منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقامات الخطاب المنبري

المقالة الأولى: مفهوم مقام الخطاب

0

يمثل التأثير وجدوى الخطاب رأس أولويات الخطيب، ولذلك يحشد لذلك الغرض كل ما استطاع من وسائل الحجاج والإقناع حتى يأخذ خطابه مكانا في قلوب وعقول وسلوك المخاطبين، لا سيما إذا تعلق الأمر بالخطاب الشرعي الذي أنيطت مهمة تبليغه بالخطيب، ولا شك أن المستوى العلمي للخطيب، وتجربته في الميدان، وأسلوبه اللغوي وحركات جسمه ونظراته وهندامه، وما يحمله من هم دعوي له بالغ الأثر في تبليغ الخطاب لأكبر عدد من المخاطبين، غير أن هناك جانبا آخر لا يقل أهمية عن هذه الجوانب كلها، يمكن أن يعرض الخطاب للفشل إن لم ينتبه له الخطيب، هذا الجانب هو مقام الخطاب، ذلك أن الخطيب لا يستقل كلية باختيار موضوعه وأسلوبه وأهداف الخطاب، بل إن المقام عامل مؤثر في اختيار الموضوع، واختيار الأسلوب، ومهما حاول الخطيب تجاهل المقام فخطابه إما فاشل لا يؤدي رسالة، وإما مثير لمشاكل بدلا من أن يعالجها.

والمقصود بمقام الخطاب مجموع الظروف والأجواء الزمانية والمكانية الشخصية والموضوعية المحيطة بالخطاب، وعرفه بعض العلماء قائلا: “ومقامات الكلام الأمور المقتضية لاعتبار خصوصية ما في الكلام.. وإذا اختلفت المقامات لزم اختلاف مقتضيات الأحوال، لأن اختلاف الأسباب في الاقتضاء يوجب اختلاف المسببات”[1] فالخطاب يأخذ أبعادا متعددة حسب الزمان والمكان والمناسبة وحسب أنواع المخاطبين. ولكي يتضح المقصود بمقام الخطاب نقول: إن المتكلم عموما خطيبا أو غيره يجب أن يسأل نفسه: بأي صفة يتحدث؟ ما الذي ينتظر منه المتلقي؟ إذا أحسن المتكلم الإجابة عن هذا السؤال سهل عليه أن يستوعب متطلبات المقام، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو قدوة كل من يتكلم في أمر شرعي، يتكلم بمقامات مختلفة، وإن شئت قلت بصفات مختلفة، فتارة يتحدث بصفته مفتيا وتارة بصفته قاضيا وتارة بصفته واعظا وتارة بصفته زوجا..الخ. قال الإمام القرافي رحمه الله: “اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم.. فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته.. ثم تقع تصرفاته صلى الله عليه وسلم: منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعا، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه، لتردده بين رتبتين فصاعدا.. ثم تصرفاته صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة”[2].

فالمتكلم لا يتكلم حتى يعرف الصفة التي يتكلم بها، لأن فهم هذه الصفة معين على التركيز على الكلام المناسب للمقام، وعلى سبيل المثال: عندما تزدحم بعض الممرات بالسيارات والدراجات، ويتجاوز الناس القانون، فالذين يقفون أمام هذا المشهد سيختلف خطابهم باختلاف صفاتهم، فعموم الناس يجدون أنفسهم مطالبين بحث الناس على احترام القانون، والتوسل للبعض بالانتظار ليمر الآخرون وهكذا بأسلوب لين، وعندما يعارضهم أحد لا يتجاوزون حدود التوعية والتحذير من خطورة المخالفة لقوانين السير، لكن لو حضر الشرطي أو رجل السلطة فإن خطابه سيختلف، سيعمد إلى إصدار الأوامر بدل التوسل، وحينما يتجاهله البعض سيهدده بالاعتقال بدل توعيته وحثه على الامتثال، هذا هو الوضع الطبيعي عندما يفهم كل متكلم مقام خطابه، ولكن لو أن أحدنا تدخل في مثل هذه الحادثة وأخذ يهدد الناس، ويحاول أن يفرض عليهم رأيه، فإنه يثير غضب الناس أكثر، وسيوصف بالعنجهية والاستعلاء، وبعض الناس سيبالغون في المخالفة تحديا له، لأنه لم يحترم المقام الذي هو فيه، والعكس صحيح أيضا بالنسبة للشرطي الذي ينتظر منه الناس تطبيق القانون حين يلجأ إلى مجرد التوسل دون أن يقوم بما يلزم لمنع الفوضى، فتحصل أن عدم مراعاة متطلبات المقام يحول الخطاب إلى لغو، وربما انعكس مقصود الخطاب فأفسد من حيث يقصد صاحبه الإصلاح.

ومن الأخطاء الشائعة في خطابنا الشرعي لجوء بعض الخطباء والوعاظ إلى اقتحام أبواب الفتوى في مقام الوعظ، واقتحام مقام القضاء في مقام الفتوى، أو اقتحام مقام السلطان في مقام القضاء وهكذا. ويحضرني هذا المثال: شيخ من المشايخ المشهورين على الفضائيات تتصل به امرأة تشكوا له: أن زوجها اتهمها بسرقة مال، فأجاب الشيخ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “البينة على المدعي واليمين على من أنكر”. فالخطأ هنا ليس لأن الحديث لا يصح، ولا لأن الزوج مدع والمرأة منكرة، ولكن الخطأ أن الشيخ لم يحترم مقام خطابه، لأن ما أجاب به لن يفيد المرأة في شيء، فإن الذي يستعمل قاعدة “البينة على المدعي واليمين على من أنكر” هو القاضي، بعد أن يحضر الطرفان ويتأكد من وجاهة الدعوى، ويستقصي وجود البينة، ثم يحكم باستحقاق المدعي ما ادعاه إذا نكل المدعى عليه عن أداء اليمين، أما الشيخ فيس بقاض إنما يخاط والمرأة لو أرادت حكم القضاء لتوجهت إليه، وإنما تريد توجيها تربويا يخفف عنها ما تحس به صدمة تجاه زوجها الذي اتهمها بالسرقة، فجواب الشيخ في هذه النازلة عبث بعيد عن مقام الوعظ    والإرشاد.

ولا تقتصر أهمية فهم مقام الخطاب على حسن اختيار الخطاب، بل أيضا يساعد على حسن فهم الخطاب، فكل خطاب لا يفهم المقام الذي صدر فيه يتعرض للتحريف في الفهم. فلو سمعت عن رجل خاطب امرأة: يا حبيبتي. ستذهب بك الظنون كل مذهب، ولكن حين تعرف أن الرجل والد المرأة أو أخوها أو أبنها أو زوجها سيذهب العجب، أو تخف حدته على الأقل.

المزيد من المشاركات
1 من 69

لذا يحسن بالخطيب قبل أن يتحدث سواء في خطبة الجمعة أو في درس وعظي في المسجد أو في مكان آخر، أن يستحضر ما الذي يناسب أن يسمعه منه المخاطب، فإذا افترضنا مثلا أن نزاعا في الحي الذي يخطب فيه الإمام أدى لمقتل شخص، فيجب أن نعرف أن خطاب أهل الضحية ومؤيديه سيختلف عن خطاب أهل الجاني ومؤيديه، وسيختلف أيضا خطاب الشهود الذين لا يرتبطون بأحد الطرفين، ويختلف خطاب المسؤولين الذين يحضرون المكان، فإذا شاء الإمام أن يتطرق لهذه الحادثة فيجب أن يتوخى الحذر وأن يقول ما لم يقله أحد، فلا يتحدث باسم الضحية فيكون محرضا، ولا باسم الجاني فيكون شامتا، ولا باسم الشهود فيكون سلبيا، ولا باسم القاضي فيكون طاغيا، ولكن يأخذ القضية في عمومها ويستبعد العناصر المثيرة للغضب، ويتجه لدفع الجاني نحو التوبة، ودفع أهل الضحية للعفو، ويتخذ من الحادثة مثالا لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات في المستقبل، فإذا لم يتأكد الخطيب من قدرته على تناول الموضوع دون انزلاق عن المقام المناسب لخطابه فالأولى له ترك الخوض في الموضوع واختيار موضوع آخر. ولا يأخذ نفسه بضرورة التحدث في كل شيء بغض النظر عن قدرته على التعامل معه من مقامه المناسب أم لا. ولكي يتضح المقام أكثر سنتناول عناصر المقام، وإطارات الخطاب التي يجب على الخطيب مراعاتها لينتج خطابا مؤثرا تأثيرا إيجابيا.


[1] خصوصيات المقام في الخطاب عند القدماء في ضوء الدراسات الحديثة، فاتح زيوان مجلة البحوث والدراسات عدد23. نقلا عن الدسوقي في حاشيته على السعد.

[2]أنوار البروق في أنواء الفروق. شهاب الدين القرافي طبعة دار إحياء الكتب المصرية. من منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. 2010م 1/206. ويراجع في هذا الموضوع بحث الماجستير القيم للدكتور سعد الدين العثماني “تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة الدلالات المنهجية والتشريعية” منشورات الزمن 2002م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.