منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المسجد في أوروبا | الثلاثة الأثافي (تتمة)

المسجد في أوروبا | الثلاثة الأثافي (تتمة)/ صلاح الدين المساوي

1

المسجد في أوروبا(تتمة)

الثلاثة الأثافي

بقلم: صلاح الدين المساوي

يرتكز المسجد في أوروبا عموما على ثلاثة قوائم أساسية وبها يحصل النجاح أو الفشل، بحيث يمكن للمسلمين أداء شعائرهم الدينية بكل حرية واستقلالية ، فلا وجود لوزارة الأوقاف التي تفرض طقوسها وكهنوتها على المعبد، هيمنة واستعبادا لعقول الأئمة والدعاة ، أو تخويفا وترهيبا لكل من وسوست له نفسه أن يصنع شيئا محفزا للأمة، أو يحاول إيصال صوت الكرامة والحرية،وذلك لأن الدولة تتعامل مع الديانات ككيان مستقل ،وله الحق في تنظيم نفسه بنفسه بشرط أن ينضبط للقوانين المؤطرة للجمعيات الدينية. لكن برغم توفر كل وسائل العمل من الوضوح والشفافية، تجد البعض-وماأكثرهم-ممن رضعوا لبن الفساد والاستبداد في بلدانهم الأصلية لا يروقهم سوى اقتفاء نهج أسلافهم و قيادهم المستبدين .

وهؤلاء هم قاعدة أغلب المساجد في أوروبا.

فما طبيعة هذه الثلاثة الأثافي؟ وما هو منهج عملها؟.وأين تكمن إخفاقاتها؟ وماهي التطلعات المستقبلية؟

1/ الجمعية الاسلامية أو إدارة المسجد.

يقصد بها الأعضاء المشرفين على سير المسجد والسهر على خدمته، و هم المسجلين في سجل وزارة العدل عند الدولة . أو ما يطلق عليهم ب”المسؤولين” عند عامة الناس .

  • كيف يتم اختيارهم؟وماهي مؤهلاتهم؟

بحكم تجربة خمسة عشر سنة،والاحتكاك اليومي بالميدان أقول شهادة لله ثم للتاريخ أن جل المؤسسات المسجدية في إسبانيا خصوصا وأوروبا عموما ،خاضعة للعمل في الكواليس، بحيث لا معنى للإنتخاب ولا الدمقراطية ولا الشورى ولا كل معايير التصويت والاختيار.وهذا مقصود من بعض الجهات التي لا يروقها إنتظام المسلمين، سواء من الداخل أو من الخارج !والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى ،فقد تجد أشخاصا مسلمين إلتقوا على غير ميعاد وبنية حسنة، جمعهم الحي الذي يقطنون فيه، والحاجة إلى إقامة الصلاة جماعة،و هَمُّ تعليم الأطفال إلخ …ولما فكروا وأقبلوا على تأسيس المسجد ،تدخلت بعض الجهات المحسوبة على العمل الديني بحجة المساعدة على أعمال الخير، من حيث التوجيه والإعداد،فإذا بهم أصبحوا خداما لها من حيث يدرون أو لا يدرون! وصاروا ورقة في يد غيرهم يستعملهم كيف يشاء ،ومتى يشاء، ويتدخل في مكتب المسير، وتحديد أعضائه، ولربما تغريهم ببعض الإمدادات المادية التي توزع عليهم كهبة مقدمة من بعض رموز الدين في الحكم الجبري من الخارج!.

وفي كثير من الأحيان إذا قرر أهل المسجد العمل بالاستقلالية، والخضوع لقانون الانتخاب، والتصويت، تتدخل مرة أخرى أيادي خفية ؛لتنسف القصة قبل حبكها! وذلك بإثارة التشكيك في الأعضاء المنتخَبين، أو إثارة الخوف بين الناس بدعوى أن المكتب المنتخب هو مسيس وتابع لجهة ما ،علما أنه يعمل بكل وضوح وشفافية.

وفي جميع الأحوال لا تستمر الجمعية في عملها إلا إذا كان من ورائها قوة داعمة ماديا أو إنتمائيا. أما”الدراوش” الذين لا علاقة لهم بسنة التدافع ،فسرعان ما يستسلمون ويتخلون عن حقهم بكل سهولة لصاحب مصالح، يصعب التكهن بمداها وحجمها.
أمام هذا الوضع المعقد والذي يعرف صراعا متسارعا حول الزعامة والقيادة لزمام المسلمين، ينتج عنه تأسيس جمعيات هشة وضعيفة التكوين والخبرة، بحيث تتولى تسيير المسجد بمنطق “الرئاسة” ،وليس بمقصد “الخدمة” ،وإن بينهما لفرقا؛ فالرئيس يقول بلسان حاله”لا أريكم إلا ماأرى”، فيعيث ويعبث في بيت الله كيف يشاء!!!

أما الخادم فأسلوبه ” إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني”، وهذا النوع كالكبريت الأحمر نادر جدا!!! ولهذا تجد الرئيس ومن معه يتصرفون في بيت الله كأنه إرث ورثوه أبا عن جد ! وتراهم-إذا حمي الوطيس-ينسبون كل الأعمال لأنفسهم ،ويمنون على الناس إحسانهم وعطاءهم ، وفي هذا الصدد أذكر بعض العينات على سبيل المثال لا الحصر،تشخيصا للواقع ووقوفا عند مكمن الداء ليسهل علاجه، أو على الأقل التخفيف من آثاره الجانبية:

من المبكي المضحك أن رئيسا للمسجد لما أجمعت الجماعة على إرغامه للتخلي عن المسؤولية ،-لطول عهده وكشف سوءاته-، ألحت على وجوب تقديم التقرير المالي قصد المتابعة ، قام (الرئيس)وناد في الناس -دون حياء ولا خجل- قائلا:”إن المال الذي جمعته عندي، سآخذه كمقابل على تضحياتي من أجل خدمة المسجد والجماعة! وافعلوا ماشئتم!…ثم انصرف من غير عودة!!!
-ماهذا التطاول على حرمات الله!! وما هذا الاستخفاف بالمسؤلية! “وقفوهم إنهم مسؤولون”الصافات/24.

-ومن الأمثلة المخجلة التي تكشف الغطاء وتعري الحقيقة، أن رئيسا آخر كان يبحث عن إمام، فقيل له هناك إمام حامل لكتاب الله ،ولكنه لا يتقن الخطابة، وليست له أوراق الإقامة، فطرب الرجل وطار فرحا ؛وقال هذا الذي أبحث عنه منذ زمان. !!

فيا ترى،أتدري لماذا؟لأن الامام من هذا النوع في نظره سيكون عبيدا ، يأتمر بأمره وينتهي بنهيه ،ولا يُسمع له حسا ولا ركزا.

فهل من كان هذا حاله يعول عليه في خدمة المسجد،وإعداد الخلف في تحفيظ القرآن ،وتكوين أئمة الدين للمستقبل، والحرص على بناء أمة من الرجال والنساء والشباب ليفهموا دينهم فهما سليما، ويبلغونه بأخلاقهم وسلوكهم.!!!

إنها لتحديات جمة تحتاج لمراجعة الذات ونقدها نقدا بناء مهما كلف الثمن!! . وإلا فلنتجرع الصبر ولنجتر الهوان على الدوام!

  • المؤهلات العلمية والخبرة الميدانية:

إنطلاقا من التجربة الواسعة في الميدان، وكنائب رئيس فيدرالية إسلامية في إسبانية ما يزيد عن عقد من الزمن، أقول: بأن أغلب من يسوس جماعة المسلمين في المساجد يكون مستواه الدراسي الشهادة الإبتدائية ،أو لا يعرف الكتابة والقراءة ، ونادرا ما تعثر على أحد من أهل الفن(خدمة الناس) والعلم.

وفي هذا الصدد يحضرني مثال رئيس مسجد وهو يقدم نفسه للمصلين في حملة انتخابية؛ بدا في بداية حديثه رجلا متواضعا، محبا لفعل الخير، ومن أهل الصلاح، قام مخاطبا في الناس: عليكم أن تختاروا جيدا من يخدم بيت الله، أما أنا–غفر الله لي ولكم- فالله أعلم بحالي منكم؛ لقد كنت سكيرا عربيدا، وقضيت جل عمري في الفساد والضياع ،ما كنت أعرف حتى أوقات المواسم الدينية كعيد الأضحى وعيد الفطر ، ولكن لما تاب الله علي وجئت إلى المسجد راجيا رحمة ربي وعفوه ،رآى الناس مظهري من اللباس واللحية الطويلة فظنوا بي خيرا ،ثم قدموني لأسير شؤون المسجد وأنا منه بريئ… !!! وها أنا بعد أن قضيت ما تيسر من العمر في خدمة بيت الله، أقدم استقالتي وأدعوكم لتختاروا من يقوم بتسيير شؤون المسجد.
ظن المسكين أنه ليس هناك من يتجرأ على تحمل المسؤولية ،كما تثبت التجربة دائما، فيعودون إليه يطلبونه ويتوسلون إليه ليستمر في( الرئاسة)كالمعتاد، لكن هذه المرة لم يسعفه الحظ .

لقد ظهر منافس قوي ليسحب منه البساط، ويرشح نفسه للمهمة ومن ورائه جمع غفير يشجعونه، ويدفعون به للمسؤولية…، ولما رأى ما لا طاقة له به غيّر الخطاب…، و ذكّر الناس بأن موعد الانتخابات سيؤجل إلى حين!!!! فذهب ولم يعد !! واكتفى بتوجيه البوصلة من وراء الستار!!!!…وكادت جماعة المسجد أن تهلك لولا لطف الله.!!

إنقسام فظيع بين المسلمين…بروز طائفتين متنازعتين…ذهاب ريح الجماعة المسلمة…!!!

وهذا هو حال أغلب الجمعيات ؛خصاص مهول في العلم والحكمة، وافتقار فظيع لأخلاقيات التسيير وتقنيات الإدارة.

ثم لنا وقفة مع حال الأمة الإسلامية (جماعة المسجد)،في تفكيرها وفهمها وتفاعلها مع العمل الديني في أوروبا، وكيفية ردود فعلها إذا أرادت أن تغير منكرا وقعت فيه لجنة التسيير والإدارة. أو مساهمتها عموما في إنجاح مشروع المسجد.

يتبع…

تعليق 1
  1. مصطفى النعماني يقول

    مقال جميل. اتفق معك تماما. نسال الله ان يبدل احوالنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.