منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مناقشة علميّة حول الاستدلال بصلح الحديبيّة على التّطبيع مع الكيان الصّهيوني

د. نوّاف تكروري

0
اشترك في النشرة البريدية
المقال نشر في كتاب “نحو تفكيك خطاب علماء التطبيع”

مقدمة:

الوقوع في المعصية نوع من أنواع المصائب التي تحل بالإنسان، ولا شك أن المعاصي على دركات في انحدارها بالإنسان، وإن منها الكبائر التي توعد الله عليها بالعذاب، ومنها اللّمم والصغائر التي تطهرها الأعمال الصالحة اليومية، وهي تزداد سوءاً عندما تكون جهاراً نهاراً.

وعلى كل حال فإنه أكبر من المعصية ذاتها أن يمارسها الإنسان وهو مرتاح الضمير ولا يبالي أنه يمارسها ويستمرؤها، إذ لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، واسوأ من ذلك كله أن يدَعي وهو يمارس المعصية أنه يُحسن ويمارس فضيلة ويحاول أن يغلف معصيته بثوب الطاعة والإحسان، فيُنكر أنها معصية ويدعي أنها بر وطاعة، وهذا قد يوقع صاحبها -بحسب المعصية – إلى حد الكفر…. إذ قد تكون انكاراً لمعلوم من الدين بالضرورة.

المزيد من المشاركات
1 من 38

وأسوأ من ذلك كله أن تجد علماء اختصوا بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، والأصل أن مهمتهم بيان أحكام دينه للخلق، وأن يصلحوا بما اُتوا من علم وبما عاشوا مع كتاب الله وسنة رسوله وأحكام دينه.. أن تجدهم بدل أن تصقل نفوسهم هذه النصوص، وتطبعهم بطابعها ويجعلونها حكماً على كل أمر من أمور الحياة التي يمرون بها أو تُعرض عليهم تجدهم مع هذه النصوص التي يجب أن يخضعوا لها ويُخضِعوا لها الخلق أجمعين دعوة وبياناً، يعمدون إلى ليّ أعناقها وحرفها عن مضامينها الواضحة بهدف أن يُشَّرعوا تلك المعاصي والذنوب، وأحياناً الكفر الذي يقع من أناس هم بشر مثلهم غلبتهم أهواؤهم، فانحرفوا عن الجادة فيتولى هؤلاء العلماء تحسين ما فعل هؤلاء الطغاة والعصاة من قبيح، ونسبة مثله إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والبون بين الأمرين شاسع والفرق واضح وهو يرى ذلك ويعلمه لأنه لا ينطلي عن عامي فضلاً عن عالم، فهذا من أسوأ الذنوب وأكبر الكبائر وهو يمثل فعل المنافق عليم اللسان الذي يُرضي الخلق على حساب شريعة الحق ويُداهن المبطلين لينال منهم مالاً أو موقعاً أو ذِكراً.

المبحث الأول: موقف العلماء من الصلح مع العدو

ومن أعظم المصائب التي ابتليت بها الأمة ومن أوضح صورها في زماننا ما نراه من انحراف نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني من قبل دول عربية وإسلامية من كامب ديفيد إلى تطبيع الامارات والبحرين وما بينهما ومن يليهما…

والحق أن تصرفات هؤلاء الحكام لا تفاجئ مراقباً ومتابعاً فهي ليست معاهدات وتطبيع جديد لا في مظهره وظهوره والجهر به فهو قائم منذ زمن بعيد وتصرفاتهم مع شعوبهم وأمتهم ومحيطهم فيه مؤشر لذلك.

وهذه المسألة كانت كلمة العلماء بشأنها مُتفقة فلم يكن هناك أدنى خلاف بشأن تجريم وتحريم الصلح مع الكيان الصهيوني منذ وقوع الاحتلال ولذلك صدرت الفتاوى والمواقف لكبار العلماء وللمؤسسات العلمية والمجامع الفقهية بذلك صراحة وإجماعاً ولكن منذ بدأت الحكومات تتجه إلى المصالحة بل للتطبيع ظهرت أصوات بعض العلماء للقول بالجواز، والملاحظ أن الذين قالوا بذلك أحد صنفين:

1- صنف لم تظهر له حقيقة ما يتم مع العدو من مصالحة فهو يظنها هدنة (بمعنى وقف حالة الحرب مع اليهود مدة دون الاعتراف بهم)، وتصرف يجلب به نفع على وفق قواعد الشرع في الهدنة.

فهو على غير معرفة بتفصيل ما يجري من صور التعامل معهم وفتح العلاقات مع كيانهم بل ولاء وتجارة ومودة معهم وهذا يظهر في فتاوى الشيخ بن باز رحمه الله تعالى ومن مثله في هذه المسألة، إذ انه رحمه الله أفتى بجواز المصالحة مع الكيان، وكان بعدَ أن اجتمع عدد من الشباب في وقتها من تلامذته وسألوه عما يجري من مصالحات وكان المقصود يومها (أوسلو ووادي عربة) أقول وهو لا يعلم حقيقتها.

ومما يوضح ذلك أنه رحمه الله تعالى بعد حوار معه من بعض تلامذته مجدداً بينوا له ان هذه الاتفاقيات من الصلح الدائم فهل يجوز الصلح الدائمة مع اليهود الغاصبين؟ قال رحمه الله: هذه ما أدري بها؛ اتفاقيات الصلح الدائمة لا تجوز.

وهنا نؤكّدُ بأن العالم لا ينبغي أن يُفتي إلا على صورة واضحة، وهؤلاء نخطئهم ولا نجرمهم.

2- وأما الصنف الثاني فهم علماء عرفوا حقيقتها وما تنطوي عليه وإني لا أشك في أنهم يعرفون ويوقنون بحرمتها ولكنهم باعوا دينهم بدنيا حكامهم أو بعرض من الدنيا قليل مُكنوا منه، أو وعِدوا به.

وعجيب أمرهم أنه لا حكامهم الذين طبعوا معنيون حقاً بحكم الشارع ولا هم سألوهم وشاوروهم قبل اقتراف تطبيعهم ولم يقدموا ما يعلمون بطلانه من كل وجه فليتهم اتقوا الله في أنفسهم فاستحضروا الموقف بين يدي الله تعالى.

ولكنهم من حكام السلاطين الذين يلوون أعناق النصوص لتكون على مقاس فعال حكامهم فيرضونهم بسخط الله تعالى.

وللذكرى أقول لهم دعوكم من فلسطين وشعبها بل دعوكم من الأقصى والمقدسات فقط تذكروا أنفسكم، فإننا جميعاً سائرون إلى الله مسؤولون بين يديه، ولن يكون إلى جانبكم محمد بن زايد ولا عيسى بن حمد ولا غيرهم ممن تبيعون دينكم لإرضائهم ونيل عطاءهم فتعلمون أنهم يومئذٍ لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، والأمر يومئذٍ لله.

وعلى كل حال فإن من يقول بجواز التطبيع مع اليهود الغاصبين يستدلّ بصلح الحديبية الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش بجامع ان كل منهما جهة معتدية.

وإنني في هذه الورقة أبين عدم صلاحية صلح الحديبية لأن يكون مستنداً لهذه الفعال الخارجة عن الشرع من كل وجه والخائنة للأمة على أوضح ما تكون الخيانة وقبل أن أوضح ذلك أشير إلى نقطتين:

أولاً: إن محاولة تسخير النصوص المقدسة وفعال الرسول المنزهة عن النقص لخدمة الفعال المنحرفة والولاءات الباطلة والتصرفات الخائنة هذا أكبر من الخيانة ذاتها وذلك أنها تنطوي على الإساءة للكتاب الكريم والسنة النبوية وتشويهها بنسبة فعال فسادها أوضح من الشمس في رابعة النهار إليها، والقائمون بهذه الفعال لا يعنيهم حكم الشرع من قريب ولا من بعيد، ويمارسون انتهاك حرمات الدين في كل شأن سواء في ولاءهم واهدارهم حقوق المسلمين، أو في عدوانهم على شعوبهم قتلاً واعتقالاً وإذلالاً وقمعاً أوفي تحويل أموال الشعب والأمة لتصب في خدمة اعدائها أوفي الفساد المستشري والانحراف عن دين الله تعالى، وإقامة المعابد الوثنية ودعمها والتضييق على بيوت الله تعالى وهدمها وغيره مما لا يقبل خلافاً في كونه جرائم وآثام وانحراف، فهل هؤلاء معنيون في ان تكون مصالحتهم وتطبيعهم منسجماً مع شرع الله وهم لم يتركوا شيئاً من الموبقات الا مارسوها، ولم يمروا بكبيرة من الكبائر الا ارتكبوها، فهم لا يرجون لله وقاراً ولا يريدون لشرعه إقراراً، ورسوخاً في الأمة.

فهل هؤلاء يحتاجون إلى تسويغ فعالهم وإيجاد ما يدعمها؟ وهل يمكن أن يكون هؤلاء مؤتمنون على مصالح الأمة ومقدساتها والقرار بشأنها فصلحهم صلح المسلمين وحربهم حرب المسلمين؟

أما يخشى الله تعالى من يُلحق فعال هؤلاء الخائنين بفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون قد تجاوز بإساءته هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته ودينه من رسموا الرسوم المسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وازواجه؟! فهذه تفاهات لا تقبلها عقول بينما إلحاق هذه ا لفعال بأعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب للحقائق وسخرية بالشريعة، أراد هؤلاء المفتون ذلك أم لم ينتبهوا له في خضم سعيهم لإرضاء أرباب نعمهم أقول هذا نصحاً لهم وإشفاقاً عليهم لعلهم يعودون عن غيهم.

ثانياً: قليل من النظر يجلي لهم أن الحاق هذا التطبيع المهين بصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم بجامع أن كلاً منهما مصالحة أعداء معتدين هو كمن يقيس العصير على الخمر بجامع اللون بينهما أو المصدر الذي جاء منه، أو لحم الخروف على لحم الخنزير بجامع الاسم بينهما إذ كلاهما لحم، إذ لابد أن ننظر في دافع الصلح وآثاره وثماره وكيفية التعامل مع ناقضه والمتصرف خارج بنوده.

وهنا ينبغي أن نطرح بعض الأسئلة التي تشير بمجموعها إلى البحث عن العلة المشتركة التي يمكن معها القياس، فنقول:

السؤال الأول: هل الصلح مع اليهود والتطبيع معهم يشبه صلح الحديبية من حيث الآثار المترتبة عليه والثمرة المرجوة منه للبلاد والعباد؟

السؤال الثاني: هل من عُقد معهم الصلح بالنسبة للبلاد التي يقيمون عليها في الحالتين متطابق أو متقارب؟

السؤال الثالث: هل المصالحة -التطبيع- المدعو له مشابه في طبيعته وتوافقاته ما تم في صلح الحديبية؟

السؤال الرابع: هل موانع الصلح التي اعتمدت في الصلح المقيس عليه مرعيه في الصلح المقيس؟

السؤال الخامس: هل عاقد الصلح في تمثيله للمسلمين وغيرته عليه وحمله على تحقيق مصالحهم سواء فيأنس بفعله ويطمأن لقراره؟

السؤال السادس: هل كل من الواقعتين في الوصف والصفات متشابهتان وقتاً واثراً؟

السؤال السابع: وإذا كان هذا الصلح ضرورة كما يقول بعض المجيزين هل هو حقاً صلح ضرورة، وهل الأمة مضطرة إليه؟ ثم لو سلمنا أنه ضرورة فهل بالفعل تم الالتزام بحدود ما أملته الضرورة وما يحل بها؟

هذه الأسئلة وغيرها تحتاج إلى إجابة واضحة مستندة حقاً إلى الشرع بعيداً عن هوى الذات أو الحاكم.

المبحث الثاني: في بيان دواعي الصلح وكيفية إجرائه ومقاصده: صلح الحديبية نموذجا

إن البحث في المسلمات وإحساسك بأنك بحاجة لإثبات الثابت، وتوضيح الواضح وشرح المشروح، وتبيين البين، من أصعب الأمور على النفس وأثقلها على الباحث عن الحقيقة.

ومع كل ذلك فإنني سوف أذكر في نقاط -لعلّ ذلك يزيدُ الأمر وضوحاً- بأن مثل هذه الفتاوى ما هي إلا خروج على الحق ولا يمكن أن تكون من باب الاختلاف الفقهي المشروع، وإنما هو عمى أبصار عن الحقيقة وهو تغليب لما يرى أصحاب السلطان على ما يرى رب الأرباب وفي نقاط محدودة.

أولاً- من حيث الجهة التي أجري معها الصلح

فإن مكة في ذلك الوقت لم تكن بلدا إسلامياً (دار إسلام) بل هي بلد كفر وكانت الهجرة منها واجبة إلى دار الإسلام (المدينة) وقريش فيها مالكة ملكاً صحيحاً وليس وجودها طارئاً، فكفار قريش لم يدخلوا مكة عنوة على وجه الغصب والعدوان بل هم أهلها وملاكها، وأما عدوانهم على الأملاك الشخصية للمسلمين فهو عدوان على أملاك خاصة وليس عدواناً على الحق العام وسلطان الإسلام، لأن السلطة كانت لهم إلى ذلك الوقت.

بينما الكيان الصهيوني الذي يُدعى لمصالحته والتطبيع معه قائم على الغصب من أساسه، إذ لا وجود أصيل له، فهو قائم على العدوان الجائر وأخذ أرض المسلمين وإخراجهم منها بالقهر والغلبة وإحلال حكمه محل حكم الإسلام لهذه البلاد، وبالتالي فإن الحال بالنسبة للعدوين ليست واحدة، فالأول جهاده فرض كفاية إلا أن يستنفر الإمام، والثاني جهاده فرض عين بكل حال، وليس الاعتداء على الحق الخاص الواقع من قريش مثل الاعتداء على الحق العام والخاص والسلطة معاً الواقع من الكيان الصهيوني.

فالحق العام لا يملك أحد التنازل عنه ولا المصالحة عليه بحال من الأحوال، يقول الإمام الشاطبي: “كل ما كان من حقوق الله فلا خيرة فيه للمكلف على حال، وأما ما كان من حق العبد في نفسه فله فيه الخيرة، أما حقوق الله تعالى فالدلائل على أنها غير ساقطة ولا ترجع لاختيار المكلف، فكثيرة، وأعلاها الاستقراء التام في مواد الشريعة ومصادرها كالطهارة على أنواعها والصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أعلاه الجهاد”[2].

فالحق العام لا يتنازل عنه إلا إذا اقتضت ذلك ضرورة، ولا بد من أن يكون التنازل عندئذ بقدر الضرورة لا يتجاوزها، لأن (الضرورة تقدر بقدرها)، ولا بد من أن يكون التنازل غير مقطوع فيه، بل يمكن التراجع عنه حال زوال الضرورة فلا بد من كونه مؤقتاً، لأنه (إذ زال المانع عاد الممنوع).

وأضرب هنا مثالاً في موضوع الحق العام والحق الخاص، لو ان يهودياً في أي بلد إسلامي اعتدى على مسلم فاغتصب بيته أو أرضه فاختلفا وتخاصما، ثم رأى المسلم لأي سبب من الأسباب أن يتنازل له عن داره ويملكه إياها، أو يتنازل له عن جزء منها مقابل استعادة جزء آخر لشعوره بالعجز عن استردادها قضاءً، لعدم وجود بينة أو لأي سبب آخر، فإن هذا التنازل جائز وهو يكون بذلك قد تنازل عن ماله الخاص أو جزءاً منه لهذا اليهودي المعتدي.

أما لو كان الحق المعتدى عليه حقاً عاماً، ولو كان المعتدي مسلماً كما لو وقع العدوان على مسجد أو طريق عام، أو مدرسة، فإنه لا يملك أحد أن يتنازل له عن هذا الحق ولو كان خليفة المسلمين، وإن فعل ذلك فإنه يبطل تصرفه، جاء في (مغني المحتاج): “ويحرم الصلح على إشراع الجناح وهو خروج سقف البناء على الطريق ولو صالح عليه الإمام، وكذلك الصلح على غرس شجرة، أو أن يبني في الطريق دكة (أي مصطبة) ولو أذن به الإمام، ولو انتفى الضرر، لأنه إن طالت المدة أشبه موضعهما الإملاك، وانتفى أثر استحقاق الطروق فيه”[3].

فقد أبطل العلماء تصرف الإمام في التنازل عن الحق العام لشخص ولو كان مسلماً أو ذمياً، ولو كان لا يوقع ضرراً وإنما خوفاً من ضرر متوقع، وهو احتمالية أن يتحول هذا الملك العام أو الحق العام إلى حق خاص أو ملك خاص بمرور الزمن، فكيف يصح التنازل لليهود المغتصبين وهو يؤول إلى تمليكهم حق المسلمين العام تمليكاً منجزاً لا متوقعاً.

ثانياً: من حيث من عقد الصلح عن المسلمين.

فصلح الحديبية عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان رحيماً بالمسلمين حريصاً على مصالحهم وذلك ظاهر من فعاله قبل الصلح وبعده، يعادي من عادى المسلمين ويوالي من والاهم، بل أعماله كلها ترعى مصالحهم، وتعبر عن تقديمه للمسلمين وتمثيله لهم وجده في تحقيق الخير للعباد والبلاد.

فإذا جاءت الدعوة إلى السلم منه فإنها تحمل على استحضاره لكل هذه المعاني التي راعاها طوال حياته ومسيرته الدعوية والجهادية، وسترى مع ذلك أنها كانت محل مراجعة ونظر من الصحب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

ولكن الذي نجده أن قادة التطبيع مع العدو لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فهم وراء كل إفساد وقتل في بلاد المسلمين، فاليمن وليبيا وسوريا والعراق تدمر بأيديهم، وشعبهم مقموعٌ لا حرية له، وشرفاء شعوبهم يقبعون في السجون، وهم مع شرفاء الأمة في حرب واعتداءٍ دائماً، في تركيا حاولوا ولا زالوا يحاولون الإفساد والانقلاب، وفي مصر أوقعوا الانقلاب لتحقيق غرض الأعداء.

ومع الجوار داخل الخليج حاصروا ويحاصرون إخوانهم ولا يلينون في التعامل مع مسلم أو مسالم، ثم يأتي من هؤلاء الدعوة إلى السلم والتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب المدنس للمقدسات، فكيف لنا أن نفسر ذلك بأنه جنوح لسلمٍ رائده ومقصده مصالح المسلمين، وحقن دمائهم وهم فيما هو أولى من ذلك لا يرعون في دماء المسلمين إلاً ولا ذمة ولا جوار ولا حتى خضوع لسلطانهم بل هم أشداء على المسلمين رحماء بالكفار.

بل إنهم يفتحون دور العبادة لغير المسلمين ويتزلفون إليهم وبالمقابل يمارسون كل أنواع الظلم والاعتداء بحق المسلمين ومقدساتهم.

ثالثاً: من حيث التّوقيت

فإن صلح الحديبية كان صلحاً مؤقتاً لعشر سنين، فهو وقف لحالة الحرب مع عدو مارس العدوان، ويراد كف شره، وليس فيه أي تنازل عن أي جزء من بلاد المسلمين ولا عن حق من حقوقهم وما تسامح فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أموراً لا ينبني عليها شيء فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبوا أم لم يكتبوا.

وأما هذه الاتفاقيات فهي مؤبدة بل ليس مجرد هدنة أو مصالحة، إنها تطبيع كامل بل هي جعلُ غير الطبيعي طبيعي، وهي حالة ولاء وصداقة وحب وحلف حتى صاروا حلفاء يمكن أن تجتمع جيوش المطبعين مع الجيش الصهيوني في إطار واحد مع التجاوز عن كونهم يحتلون مقدساتنا وأرضنا بل قد يقاتلون معهم مسلماً أو غير مسلم.

إذا تجاوزنا عن كثير من الشروط لصحة الهدنة مع الأعداء ممكن أن نقول إن وقف القتال سنة / 1948 -1949-1967 تجاوزاً أن نلحقها بالهدنة المشروعة أو بما جاء في صلح الحديبية، أما هذا التطبيع والولاء مع الغاصبين فإنه لا وجه شبه له مع صلح الحديبية.

رابعاً: من حيث الغرض

كان لصلح الحديبية أغراض اجتماعية وإنسانية وسياسية وعسكرية ودعوية، ساعد تحقيق الصلح على تنفيذها والوصول إليها، أرادها رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمرار صلح الحديبية.

فعلى المستوى السياسي والعسكري أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشتت شمل الأعداء والمتوافقين على عداوته، وقتاله حيث تروي كتب السيرة أن توافقاً كان بين قريش ويهود خيبر بالتناصر، ففي حال وقعت حرب بين أي منها والمسلمين، أن يهاجم الطرف الآخر المدينة، فصالح قريش وحدها وتفرغ لغيرها، فلم يمض شهر ونصف بعد الحديبية حتى خرج إلى خيبر وفتحها دون تدخل قريش. وبهذا فرق خصومه دون منح أحد منهم ولاءً وإخوة وعلاقة مودة دائمة.

ومن الناحية الدعوية: أتاح الصلح فرصة لانتشار الدعوة، وإتاحة الفرصة أمام قريش وغيرها للتعرف على الإسلام، ولذلك دخل الناس في دين الله أفواجاً، فكان من خرجوا للحديبية 1500 بينما بعد سنتين فقط خرج لفتح مكة 10000 من المسلمين. وهذا من ثمار الصلح الذي سماه الله فتحاً.

أما مصالحة اليهود والتطبيع معهم فيقوم على أساس فرقة المسلمين وتمزيقهم وتفريق صفهم وتعديل المناهج شرط من شروطه، فلا بد من حذف النصوص التي تصف اليهود وعدائهم، وآيات الجهاد، حتى صار إقناع اليهود أنهم مقبولون في المنطقة وأننا لا نضيق بهم، أي أننا مرحبون بهم محتلين لبلادنا ومقدساتنا هدفاً فهل فعلهم هذا وقبولهم بالفرقة لتحقيق مصالح العدو الصهيوني يلحق بتشتيت الرسول صلى الله عليه وسلم لصف الأعداء أم هو عكسه تماماً هذا من جهة المطبعين.

وأما من جهة يهود فلهم أهداف من هذا التطبيع والمصالحات فهم يحيدون المسلمين بلداً ويشتغلون بالآخر، ويريدون التفرد بالفلسطينيين ولن يسلم ما يحيط بهم وما المدينة ومكة عن تفكيرهم بمنأى، فقد رفض اليهود في مدريد التفاوض ليس مع كل العرب أو المسلمين، بل حتى مع كل البلاد المجاورة لهم مجتمعة، وأبوا إلا أن يكون هذا التفاوض مع كل بلد بمفرده

واستغلوا المصالحات مع بلد لضرب بلد آخر، فبعد كامب ديفيد احتلوا لبنان وضربوا مفاعل العراق النووي، وبعد أوسلوا كانت مجزرة الحرم الابراهيمي، وبعد وادي عربة كانت مجزرة قانا في لبنان، وتطبيع البحرين والامارات يأتي في إطار صفقة القرن ولتهويد القدس وضم الضفة، هذا فضلاً عن الإفساد الأخلاقي والصناعي والزراعي.

خامساً: صلح الحديبية اعتراف من قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم وبدولته

حيث رضو بمعاملته صلى الله عليه وسلّم نداً بعد أن كانوا ممتنعين عن التعامل معه ولا يرون له إلا السيف، والسعي لإنهاء وجوده، وتدمير دعوته ودولته فكان الصلح إقراراً منهم أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم صار واقعاً لا يمكن تجاهله، وسلموا له بزيارته الحرم ووضعوا أمرا ًشكلياً، أن يكون العام القادم وبعد أن كانوا يعدون ذلك انتقاصاً من سيادتهم ويرفضونه رفضاً قاطعاً، ولذلك عده الله سبحانه وتعالى فتحاً فقال فيه: “إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً” (الفتح:1)، بل عده النبي عليه الصلاة والسلام من أعظم الفتوح فقال: “هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم، ويسألونكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا”[4].

وأما في واقع التطبيع والمصالحة مع الصهاينة فإنه فيما يبدوا أن الصهاينة لهم دراسة معمقة لصلح الحديبية واستفادة منه أكثر من هؤلاء المطبعين الذين يوالونه.

فالناظر في التطبيع معهم يجده يحمل للمحتلين كثيراً مما حمل صلح الحديبية للمسلمين ويحمل لمن صالحوهم وطبعوا معهم ما حمله صلح الحديبية لقريش.

فقد اعترفت هذه البلاد بالكيان بعد أن كانت ترفض ذلك ولم تكن ترى لهم إلا السيف – وهو حق- وانفتح اليهود بهذه المصالحات على العالم وصارت بلاد المسلمين وغيرها سوقاً لبضائعهم، فاعترفت بهم بلاد كانت تقيم وزناً وشأناً للعرب والمسلمين ولها مصالح في بلادهم لم تكن ترى أن تفرط بهذه العلاقات من أجل علاقة مع الكيان.

وبه فتحت بلاد من بلاد المسلمين أبوابها للكيان ورفرفت أعلامه على عواصمها، بل لقد تحقق لهم به أكثر مما كانوا يتوقعون، فقد كان العرب والمسلمون لا يقبلون ببقائهم، فقبل المطبعون بهم، ورغبوا إليهم بالأمان، فصار السلام مقابل السلام، بل ليس قبولاً بهم وحسب بل حلف معهم. وإخاء وتبادل واعتراف وليس مجرد وقف لحالة الحرب.

وفي صلح الحديبية أصبح متاحاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحالف من كانوا يخشون بحلفه إغضاب قريش، فزال الهاجس، وهو ما أوضحناه بشأن الكيان اليوم، وهذا ما حققه الكيان فقد فتحت أمامه بلاد لم تكن لتقيم علاقات من شرق أوروبا /وإفريقيا/ وغيرها لولا هذا التطبيع الذي جعل حكام تلك البلاد يرون أنهم بمقاطعة الكيان ملكيون أكثر من الملك.

سادساً: من حيثُ الآثار الإعلاميّة

أدى صلح الحديبية إلى إيقاف حملة قريش الإعلامية التي كانت تثيرها ضد المسلمين وهي مسموعة الكلمة في القبائل يومئذ، وهوما حققه الكيان بمنع كل من يكشف حقيقته في وسائل إعلام العرب المطبعين وصار يوصف بالجار والحليف، بل إنّ قريشاً لم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صديق ولكنها عبرت عن عجز تراه مؤقتاً وتسعى لإزالته فهادنته لسنوات دون أن تنهي حالة الحرب والمواجهة، فيا ليت هؤلاء اقتدوا بقريش فقالوا نحن عاجزين أمام هذا العدو لذلك نوادعه، ففي الحقيقة تجاوزوا عن عدوانه وعدّوه أخا وتعاملوا مع هذا الكيان بوصفه صديقاً وحليفاً.

سابعا: من أهم ما في الأمر ان الصلح عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن خيارا وحيدا

فلم يجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه وجيشه من البدائل، ولم يشن حرباً على أصحابه وجواره وإخوانه ليعود صفر اليدين، بل كان يصالح ويستعد للحرب إن فُرضت عليه فهو لخبر قتل عثمان يبايع أصحابه على الموت ويتفق معهم على قتال من يصدهم عن البيت عند لزوم ذلك، ولما جاءه العين وقال له إن قريشاً جمعت، شاور أصحابه وكان القرار قتال من صدهم.

بينما هذا التطبيع يقوم على سلخ فكرة الجهاد واستثنائها، بل عدّوه من الإرهاب الذي يشترك المطبعون مع الغاصبين في محاربته.

ثامنا: من حيثُ التزام الأطراف

إن الصلح الذي اجراه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو صلح بالتزام من طرفين ينتقض في حقها إذا نقضه أحدهما، ولذلك انتقض العهد عندما جاءت قريش بناقض، وهو إعانة بني بكر على العدوان على حلفاء رسول الله صلى الله عليه، وليس صلحا لا يضره النقض وإلحاق الضرر بالمسلمين، فمنذ بدأت عملية التطبيع والعدو ينقض وهم ينادون بالسلام / استراتيجيتنا/ ثم ينسب هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

تاسعا: من حيث المآلات

صلح الحديبة كان توطئة لفتح مكة، وأما مصالحات اليهود اليوم فهي تمهيد لممارسة الصهاينة مزيداً من العدوان على بلاد المسلمين وتفريق لصف المسلمين كما أشرنا من قبل، فبعد الصلح مع مصر احتلوا لبنان وبعد اوسلو اقتحموا المسجد الابراهيمي، وبعد وادي عربة كانت مذبحة قانا في لبنان. وكل وأحد من هذه الاتفاقات كانت مقدمة لأسر الشباب وزجهم في السجون.

والتطبيع الاماراتي البحريني يأتي استجابة لصفقة القرن وإتاحة للمشروع الأمريكي الصهيوني لكي يتم ويؤتي أكله بضم القدس والضفة.

عاشراً: من حيثُ المصدر التشريعيّ

وأخيرا فإن صلح الحديبية لم يكن باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ولا برأي البشر وإنما تدل الأحداث التي وقعت وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة والتي جاءت على خلاف تصرفاته صلى الله عليه وسلم في غزواته السابقة من حيث الاستشارة والاستماع إلى الآراء المعارضة وكذلك أقواله صلى الله عليه وسلم وردوده على المعارضين كل هذا يدل على أن هذا الصلح تم بأمر الله سبحانه وتعالى ونفذه صلى الله عليه وسلم بأمر الوحي وبالتالي فإنه لا يقاس عليه مصالحة اليهود والأمور التي تدل على تدخل الوحي في هذا الصلح كثيرة جداً أذكر منها ما يلي:

1-بروك القصواء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثنية المرار قبل دخول الحرم فقد روى ابن هشام قال: “… وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته فقالت الناس خلأت القصواء ” قال: “ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها عن صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم قال للناس: انزلوا”[5].

قال الملهب: إنما قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن للمسلمين بسبب حبس الله ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة.

2- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اعترض عمر وغيره من الصحابة على عقد الصلح قال لهم رداً على اعتراضهم: “إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري”[6].

فقد روى أحمد “أن قريشا بعثوا سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي، فقالوا: ائت محمدا فصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل”، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلما، وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أوليس برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا. فقال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه حيث كان، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: “بلى”، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: “أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني” ثم قال عمر: ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرا”[7].

وفي هذا الحديث إشارات بل دلائل على كون هذا الصلح جري بالوحي وأن قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم به إنما هو بأمر الله عز وجل الذي يعلم مصائر الأمور فكان أمر الله سبحانه وتعالى لرسوله بقبوله لعلم الله سبحانه وتعالى بأن هذه الشروط التي ظاهرها ضد المسلمين ستكون سببا في إذلال أعدائهم وخنوعهم وخضوعهم…. وقد كان حتى تذللت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل من جاءه منها مسلماً، وذلك نقيض شرطها في الصلح إذ إنه لما قطع طريقها أبو بصير وإخوانه طلبت نقض ما اشترطته لنفسها بعد أن صار وبالاً عليها.

فظاهر هذا الشرط أن فيه إذلالاً للمسلمين وتجاوزاً لعزتهم، فيجب رده باجتهاد العقل إلا إذا أخذ بأنه وحي السماء، ولذلك اعترض عمر رضي الله عنه لما اعتبر الأمر سياسة واجتهاداً، وامتنع أبو بكر لما اعتبر الأمر وحياً ممن يعلم خفايا الأمور وحقائقها سبحانه وتعالى، وإلا فهو من حيث المعقول موافق لعمر إذ لم يحاول إقناعه بحجة عقلية وإنما ذكره بضرورة طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم الخروج على أمره، لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يأمر إلا بالوحي.

فعمر اعتبر رسول الله يفعل ذلك بصفته قائداً فاعترض عليه، وهكذا يجب أن يعترض على القادة في كل تصرف ظاهره أنه يقود إلى ذل المسلمين والإضرار بهم، وأما أبو بكر فقد عد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصرف بصفته رسول يأتيه الوحي من السماء فسلم له بهذه الصفة ولم يعترض، وهكذا يجب التسليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسير على نهجه لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يسوق الأمة إلا إلى الخير، ولذلك قال لعمر: الزم غرزه -أمره-حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله.

وكان قول عمر رضي الله عنه وأنا أشهد، وكأنه يقول وأنا أشهد ولكن أعترض على فعله بصفته قائد، ولذلك ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن اعتراضه على فعل ظاهر، أنه لا يتناسب مع حقوق المسلمين وعزتهم ولم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إجابة عقلية، ولا ناقشه وأبدى له حسنات هذا الاتفاق أو الصلح، وإنما أخبره أنه إنما يفعل ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فإنه لا مجال للنقاش فيه وأعطاه إجابة قطعية بقوله: “أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني”، وحتى في رواية البخاري ومسلم فقد جاء فيها: “يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً”[8].

ولذلك طابت نفس عمر-كما ورد في رواية البخاري ومسلم- لما علم أن هذا الأمر فتح، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يفعله بأمر الله ووحيه، ومن هنا فقد أوضح لنا تصور عمر رضي الله عنه للمسألة – وهو الذي كُتب الحق على لسانه – أن الأمر إن كان من فعل القائد فهو قابل للاعتراض عليه والمراجعة فيه، وأما إن كان من فعل الرسول القائد صلى الله عليه وسلم بصفة النبوة فإن النفس تطيب به وترضاه على أي وجه كان، ولو خالف ما يرشد إليه العقل، لأن أمر السماء مسلم به على كل حال.

وأما تصور أبي بكر فقد كان للحالة الواقعة فقط، مرتبطة بشخص القائم بها- رسول الله صلى الله عليه وسلم – فهي لا تنطبق على غيره من ولاة الأمر، فإن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز الاستسلام لهم وقبول تصرفاتهم التي لا يدل ظاهرها الا على الذل والهوان، لأن فعلهم اجتهاد ورأي بشر بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

وكذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يغلق باب الاعتراض في هذه المناسبة على خلاف عادته صلى الله عليه وسلم، إذ كان يشاور أصحابه رضوان الله عليهم في مثل هذه الأمور كما حصل يوم بدر، بل لما أراد أن يصالح باجتهاده للمسلمين يوم الخندق جمع السعدين واستشارهما ونزل على رأيهما لما رأى تحمسهما للجهاد، أما في هذه المرة فقد رفض صلى الله عليه وسلم الاستجابة لأي اعتراض، لأنه يفعل ذلك بأمر الله ووحيه، ولأن ظاهر ما يقدم عليه على خلاف باطنه، ومن هنا لو شاور فيه لكانت المشورة على عكس ما يلزم من علمه صلى الله عليه وسلم الوحي. ثم إن آثار صلح الحديبية جاءت وفق ما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أمر أجرته القدرة الإلهية، وأمر المصطفى بالاستجابة له وإن كان ظاهره للناس على خلاف المقصود، فالله هو الذي يعلم الخير ومكمنه.

انتهى بحمد الله


 

[2] الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم اللخمي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1417هـ/ 1997م، 3/101.

[3] شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني، دلائل مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ – 1994م، 3/172. بتصرف.

[4] دلائل النبوة للبيهقي، باب نزول سورة الفتح مرجعهم من الحديبية وما ظهر في وعد، حديث رقم: ‏1504‏.

[5] مسند أحمد بن حنبل، أول مسند الكوفيين، حديث المسور بن مخرمة الزهري، حديث رقم: ‏18525‏.

[6] صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم: ‏2601‏.

[7] مسند أحمد بن حنبل، أول مسند الكوفيين، حديث المسور بن مخرمة الزهري، حديث رقم: ‏18525‏.

[8] صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب إثم من عاهد ثم غدر، حديث رقم: ‏3026‏.

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.