منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ)

اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)[1]

هذه الآية نزلت لفرض الجهاد في سبيل الله على المسلمين، بعد أن كثر عددهم واشتد عضدهم، وذلك لكف شر الأعداء عن حوزة الإسلام. فالقتال في سبيل الله فريضة شاقة وثقيلة على النفوس لما فيها من بذل المال والجهد وخطر هلاك النفس، وهذا إحساس فطري بالنسبة للإنسان، كما بينه الحق سبحانه بقوله “وهو كره لكم“، أي شاق عليكم، ولكن ما يهون كل تلك الأحاسيس التي يشعر بها المؤمن هو وعد الله بأن فيه الخير والنفع للأمة جمعاء، لأن في القتال إما الظفر والغنيمة، أو الشهادة والأجر. كما أن العكس صحيح أي “وعسى أن تحبوا شيئا…”، والإشارة هنا إلى حب عدم القتال ففيه شر لكم لأن فيه الذل والمهانة والحرمان من الأجر[2].

قال ابن عاشور: “وهذا الكلام تلطف من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين، وإن كان سبحانه غنيا عن البيان والتعليل، لأنه يأمر فيطاع، ولكن في بيان الحكمة تخفيفا من مشقة التكليف، وفيه تعويد المسلمين بتلقي الشريعة معللة مذللة، فأشار إلى أن حكمة التكليف تعتمد المصالح ودرء المفاسد، ولا تعتمد ملاءمة الطبع ومنافرته، إذ يكره الطبع شيئا وفيه نفعه وقد يحب شيئا وفيه هلاكه، وذلك باعتبار العواقب والغايات، فإن الشيء قد يكون لذيذا ملائما ولكن ارتكابه يفضي إلى الهلاك، وقد يكون كريها منافرا وفي ارتكابه صلاح.”[3]

المزيد من المشاركات
1 من 2

 وهذا أمر عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئا وتميل إليه نفسه، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، فالإنسان لا يدري أين يكون الخير وأين يكون الشر، وعندما يتأمل كل إنسان تجاربه وحياته الخاصة يجد مكروهات كثيرة كان من ورائها خير كثير، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم، وكم من مطلوب كاد الانسان يذهب نفسه حسرات على فوته، ثم تبين له بعد أنه كان إنقاذا من الله أن فوت عليه هذا المطلوب في حينه، وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثا يكاد يتقطع لفظاعتها، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل[4] ، فالنفس الإنسانية ضعيفة قاصرة وجاهلة كما وصفها الله عز وجل في مواضع مختلفة وذلك بقوله “وخلق الانسان ضعيفا[5]، وقوله عز من قائل: “وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا[6]

القلب البشري مرتبط بالعالم المحدود الذي تبصره عيناه، واختيار الأسهل وكراهية الشدائد نزعة فطرية في الإنسان. والإيمان وحده دون تربية جهادية تجعل الإنسان ميالا إلى الاستكانة والخمول، وبالتالي يخطئ الصواب في الاختيار، لكن إحقاق الحق وإبطال الباطل يتطلب أن تكون إرادة الإنسان وعزيمته مطابقة لإرادة الله سبحانه وتعالى مهما كانت العقبات التي تعترضه، فالإنسان المؤمن يعمل ويرجو ويطمع ويخاف، ولكن يرد الأمر كله لله عز وجل برضى وطمأنينة مستيقنا أن الخير فيما اختاره الله العليم الحكيم.

وتختم الآية بعلم الله الذي لا علم بعده: “والله يعلم وأنتم لا تعلمون” “فالله يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما، لأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه والناس يشتبه عليهم العلم، فيظنون الملائم نافعا، والمنافر ضارا. والمقصد من هذا تعليم المسلمين تلقي أمر الله تعالى باعتقاده أنه الصلاح والخير، وأن ما لم تتبين لنا صفته من الأفعال المكلف بها نوقن بأن فيه صفة مناسبة لحكم الشرع فيه، فنطلبها بقدر الإمكان عسى أن ندركها”[7].


 سورة البقرة الآية 216[1]

 ينظر صفوة التفاسير، الصابوني، ج1، ص [2]

 ابن عاشور، التحرير والتنويرن، ج2، ص321- 322.[3]

ينظر سيد قطب، في ظلال القرآن، ج1، ص[4]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

 سورة النساء، الآية 28.[5]

 سورة الأحزاب،الآية 72[6]

 ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج2،ص 323[7]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.