منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صلِّ على محمّد

2
اشترك في النشرة البريدية

لا تُخطيء العينُ أرتالًا مِن المحن المتلاحِقة التي تضرب العُمْق الإسلامي، في محاولةٍ عابثةٍ بائسة مِن سَدَنتها ومُدبِّريها لحجْب نور الهداية وإخراس صوت الحقّ وتجفيف منابع الخير؛ تارةً بالجرأة على مقدّساتٍ وثوابتَ استوى عليها وعيُ الأمّة، مِن خلال خطابٍ إعلاميٍّ سُلطويّ ممجوج. وتارةً بالتضييق على منابر الدعوة، عبر تغييبها وتكميم أفواهِها، أو إلجامها ولَيّ أعناقِها. وتارةً أخرى بتَبنِّي منظومة الظلم والاستبداد لسياسة الإرهاب، التي تدقّ رأس كلّ مَن يدعو إلى استعادة مجدٍ زاهرٍ عنوانه كلمة التوحيد وسبيله إصلاح الفرد والمجتمع.

وكم يُثلج الصدرَ ويُقرّ العينَ ويُنعش الروح، أن ترقب وسط هذه المِحن ضوءًا أو قبسًا ينشد إعلاء حقيقةٍ من حقائق هذا الدّين العظيم؛ فيُحيي سُنّةً ويُذكِّر مؤمنًا وينبِّه غافلا، وكأنّه طاقةُ وردٍ تتصدّق بأريجها، وقارورةُ مسكٍ تَنثر عبيرَها، وسماءُ خيْرٍ تُهدِي غيثَها…

(صلِّ على محمّد).. بطاقةٌ بارزةٌ علَّقها أحدُ مرتادي المسجد على مقدّمة صدره وفي جوار قلبه، حتى بدَت كالنِّيشان والوِسام، فلَفتَ ذلك انتباهي وأثار فضولي وأهاج سؤالي؛ فكان جوابه: أنّها بدأت كفكرةٍ دعويّة لم يُسبَق إليها إبّان دراسته الجامعية، وطوّح به التردّدُ حينًا بين الإقدام والإحجام، حتى انعقد عزمُه عليها مِن أربعة أعوام خلتْ، فكانتْ لصيقته التي لم يغادرها في حَلّه وترحالِه، وفي سوقِه وعملِه، وصارتْ له علامةً مسجَّلة وشارةً مميّزة.

والرائق في تلك البادرة؛ أنّها دعوةٌ متحرّكة بلا أقدام وناطقة بلا لسان؛ فيها مِن التلميح والرّقّة والّلطف ما ينفذ بها إلى سويداء العقل ويُلامس شغاف القلب، بعيدًا عن الضجيج الذي تملّه الأسماع، والصخب الباعث على النفور، والتعقيد الذي يثقل الكواهل ويكدّر الخواطر. ذلك التلميح الرّهيف الذي يُشابه ما تَلقّاه مالكوم إكس في بداية طريقه الدعوي على يد معلِّمه الذي نصحه قائلا: “إذا رأيتَ أحدا يحمل كأسَ ماءٍ متَّسِخة، فلا تُدِنْه، ولكن أَرِه كأسك النظيفة، ولن يكون عليك حينذاك أن تقول له أي الكأسيْن أفضل”. كما أنّ في تلك اللفتة مِن الأناقة والبكارة؛ ما يفتح لها مجال القبول، ويسلك بها سلّم الوصول، وتلك لَعَمري هي البطاقة الذكيّة التي تُدِرّ الحسناتِ لا الأموال، وتَرفع المقامَ لا الرصيد، وتَفتح الجنانَ لا الخزائن…ولِم لا وقد قال الله تعالى في محكم التنزيل: “إنّ اللهَ وملائكته يُصلّون على النبي يأيها الذين ءامنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما”(1)، كما رَوى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَن صلّى عليّ واحدةً، صلَّى الله عليه عشرا”.

والمُبهِج في ذلك السلوك؛ أنّه صدر مِن شابّ عِشريني؛ يُزيّن بعضُ أقرانِه -للأسف- جيادَهم بالسلاسل الفضية والذهبيّة، ويُسوِّرون معاصمَهم بالحلقات الملوَّنة، ويُشوّهون سواعدَهم بالوشْم، بينما اختار هو الزينةَ الأرقَى والأنقَى؛ فلم يُبالِ بنظرات الاستغراب والاستهجان، ولم يَعبأ باستفسارٍ يُغلِّفه الاستنكار والتسفيه، ولم يُقعِدْه اتّهامٌ بالرياء والمَظهريّة…فمَن استحضر حلاوة الظفر هان عليه الخطْب، ومَن كانت همّته السحاب لم يُعِقْه تلٌّ مِن تراب؛ إذْ لم يكن لهذه البطاقة أن تجدَ مكانها على مقدّمة الصدر، إلّا بعد أن امتلأ القلبُ بعاطفة الحبّ وحرارة الوَجْد، ثمّ فاض على العقلِ بفكرة حملها ساعدُ العزم إلى  نور الوجود، ومشت بها ساقُ الهمّة صوب بؤرة الفعل. وهو في ذلك قدوةٌ ومثَل، وخليقٌ بكلّ شابّ أو شابة- أن يحذو حذوه، فيَستدرّ قلبَه ويَستفزّ حيّز عقلَه، لينسج أفكارًا عدّة ويعلِّق بطاقاتٍ شتّى؛ علّها تَسدّ الثغور وتُعلِي البناء وتُعيد الأمجاد، ولِيصْدق فيهم قول الشاعر هاشم الرفاعي:

المزيد من المشاركات
1 من 3

شبابٌ ذلَّلوا سبُلَ المعالِــــي ،،،   وما عرفوا سوى الإسلام دينا

   تَعهّــدَهم فأنبتَــهم نبــاتــــــــا  ،،،  كريما طاب في الدنيا غصونــا

ومحبّةُ النبي صلى الله عليه وسلم أصلٌ في الدِّين، ودعامةٌ للإيمان، وواجبٌ لا نفْل فيه؛ إذْ به أنقذَنا اللهُ مِن الضلال فهدانا إلى الإسلام، وأخرجَنا مِن الظلمات إلى النّور فعصَم لنا الدماء والأموال والأعراض، وبواسطته منحَنا اللهُ قرآنًا عليه مدار سعادتنا في الدنيا والآخرة، وبجَنابه يَشفع اللهُ لنا يوم الفزع الأكبر. وهو بذاته -صلّى الله عليه وسلم- خليقٌ بالحبّ؛ لأنّه أحَبّ أمّتَه كما لم يُحِبّ نبيٌّ أمّتَه قبله، ولأنّه اتّصف بصفات الكمال والبهاء والجمال؛ فكان محمّدًا اسمًا ورسما أي كثير الخصال المحمودة الطيّبة، وكان كما وصف نفسَه عليه أفضل الصلاة: “أنا حبيب الله ولا فخْر، وأنا حامل لواء الحمْد يوم القيامة ولا فخْر، وأنا أوّل شافِع ومشفَّع ولا فخْر، وأنا أوّل مَن يحرّك حلقَ الجنّة فيفتح اللهُ لي فيُدخلنِيها ومَن مَعي مِن فقراء المؤمنين ولا فخْر، وأنا أكرم الأوّلين والآخِرين ولا فخر”، وفيه قال الحسَن بن الفضل: لم يَجمع اللهُ لأحدٍ مِن الأنبياء اسميْن من أسمائه إلّا للنبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم؛ فإنّه سبحانه قال فيه: “بالمؤمنين رؤوف رحيم”(2)، وقال جلّّ في علاه عن نفسه: “إنَّ الله بالناس لرؤوف رحيم”(3). هذا فضلًا عن أنّ محبتَه -صلى الله عليه وسلّم- كأسٌ مَن شربها ذاق حلاوة الإيمان، ودربٌ مَن سلكها ضَمن رفقتَه في رياض الجنان. ويكفي لمحبّته أنه كان محطّ الوحْي وخبَر السماء.

والمَحبَّة تعني التوقير والتعظيم، وهي كما قال ابن القيّم: “المَحبّة لا تُحَدّ -أي لا يُذكر لها تعريف- إذْ هي أمرٌ ينبعث بنفسٍ يَصعب التعبير عنه”، ولأنّها في حقّ النبي صلى الله عليه وسلم محبّةٌ قلبيّةٌ وعقليّةٌ وحِسيّة؛ فلا مجال للتعبير عنها بالورود الحمراء وكلمات الغزل وقصائد الهيام وآهات العشّاق، كما هو الحال في محبّة تلهث وراء اللذّة وتتحرّى المنفعة فتفترش الهوَى وتلتحف الشهوة، بل إنَّها محبّة لُحمتها التخلّق بأخلاق النبوّة السامية، وسُداها الاقتداء بما جاء به وسَنَّه وشَرَعه؛ فعلامة الحبّ الاتّباع. ولا يتأتّى ذلك إلّا بدراسة سيرته التي تزخر بالفضائل والتضحيات على كافة الصّعُد وفي شتّى المواقف، إذْ الحُبّ ثمرة الإدراك والمعرفة، وكلما تَمَّت المعرفةُ قَوي الحُبّ والعكس صحيح. أضِف إلى ذلك أنَّ كثرةَ الصلاة عليه، وتعظيمه وتوقيره، وعدم رفع الصوت عند سماع حديثه، وزيارة مدينته، والدعاء له بالوسيلة والدرجة الرفيعة، ومحبّة الصحابة وآل البيت؛ هو مِن مُقتضيات ذلك الحبّ ودلائله، مع الأخْذ في الحسبان أنّه صلى الله عليه وسلم غنيٌّ عنّا؛ فلا حبّنا يزيده رفعة ولا جفاؤنا -والعياذ بالله- يُنقصه درجة.

ولقد ضرب الصحابةُ الكرام والتابعون الأجلّاء المثلَ الأعلى في الحُبّ المحمّدي؛ فكانوا كما أمرهم الله سبحانه: “النبيّ أوْلى بالمؤمنين مِن أنفسهم”(4)، وكان حبّهم لنبيّهم كحال أبي الحسن (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه الذي قال: “كان واللهِ أحبّ إلينا مِن أموالِنا وأولادِنا وآبائِنا وأمّهاتِنا، ومِن الماء البارد على الظمأ”؛ فهذا خبيْب حينما خرج به المشركون ليصلبوه، تقدَّم منه أبو سفيان وقال: يا خبيب؛ أتحبّ أنّ محمّدا في مكانك الآن تُضرَب عنقُه وأنت في أهلك؟ فقال خبيب: والله ما أُحبّ أنّ محمّدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيتُ أحدا يُحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمّدٍ محمّدا. وهذه امرأة أنصارية قُتل زوجُها وأبوها وأخوها في غزوة أحد، فلما أُخبِرت بذلك، قالت: ما فعل رسول الله؟ فقالوا هو بحمد الله حيّ كما تحبِّين، فقالت: أَرونيه أنظر إليه، فلما رأتْه قالت: كلّ مصيبة بعدك جلل، أي صغيرة بسيطة. وذاك الإمام مالك الذي كان لا يُحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلّا وهو طاهر متوضِّئ، وكان على ضعفه في أخريات أيّامه لا يركب دابّة في المدينة؛ إجلالا لأرض مَشَى عليها النبي وثوى فيها جسدُه الطاهر! وهذا سعيد بن المسيّب الذي سأله زائروه  إبّان مرضه أن يَذكر لهم شيئا مِن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال أَجلسوني. قالوا: أنت مريض. قال: أَ يُذكر صلى الله عليه وسلم، وأنا مضطجع؟! وهذا ابن عمر رضي الله عنه الذي كان لا يذكر النبي إلّا وترقرقت عيناه بالدموع. أمّا خادمه الأمين (أنس) فقد حدّث عن نفسه أنه وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم لم تمرّ عليه ليلة إلّا ورآه في منامه.

وقد ذَكر العلّامة عمر فرّوخ في كتابه (غبار السنين)، أنّه كان يقرأ فصلا مِن رسالته العِلمية على أستاذه الكاثوليكي في ألمانيا، فمرّ ذِكرُ “محمّد رسول الله”، فقال الأستاذ: أنتَ تكتب رسالةً علميّةً وتقول محمّد رسول الله! فطويتُ أوراقي ونهضتُ قائما، فقال: لِم فعلتَ ذلك؟ قلتُ: لا أريد أن أدرس على أستاذ يَضيق صدرُه إذا أنا قلتُ “محمّد رسول الله”، بينما هو يعتقد أنّ المسيحَ هو الله بالذات. أمّا الشاعريْن (إلياس فرحات) و(رشيد سليم الخوري)، فكانا أشدّ إنصافا من هذا الأستاذ الجامعي، وذلك حين نظما قصيدتيْن في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، مع كونهما يدينان بالدِّين المسيحي!

وكما تَطاول أعداءُ الملّة على المقامِ الرفيع للنبوّة، وذلك عبر الرسوم الكاريكاتورية البذيئة والأفلام المسيئة؛ تحت زعمٍ مهترِئ من حريّة الرأي وستارٍ مفضوح من حقّ التعبير! فقد أقدَم بعض المنتسِبين إلى الإسلام على التشكيك في السُنّة والطعْن في سِفرها الصحيح الذي وضع فيه الإمام البخاري حشاشة قلبه وخلاصة عقله ونور روحه، بينما غالَى بعضُ الشيعة والمتصوِّفة فأخرجوا النبيّ صلّى الله عليه وسلم من بشريّته وزعموا أنه خُلق من نور! وأنه أزليّ الوجود! وأنَّ الكونَ خُلق من نوره! وغير ذلك من الهرْطقات التي مال إليها الأغرارُ من العوام وزعموا أنّ ذلك مِن قَبِيل الحُبّ والتعظيم. والحقيقة أنّ هذا الغلوّ وجهٌ آخر للجفاء، وكلاهما-أي الغلوّ والجفاء- خرج من عباءة الغيّ والضلال والابتداع الذي لا يرضاه العزيز الحكيم القائل في كتابه المبين: “قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله”(5)، والقائل “قل إنّما أنا بشر مثلكم يُوحَى إلي”(6)، كما يَبرأ منه النبيُّ الكريم الذي نهى عن إطرائه كما أطْرت النصارى سيدَنا عيسى عليه السلام، فأكّد بشريّتَه واعتزّ بعبوديّتِه قائلا: “إنّما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون” ومردِّدا: “أنا محمّد بن عبد الله، عبد الله ورسوله”. وقد ذكَر العلماء أنَّ في دعوة الخلْق للصلاة على جنابه الكريم، حمايةً له مِن أن يدّعي أحدٌ من الناس فيه الألوهية، كما ادُّعيت في بعض الأنبياء وغيرهم، خاصة حين يرَوْن فضائله البارزة ومعجزاته الباهرة؛ فإظهار احتياجه لله تعالى بطلب صلاته وسلامه عليه مانعٌ من ذلك.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

وغنيٌّ عن القولِ هنا؛ أنّ وسائلَ التعبير عموما تندرج تحت اللفظ والإشارة والخطّ والحال، وفي حين تطير الكلمات وتبقى الكتابة على حدّ تعبير دفين الكتب (الجاحظ)، فإنّ الفعلَ وحده هو الأقْوى أثرًا والأجْدى نفعًا والأطْول عمرًا مِن بين تلك الوسائل قاطِبة، وعلى الداعية أن يسلك كلّ دروب التعبير وفِجاجه؛ فينهل من كلّ الوسائل؛ واضعًا نصْب عينيْه أنّ الحالَ يغني عن كلِّ مقال وأنَّ عملَ رجُلٍ في ألف رجُلٍ خيْرٌ من قول ألف رجُلٍ في رجُل، وقابضًا بكلتا يديه على النصيحة الثمينة التي أسداها أبو الأعلى المودودي في ثنايا قوله: “اسمحوا لي أن أقول لكم، إنكم إذا خطوتم على طريق هذه الدعوة بعاطفة أبرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وأمهاتكم، فإنكم لابد أن تبوؤوا بالفشل الذريع”.

أمّا مِسك القول وزبدة الحديث؛ فهو ما ذكره القاضي عياض في كتابه (الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى) والذي قرّظه  أهلُ العلم بقولهم: “لولا الشِّفا لَما عُرف المصطفى”، وذلك حين قال -رحمه الله- : “الصادق في حبّ النبي -صلى الله عليه وسلم- مَن تظهر علامةُ ذلك عليه، وأوّلها الاقتداء به، واستعمال سنَّته، واتّباع أقواله وأفعاله، وامْتثال أوامره، واجْتناب نواهيه، والتأدّب بآدابه في عُسْره ويُسْره، ومَنْشَطه ومَكْرَهه”.

 

(1) الأحزاب 56

(2) التوبة 128

(3) البقرة 143

(4) الأحزاب 6

(5) آل عمران 31

(6) الكهف 110، فصلت 6

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
2 تعليقات
  1. ابو عادل يقول

    بارك الله فى الكاتب الطبيب والأديب د. منير لطفى نفع الله بعلمك الإسلام والمسلمين

  2. د. منير لطفي يقول

    جزاكم الله خيرا أبا عادل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.