط/1، (1419هـ/1999م).

–  دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين وبيان الشبه الواردة على السنة قديما وحديثا وردها ردا علميا صحيحا، محمد بن محمد أبو شهبة، ويليه الرد على من ينكر حجية السنة، عبد الغني عبد الخالق، مكتبة السنة، بدون طبعة، بدون تاريخ.

– إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية(ت:751هـ)، قدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، شارك في التخريج: أبو عمر أحمد عبد الله أحمد، دار ابن الجوزي، السعودية، ط/1، (1423هـ).

– إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض أبو الفضل(ت:544هـ)، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط/1، (1419هـ/1998م).

– الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم، مصطفى السباعي، دار الوراق، المكتب الإسلامي، بدون طبعة، بدون تاريخ.

– الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني(ت:852هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، (1415هـ).

– الأم، الشافعي(ت:204هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون طبعة، (1410هـ/1990م).

– الأولياء، ابن أبي الدنيا(ت:281هـ)، تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط/1، (1413ه).

– الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي(ت:463هـ)، تحقيق: محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، بدون طبعة، بدون تاريخ.

– الجرح والتعديل، الرازي ابن أبي حاتم(ت:327هـ)، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد الدكن، الهند، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط/1، (1271هـ/ 1952م).

– السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، دار الوراق، بدون طبعة، بدون تاريخ.

– السنن الكبرى، أبو بكر البيهقي(ت:458هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنات، ط/3، (1424هـ/2003م).

– السيرة النبوية وأوهام المستشرقين، عبد المتعال محمد الجبري، مكتبة وهبة، القاهرة، بدون طبعة، بدون تاريخ.

– الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، الكفوي، أبو البقاء الحنفي(ت:1094هـ)، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، بدون طبعة بدون تاريخ.

– المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي الفارسي(ت:360هـ)، تحقيق: محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، بيروت، ط/3، (1404ه).

– المستشرقون والسنة، سعد المرصفي، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، مؤسسة الريان، بيروت، لبنان، بدون طبعة، بدون تاريخ.

– المستشرقون ومصادر التشريع الإسلامي، عجيل جاسم النشمي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت، ط/1، (1404ه/1984م).

– بحوث في تاريخ السنة المشرفة، أكرم ضياء عمري، مؤسسة الرسالة، ط/3، (1395ه/1975م).

– تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، بدون طبعة، بدون تاريخ.

– تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي(ت:463هـ)، تحقيق: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط/1، (1422هـ/2002 م).

– تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، جلال الدين السيوطي(ت:911هـ)، تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، دار طيبة، بدون طبعة، بدون تاريخ.

– دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بدون طبعة، (1400ه/1980م).

– دراسة في علم مصطلح الحديث، إدريس الخرشافي، أنفوبرانت، فاس، ط/2، (1999م).

– سنن الترمذي، الترمذي أبو عيسى(ت:279هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط/2، (1395هـ/1975 م).

– صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط/1، (1422هـ).

– صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري(ت:261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون طبعة، بدون تاريخ.

– كتاب الأموال، أبو عُبيد القاسم بن سلاّم(ت:224هـ)، تحقيق: خليل محمد هراس، دار الفكر، بيروت، بدون طبعة، بدون تاريخ.

– كتاب التعريفات، الشريف الجرجاني(ت:816هـ)، ضبطه وصححه: جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1، (1403هـ/1983م).

– لسان العرب، ابن منظور(ت:711هـ)، دار صادر، بيروت، ط/3، (1414هـ).

– مقدمة ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن، ابن الصلاح(ت:643هـ)، تحقيق: نور الدين عتر، دار الفكر، سوريا، دار الفكر المعاصر، بيروت، (1406هـ/1986م).

– منهج النقد في علوم الحديث، نور الدين عتر، دار الفكر، ط/2، (1399ه/1979م).

-سنن أبي داود، السِّجِسْتاني(ت:275هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.

-فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، شمس الدين، بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي(ت:902هـ)، تحقيق: علي حسين علي، مكتبة السنة، مصر، ط/1، (1424هـ/2003م).

وسبحان الذي تتم بنعمته الصالحات.


[1]– تخصص العقيدة والفكر الإسلامي، مدير مركز تدبير الاختلاف للدراسات والأبحاث، فاس-المغرب.

[2]– الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم، مصطفى السباعي، دار الوراق، المكتب الإسلامي، بدون طبعة، بدون تاريخ، ص: 19-20.

[3]– نفسه، ص: 17-19.

[4]– المستشرقون والسنة، سعد المرصفي، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، مؤسسة الريان، بيروت، لبنان، بدون طبعة، بدون تاريخ: ص: 10-11.

[5]– ينظر: الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم، مصطفى السباعي، ص: 38، وما بعدها.

[6]– المستشرقون والسنة، سعد المرصفي، ص: 7.

[7]– ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بدون طبعة، (1400ه/1980م)، ص: 456.

[8]– ينظر: نفسه، المقدمة(ي).

[9]– ينظر: نفسه، المقدمة(ل).

[10]– ينظر: الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم، مصطفى السباعي، ص: 10-17.

[11]– السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، دار الوراق، بدون طبعة، بدون تاريخ، ص: 212-213.

[12]– ينظر: الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم، مصطفى السباعي، ص: 25-26.

[13]– السيرة النبوية وأوهام المستشرقين، عبد المتعال محمد الجبري، مكتبة وهبة، القاهرة، بدون طبعة، بدون تاريخ، ص: 17-18.

[14]– المستشرقون والسنة، سعد المرصفي، ص: 15.

[15]– الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم، مصطفى السباعي، ص: 20. ويذكر السباعي في دوافع الاستشراق: الدافع الديني: وهدفه هو التهوين من دين الاسلام، والتأكيد على أنه دين لا يستحق الدراسة ولا الاهتمام، خصوصا وأن الاستشراق بدأ بالرهبان فكانت مهمتهم الأولى تبشيرية ..، الدافع الاستعماري: انتهت الحروب الصليبية بهزيمة الصليبيين، لكن الغربيين لم ييأسوا من العودة إلى احتلال بلاد العرب، فشجعوا الاستشراق، للتقليل من قيمة الوحي والتراث عند العرب والمسلمين، وبث النعرات والعصبيات والاختلافات ..،  من أجل إصابتهم بالهزيمة النفسية والضعف فيتمكنوا منهم، الدافع التجاري: تشجيع الاستشراق لتحويل العالم الإسلامي إلى سوق استهلاكية لبضائعهم ..، الدافع السياسي: يتجلى في ما يقوم به السفراء والدبلوماسيات الغربية في العالم العربي الإسلامي ..، الدافع العلمي: هناك من المستشرقين من توجه إلى البحث بأمانة وإخلاص وهم قلائل جدا، فجاءت دراساتهم أقرب إلى الحقيقة ومنهم من أسلم. ينظر: نفسه: ص: 20-25.

[16]– لسان العرب، ابن منظور(ت:711هـ)، دار صادر، بيروت، ط/3، (1414هـ)، 13/226.

[17]– كتاب التعريفات، الشريف الجرجاني(ت:816هـ)، ضبطه وصححه: جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1، (1403هـ/1983م)، ص: 122.

[18]– الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، الكفوي، أبو البقاء الحنفي(ت:1094هـ)، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص: 497.

[19]– السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، ص: 67.

[20]– ينظر: دراسة في علم مصطلح الحديث، إدريس الخرشافي، ط/2، (1999م)، أنفوبرانت، فاس، ص: 8-10.(بتصرف يسير).

[21]– صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري(ت:261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، رقم: 1017، 4/ 2059.

[22]– ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، ص: 5-6.

[23]– ينظر: نفسه، ص: 7. المستشرقون والسنة، سعد المرصفي، ص: 32-33.

[24]– ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، ص: 6-7.

[25]– نفسه، ص: 10.

[26]– ينظر: نفسه، ص: 448.

[27]– المستشرقون ومصادر التشريع الإسلامي، عجيل جاسم النشمي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت، ط/1، (1404ه/1984م)، ص: 83.

[28]– نقسه، ص: 84.

[29]– نفسه،  ص: 86.

[30]–  إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني(ت:1250هـ)، تحقيق: أحمد عزو عناية، قدم له: خليل الميس، ولي الدين صالح فرفور، دار الكتاب العربي، ط/1، (1419هـ/1999م)، 1/97.

[31]–  ينظر: دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين وبيان الشبه الواردة على السنة قديما وحديثا وردها ردا علميا صحيحا، محمد بن محمد أبو شهبة، ويليه الرد على من ينكر حجية السنة، عبد الغني عبد الخالق، مكتبة السنة، بدون طبعة، بدون تاريخ، ص: 13.

[32]– تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي(ت:463هـ)، تحقيق: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط/1، (1422هـ/2002 م)، 15/502.

[33]– ينظر: الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم، مصطفى السباعي، ص:55-58.

[34]– ينظر: تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، بدون طبعة، بدون تاريخ، ص: 398-399.

[35]– دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، ص: 455.

[36]– نفسه، ص: 455.

[37]– الأم، الشافعي، أبو عبد الله المطلبي القرشي المكي(ت:204هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون طبعة، (1410هـ/1990م)، 7/280.

[38]– ينظر: تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، محمد أبو زهرة، ص: 398-399.

[39]– إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية(ت:751هـ)، قدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، شارك في التخريج: أبو عمر أحمد عبد الله أحمد، دار ابن الجوزي، السعودية، ط/1، (1423هـ)، 2/50-53.

[40]– ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، 2/447-448.

[41]– الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم، مصطفى السباعي، ص: 28.

[42]-سنن أبي داود، السِّجِسْتاني(ت:275هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، كتاب الاقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، رقم: 3592، 3/303.السنن الكبرى، أبو بكر البيهقي(ت:458هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنات، ط/3، (1424هـ/2003م)، كتاب آداب القاضي، باب ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي ..، رقم: 20339، 10/195.

[43]– دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الاعظمي، ص: 447.

[44]– دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، 2/440-445.

[45]– نفسه، ص: 25.

[46]– نفسه،  ص: 29.

[47]– ينظر تثبت الصحابة في نقل الأخبار، ومقاومتهم للوضع والكذب في الحديث، ونقد بعضهم لبعض في الرواية: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، ص:93. وينظر كذلك ضوابط رواية الأحاديث في عصر الصحابة، وظهور الوضع في الحديث ومسالك الصحابة في مقاومته: دراسة في علم مصطلح الحديث، إدريس الخرشافي، أنفوبرانت، فاس، ط/2، (1999م)، ص: 21-23.

[48]– دراسة في علم مصطلح الحديث، إدريس الخرشافي، ص: 16.

[49]– صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم: 2699، 4/2074.

[50]– سنن الترمذي، الترمذي أبو عيسى(ت:279هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط/2، (1395هـ/1975 م)، 5/29.وقال الترمذي: «حديث أبي هريرة حديث حسن».

[51]– ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، ص: 50.

[52]– الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني(ت:852هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، (1415هـ)، 2/89.

[53]– كتاب الأموال، أبو عُبيد القاسم بن سلاّم(ت:224هـ)، تحقيق: خليل محمد هراس، دار الفكر، بيروت، بدون طبعة، بدون تاريخ، ص: 153.

[54]– الأولياء، ابن أبي الدنيا(ت:281هـ)، تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط/1، (1413ه)، ص: 29.

[55]– السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، ص: 77.

[56]– صحيح مسلم، كتاب الزهد، باب التثبت في الْحديث وحكم كتابة العلم، رقم: 3004،4/2298.

[57]– صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط/1، (1422هـ)، كتاب العلم، رقم: 113، 1/34.

[58]– ينظر: دراسة في علم مصطلح الحديث، إدريس الخرشافي، ص: 18-20.

[59]– المستشرقون ومصادر التشريع الإسلامي، عجيل جاسم النشمي، ص: 93.

[60]– دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، 2/327.

[61]– السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، ص: 123.

[62]– صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، 1/31.

[63]– ينظر: المستشرقون والسنة، سعد المرصفي، ص: 35.

[64]– السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، ص: 126-127.

[65]– تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، جلال الدين السيوطي(ت:911هـ)، تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، دار طيبة، بدون طبعة، بدون تاريخ، 1/27-28.

[66]– للتوسع في دراسة علوم السند، ينظر: منهج النقد في علوم الحديث، نور الدين عتر، دار الفكر، ط/2، (1399ه/1979م)، ص: 344.

[67]– للتوسع في دراسة علوم المتن، ينظر: منهج النقد في علوم الحديث، دور الدين عتر، ص: 321.

[68]– مقدمة ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن، ابن الصلاح(ت:643هـ)، تحقيق: نور الدين عتر، دار الفكر،  سوريا، دار الفكر المعاصر،  بيروت، (1406هـ/1986م)، ص: 256.

[69]– المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي الفارسي(ت:360هـ)، تحقيق: محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، بيروت، ط/3، (1404ه)، ص: 209.

[70] – مقدمة ابن الصلاح، ص: 6.

[71]– فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، شمس الدين، بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي(ت:902هـ)، تحقيق: علي حسين علي، مكتبة السنة، مصر، ط/1، (1424هـ/2003م)، 3/331.

[72]– دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، ص: 422.

[73]– ينظر: فصل الوضع في الحديث، ومتى بدأ الوضع؟، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، ص: 92.

[74]– صحيح مسلم، باب في أن الإسناد من الدين، 1/15.

[75]– إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض أبو الفضل(ت:544هـ)، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط/1، (1419هـ/1998م)، 1/126.

[76]–  ينظر فقرة “عناية المحدثين بنقد الأسانيد والمتون” في: دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين وبيان الشبه الواردة على السنة قديما وحديثا وردها ردا علميا صحيحا، محمد بن محمد أبو شهبة، ويليه الرد على من ينكر حجية السنة، عبد الغني عبد الخالق، مكتبة السنة، بدون طبعة، بدون تاريخ، ص: 30.

[77]– ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، ص: 392.

[78]– نفسه، 2/393.

[79]– نفسه.

[80]– ينظر: نفسه، 2/394-397.

[81]– ينظر: نفسه، 2/397-398.

[82]– ينظر: نفسه، 2/398.

[83]– نفسه، 2/404-405.

[84]– ينظر: نفسه، 2/405-414.

[85]– السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، ص: 115-121.

[86]– ينظر: الجرح والتعديل، الرازي ابن أبي حاتم(ت:327هـ)، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد الدكن، الهند، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط/1، (1271هـ/ 1952م)، 2/32.

[87]– ينظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، 2/414-415.

[88]– ينظر: نفسه، 2/415.

[89]– الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي(ت:463هـ)، تحقيق: محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، 2/295.

[90]– دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الاعظمي، 2/416.

[91]– نفسه، 2/419.

[92]– نفسه، 2/422.

[93]– نفسه، 2/423.

[94]– ينظر فصل “جهالات حول السند والمتن” في: المستشرقون والسنة، سعد المرصفي، ص: 43.

[95]– ينظر:  نفسه، 2/392.

[96]– ينظر:  نفسه، 2/393.

[97]– ينظر:  بحوث في تاريخ السنة المشرفة، أكرم ضياء عمري، مؤسسة الرسالة، ط/3، (1395ه/1975م)، ص: 50.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.