منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاجتماع على ختم القرآن وإهداء ثوابه للميت

عمر أداوي

0
اشترك في النشرة البريدية

الاجتماع في بيت الميت للتعزية.

مسألة الاِجتماع في بيت الميت مع أهله، وصنع الطعام عندهم، وكذلك عمل الختمة وإهداؤها للميت، من الأمور التي نغصت مجالس عزاء. وأثارت فتنا بين الناس بدعوى البدعة، وعدم ورود الدليل على ذلك.

إنّ هذه المسألة من المسائل المندرجة في مبحث القياس عند الأصوليين. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الميت يصله خبر الفعل السيء من قريبه الحي ويَحْزَن لذلك. فمن باب أولى أن يصله خبر العمل الصالح فيفرح له، وينتفع به.

والمانعون من انتفاع الميت بشيء من عمل الحي المهدى له، مٌجْمِعون على وصول الشر للميت، وتأثره بأعمال الأحياء سلباً، إذا أوصى بذلك فقط. ومنعوا عنه ما ينفعه، فأخذوا وصول الشر عن الشارع بقوة وزادوا عليه عدم جواز فعل الخير والبر والإهداء للميت سوى الصلاة عليه والدعاء له فيها!!

فيجاب على هؤلاء بأقوال المحققين من العلماء المشهورين بالحفظ والضبط والذين تلقتهم الأمة بالقبول في كل عصر ومصر، وكذلك بنصوص السنة:
1- قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:

المزيد من المشاركات
1 من 31

الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة.

الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره.

الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة فهذا يحرم.

قلت: يريد رحمه الله نعْيَ أهل الجاهلية المنهي عنه الذي يحتوي الاِعتراض على أمر الله.

2- يشهد لجواز ذكر الميت عند الاِجتماع فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كثيراً؛ منها نعيه صلى الله عليه وسلم جعفراً وزيداً وعبد الله والنجاشي بمجمع من الصحابة عند إخبارهم بذلك. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبكي وهو يخبرهم، ويذكر لهم ما يجري في ساحة القتال. ألا يَصدٌق على ذلك بأنه مجلس ذكر للميت!

3- روى أحمد وأبو داود في سننه والنسائي في السنن: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كنا نمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بَصَر بامرأة لا نظن أنه عرفها. فإذا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: من أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ قالت: أتيت أهل هذا البيت فرحَّمْت إليهم ميتهم وعزيتهم.

قلت: ما نريده هنا هو حجية الذهاب إلى بيت الميت للتعزية لوجود من يقول بعدم الذهاب مطلقا بل يعزَّى في الميت وقت الدفن، ولا حجة له ـ

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

4- هناك رواية تشهد لجواز الاِجتماع والأكل عند أهل الميت، فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم كما روى ذلك أبو داود وأحمد والدارقطني والبيهقي عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: (خرجنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يُوصِي الحافر، يقول: أوسِعْ من قِبَل رجليه، أوسِعْ من قِبَل رأسه، فلما رجع استقبله داعِي امرأة، فأجاب، ونحن معه. فجيء بالطعام، فوَضَعَ يده، ثم وضع القوم، فأكلوا، فَفَطَنَ آباؤنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يلُوكُ لقمة في فمه. ثم قال: أجدُ لحم شاة أُخذت بغير إِذن أهلها. فأرسلت المرأة تقول: يا رسول الله، إني أرسلت إِلى النَّقِيع – وهو موضع تُباعُ فيه الغنم – لتُشْتَرى لي شاة، فلم توجد، فأرسلت إِلى جار لي قد اشترى شاة: أن يرسل بها إِليَّ بثمنها، فلم يوجد، فأرسلتُ إِلى امرأته، فأرسلتْ إِليَّ بها، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أطعمي هذا الطعام الأسْرَى ).

قلت: انظر أنكر عليها أن الشاة أخذت من غير إذن، أما الأكل، فقد هم به ووضع اللقمة في فيه.

5- روى البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه: أنهم مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيراً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت. ثم مرّوا بأخرى فأثنوا عليها شراً. فقال صلى الله عليه وسلم: وجبت. فقال عمر رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال صلى الله عليه وسلم: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة وهذا أثنيتهم عليه شراً فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض).

وهنا نسأل أليس ذكر هؤلاء الموتى كان عن اجتماع؟ بل كان دخول الميت الجنة أو النار، مترتِّب عن ذكره بالخير أو الشر في اجتماع.

6- روى ابن سعد في طبقاته وغيره، واللفظ لابن سعد: وبكت الأنصار على قتلاهم فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لكنّ حمزة لا بواكي له). فجاء نساء الأنصار الى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكين على حمزة، فدعا لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهن بالاِنصراف. فهن إلى اليوم إذا مات الميت من الأنصار بدأ النساء فبكين على حمزة ثم بكين على ميِّتهن.

وسمع النبي صلى الله عليه وسلم البكاء في بني عبد الأشهل على قتلاهم فقال صلى الله عليه وسلم: (لكنّ حمزة لا بواكي له). فسمع ذلك سعد بن معاذ فرجع إلى نساء بني عبد الأشهل فسَاقَهٌنَّ الى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبكين على حمزة فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا لهن ورَدَّهن. فلم تبكِ امرأة من الأنصار بعد ذلك الى اليوم على ميت إلا بدأت بالبكاء على حمزة، ثم بكت على ميتها. وقال الإمام الحاكم في مستدركه والواقدي كما نقل عنه ابن الأثير رحمهم الله: فلم يزلن يبدأن بالندب لحمزة حتى الآن.

7_ روي عن عائشة: أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفَرَّقن إلا أهلها وخاصَّتٌها أمرت بِبَرْمة من تَلْبينة فطٌبِخت ثم صٌنِع الثريد فصٌبَّت التلبينة عليه ثم قالت: كلن منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول التلبينة مَجَمَّة لفؤاد المريض تَذهب ببعض الحزن.
فهذا أيضاً يدل على جواز الاِجتماع للتعزية.

8-عن علي بن الحسين عن أبيه: أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة، فتصلي، وتبكي عنده.

قال الحاكم رحمه الله: هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات. وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحريا للمشاركة في الترغيب وليَعْلم الشِّحِّيح بذنبه أنها سنة مسنونة.

قلت: سبحان الله، لو أخذنا بظاهر النصوص كما فعل بعض الناس لقلنا: لزم من ذلك أن يٌعذَّب حمزة رضي الله عنه ببكاء فاطمة، رضي الله عنها. حاشا لله. صحابي جليل شهيد، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلينتبه أن لا تٌحمّل النصوص ما لا تَحْتمِل.

وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذبح الشاة فيتتبع بها صديقات خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم لم يخرجاه. وقال الذهبي قي التلخيص: صحيح على شرط مسلم.

الاِجتماع في بيت الميت وعمل الختمة فيه.

ذكرنا ماورد في الاجتماع في بيت الميت، وأوردنا في موضع آخر أن الميت ينتفع بقراءة الحي، إذا أهداها له. فلا ضير إذن أن يجتمع الملأ ويقرؤون القرآن ويهدونه للميت، ويصنعون له الطعام. لما ذكرنا من فعل الصحابة بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير إنكار منه.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.