منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحب في البيت النبوي

اشترك في النشرة البريدية

التزويج مسؤولية، واختيار. وهو أيضا فضيلة ندب إليها الشرع. “النكاح سُنَّتي فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي”. حديث نبوي رواه أبو يَعْلَى بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما. “يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءَة (النكاح) فليتزوج، فإنه أغَضّ للبصر وأحصن للفرج”. حديث نبوي متفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

في كتاب النكاح عند الإمام البخاري رحمه الله “باب عرض المرأة نفسَها على الرجل الصالح”. ذكر فيه خبر المرأة التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض عليه نفسها. قالت: “يا رسول الله! ألَكَ بي حاجة؟”. روى هذا الحديث أنس بن مالك بعد زمان النبوَّة، فسمعته ابنة له نشأت في جو آخرَ غير جوِّ المدينة في عهدها الزاهر، فقالت: “ما أقلَّ حياءها! واسوأتاه!” فقال أنس رضي الله عنه لابنته: “هي خير منكِ! رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم فعرضت عليه نفسها”.

ما أسْرَع ما ساد العُرفُ فأنكر الناس السنة! بعد جيل واحد صاحت البنت واسوأتاه! فِراراً من السنة. فكيف ونحن عن ذلك العهد عشراتُ أجيال!

سنة عرض البنت والأخت على أهل الخير

بعد هذا الباب باب عنوانه “باب عرض الإنسان ابْنته أو أخته على أهل الخير”. ذكر فيه المحدث الفقيه البخاريُّ كيف عرضَ عمر بن الخطاب ابنته حفصَة على عثمان ثم على أبي بكر فامتَنعا، حتى خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبحت إحدى أمهات المومنين. سبقت لها بذلك السعادة. قال أبو بكر بعد ذلك لعمر: “فإنه لم يمنعني أن أرجِعَ إليك فيما عرضتَ عليَّ إلا أنِّي كنت علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها. فلم أكُن لأُفشِيَ سِرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبِلتُها”.

 

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث للشيخين وغيرهما أن نخرج لصلاة العيدين حتى النساء الحيض والعواتق وذوات الخدور. قالت أم عطية: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب (فلا تستطيع الخروج). قال صلى الله عليه وسلم: لتلبسها أختها من جلبابها.  نَصّ الحديث على خروج العواتق من الخُدور. وهن الفتيات الـمَصونات، يخرجن ذلك اليومَ، وتخرج الحُيّض. ما لبث العُرف بعد عهد النبوة أن زحف، فأمسك الناس عواتقهم عن الخروج، حتى صححت أم عطية الصحابية المسار، فأخبرت الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج العواتق من الخدور. روى ذلك البخاري، وعلق عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله قال: “العواتق جمع عاتق. وهي من بلغت الحلم أو قاربت أو استحقت التزويج”. وقال: “كانوا يمنعون العواتق من الخروج لِما حدث بعد العصر الأول من فساد. ولم تلاحظ الصحابية (أم عطية) ذلك، بل رأت استمرار الحكم على ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم”.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة”. رواه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو. المتاع انتِفاعٌ إلى مدة. هو صحبة بين الزوجين يمتد زمنها ما امتدَّ الوفاء بعقد الميثاق الغليظ وشرطيه: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ)(البقرة، الآية: 227).

 

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “إني أصيبُ امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد. أفأتزوجها؟ قال: لا! ثم أتاه الثانية فنهاه. ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الوَدود الولود، فإِني مكاثِر بكم الأمم”[1].

وروى البخاري في بابه هذا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأمَرَ. ولا تنكح البِكرُ حتى تستأذن”. قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال: “أن تسكت”. وسألته أمنا عائشة قائلة: يا رسول الله! إن البِكر تستَحي! قال: “رضاها صَمتُها”.  في الباب بعده قال البخاري: “باب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود”. وروى حديث خنساءَ بنْتِ خِدام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيِّبٌ فكرهت ذلك. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرَد نكاحها.

هي تختار إذاً وترضى، وتسكت أو تحتج. روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها أن فتاة دخلت فقالت: “إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خَسِيسَته (ليكسِبَ مكانة اجتماعية) وأنا كارهة. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها. فقالت: يا رسول الله! قد أجزتُ ما صنع أبي ولكن أرَدتُ أن أُعْلِمَ الناس أن ليس للآباء من الأمر شيء”.

 

خيار الأزواج

عند البخاري “باب ما يُكْره من ضرب النساء” روى فيه عن عبد الله بنِ زَمْعَة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لاَ يجْلِدْ أحدُكم امرأته جلْدَ العَبْد ثم يجامعَها في آخر اليوم”. وجاء النهي عن ضرب النساء مطلقاً. جاءت السنة لتُبيّن للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتقون. نِطاق الشريعة واسِع ليحافظ الناس على بِنْية الزواج ما أمكن، وحتى مَشارِفِ النهاية. وحتى في الحالات الاستثنائية المَرَضِيَّةِ.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 9

لكن السنة الفعلية من مثاله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه، ومن هديه وتوجيهه ووصيته، هي العافية لا المرض، هي الصحة لا العاهة. روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تضربوا إماء الله. فجاء عُمَرُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذَئِرْنَ النساءُ (نشزن واجترأنَ وثُرْن) على أزواجهن. فرخَّصَ في ضربهن. فأَطاف (أحاط) بآلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثيرٌ يشكون أزواجهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن. ليس أولئك بخياركم”.

الحديث صحيح، صححه الحافظ ابن حجر. والحادثة تعليمية عالجت فيها الحكمة النبوية مشكلا عاناه المهاجرون الذين كانوا يحكمُون في مكة نساءهم ويشتدون عليهن، فلما ائتلف المجتمع الإسلامي تعلمت المهاجرات من الأنصاريات رِقة في المعاملة لا تعرفها قريش.

خيار الأزواج ما تشَبَّه برسول الله صلى الله عليه وسلم. روى مسلم وأبو داود عن عائشة أنها قالت: “ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قطُّ بيده، ولا امرأةً، ولا خادِما. إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نِيلَ منه شيء قط فينْتَقِمَ من صاحبه، إلا أن يُنتَهَكَ شيء من محارم الله فيَنتَقِمَ”.

خيار الأزواج مَن اهتدى بهديه صلى الله عليه وسلم القائل: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”. الحديث رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها بسند حسن صحيح. خيار الأزواج من عمل بوصيته صلى الله عليه وسلم وهو يوضّح ويبين ما في الضِّلَعِ من عِوَج يقابله استواء، وما في الرجل من خُلُقٍ حسن إن هو قابل بين المحاسن والأخطاء ووازن. قال صلى الله عليه وسلم فيما روى مسلم عن أبي هريرة. “لا يَفْرَكْ مومن مومنة (لا يُبغضها): إن كرِه منها خلُقاً رضي منها آخر”.

ولتلافي كل ما يدحرج مركبة الزواج في المنحدر شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم النكيرَ على من صبّ الزيت على النار ليفسد ما بين الزوجين. روى أبو داود عن أبي هريرة بسند حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال: “من خَبّبَ زوجة امرئ أو مملوكة فليس منا”. خبب: أي أفسَد. بأي وجه كان الإفساد. قال العلامة المُناوي يحكي قول أحد مشايخه: “ومن ذلك ما لو جاءته امرأة غضبانة من زوجها ليُصلح بينهما مثلا، فيبسُط لها في الطعام ويزيد في النفقة والإكرام ولو إكراما لزوجها. فربما مالَت لغيره وازدرتْ ما عنده، فيدخل في هذا الحديث. ومَقام العارف أن يؤاخذ نفسَه باللازم وإن لم يَقصده. قال: وقد فعَلتُ هذا الخلُقَ مرارا، فأُضَيِّقُ على المرأة الغضبانة وأوصي عيالي أن يجوِّعوها لترجِعَ وتعْرفَ حق نِعمة زوجها”.

 

صحبة الوالدين

وصية القرآن ذكرت الوالدين وفريضة الإحسان إليهما إجمالا، ثم فصّلَت وذكَّرت وأطْنبت في الأم ترجيحا لحقها وتقديما. وكذلك رجح وفصَّل وقدر المعلم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة الذي رواه الشيخان، قال: “جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله! مَنْ أحقّ الناس بحسْنِ صحابتي؟ قال: أمُّك. قال: ثم مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثم مَن؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك”.

أمر صلى الله عليه وسلم ببِر الوالدين ولو مشركين. ذلك رعايةً لحبْل الفطرة من جانب المسلم والمسلمة وإن كان الأبوان كفرا بوظيفتهما الفطرية وجهلاَها وعقّاها: ألا وهي مَنْح الذرية أمانة الإيمان بالله مصحوبة بأداء أمانة الإنجاب والإرضاع والتغذية وتربية الجسوم. روى الشيخان وأبو داود عن أسماءَ بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: “قَدِمَتْ عليَّ أمِّي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: قدِمَتْ عليَّ أمِّي وهي راغبة (طامعة في عطاء ولم تجئ مسلمة مهاجرة)، أفأصِل أمي؟ قال: نعم، صِلِي أمَّكِ”.

يُبَرّ بالأم وتوصَلُ مشركة. ويُبَر بها بعد موتها كما كان يبر بها في حياتها. روى مسلم والترمذي وأبو داود عن بُريْدَة بنِ الحصيب رضي الله عنه قال: “بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت. فقال: وجبَ أجرُكِ، ورَدّها عليكِ الميراثُ. قالت: يا رسول الله! إنها كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها. قالت: إنها لم تحُجَّ، أفأحُج عنها؟ قال: حُجي عنها”.

كما أوصى الله بالأمهات إحسانا، توعَّد من عقهن، وقَرن بين حرامَين كبيرين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله حرّم عليكم عقوق الأمهات، ووَأد البنات، وَمنعاً وهات. وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال”. رواه الشيخان عن المغيرة بن شعبة. حرامان متوازيان عقوق الأمهات قتل لآمالهن كما هو وأد البنات إقبار لأجسادهن. وفي الحديث تغطية كاملة لـحُرمة المرأة من لَدُنْ ولادتها إلى كبر سنها.

ولَهِيَ عند الكِبَر أحوج إلى العطف والرحمة والبر. لذلك نص الله سبحانه على بر الوالدين في الكبر فقال: )إما يبلُغَنَّ عندك الكِبَرَ أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما. وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذُّلِّ من الرحمة. وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا(.(سورة الإسراء، الآيتان: 23-24)

ونجد في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، والمثَل الرائع والمِثال في البِرّ بالوالدين. مات والده صلى الله عليه وسلم قبل ولادته، وماتت أمه وهو ابن ست سنوات. فحضنته بعد حليمة السعدية أم أيمن الحبشية. حاضِنة تولت من شؤون الأمومة أيْسَرَها، فاستحقت من البَرّ الكامل صلى الله عليه وسلم أتَمَّ الإحسان. أيّ إدْلالٍ كان لك على رسول الله يا أمة الله يا أم أيمن! روى مسلم عن أنسٍ رضي الله عنه قال: “انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيْمَن، فانطلقتُ معه. فناولته إناءً فيه شراب. قال: فلا أدري أصادفته صائما أم لم يُرِدْهُ. فجعلت تصخَبُ عليه (تصيح عليه) وتذَمَّرُ منه (تتَكره من رفضه لشرابها)”. أم أيمن وما أدراكُنَّ ما أم أيمن؟ هاجرت من مكة إلى المدينة مسافة أكثر من 500 كيلومتر وحدها، في حَرِّ الجزيرة العربية، على قدميها. كما روى ذلك ابن هشام، رضي الله عنها.

في حديث مُرسل عند أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما، فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه، فقعد عليه. ثم أقبلت أمه من الرضاعة (حليمة)، فوضع لها شِقّ ثوبه من الجانب الآخر، فجلست عليه. ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأجْلسه بين يديه.

ونَشَر رسول الله صلى الله عليه وسلم الوصية وبسطها لتشمل الأم وأقرباء الأم والأب وأصدقاء الأب. تَبَرهم المومنة بعد موت الوالدين. جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله! إني أصبْت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ فقال هل لك من أم؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة؟ قال: نعم. قال: فبرَّها”. رواه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنها. لا إله إلا الله، بِرٌّ يمحو الذنوب العظام. فالحمد لله رب العالمين[2].

 

حديث أم زرع

إن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لنا أكثر من موقف؛ بل حياته الكريمة كلها مليئة بهذا النموذج العطوف، فقد كان يعامل النساء معاملة في غاية الرفق وفي غاية الرفعة، وقد أوصانا عليه الصلاة والسلام بالنساء فقال:     ” رفقاً بالقوارير “، وحديثنا ليس عن الحد الأدنى أو ارتكاب أخف الضررين في العلاقة الزوجية إنما نحن نريد أن نرتق بهذه العلاقة إلى ما هو أسعد وأفضل، ونضرب المثل الأعلى بالإحسان والحب، وكما سيظهر من خلال فوائد هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أفضل زوج على وجه الأرض على الإطلاق.

روى الإمام البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، (باب السمر مع الأهل)، ورواه الإمام مسلم في كتاب الفضائل من صحيحه، وكذلك رواه الإمام النسائي في كتاب عشرة النساء، ورواه غيرهم الكثيرون، بنفس الصيغة أو بزيادات أو بأقل منها.     قالت عائشة رضي الله عنها وهي تقص على النبي عليه الصلاة والسلام حكاية : ( جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً، قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى. وقالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف ألا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره.
وقالت الثالثة: زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق.
وقالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سآمة.
وقالت الخامسة: زوجي إذا دخل فَهِد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد.
وقالت السادسة: زوجي إذا أكل لف، وإذا شرب اشتف، وإذا اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث.
وقالت السابعة: زوجي عيايا أو غيايا، طباقا، كل داء له داء، شجك أو فلك أو جمع كلاً لك.
وقالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب.
وقالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد.
وقالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك! مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك.
وقالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع ! أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلي نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقمح.
أم أبي زرع ! فما أم أبي زرع عكومها رداح، وبيتها فساح.
ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع ! مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة.
بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع ! طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها.
جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع ! لا تبث حديثنا تبثيثاً، ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً، ولا تملأ بيتنا تعشيشاً.
قالت: فخرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلاً ثرياً، ركب سرياً، وأخذ خطياً، وأراح علي نعماً ثرياً، وأعطاني من كل رائحة زوجاً، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك، قالت: فلو أني جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـ عائشة رضي الله عنها: كنت لك كـأبي زرع لأم زرع ).
وفي رواية النسائي قال لها: ( ولكني لا أطلقك )، هذه الزيادة وردت عند الإمام النسائي .
هذا حديث ألفاظه قوية جزلة، وقد كانت عائشة رضي الله عنها من أفصح الناس، ولها خطبة في الدفاع عن أبيها أبي بكر الصديق في غاية الروعة، شرحها أبو بكر ابن الأنباري في جزء مفرد، فـ عائشة رضي الله عنها تحكي هذه الحكاية الطويلة والرسول عليه الصلاة والسلام الموصول بالله عز وجل، والذي يحمل أعباء الدين كله، جالس يسمع ويعطي أذنه لها، ثم يعقب على هذا الحديث بأن يختار أفضل رجل ضرب به المثل في هذا الحديث، فيقول لها: ( كنت لك كأبي زرع لأم زرع)[3].

يتضمن هذا الحديث كلمات قد  لا تفهم البتة أو تفهم بصعوبة إن لم يعتمد القارئ معجما، لذلك نحيل على أحد الكتب التي تناولت الحديث بالشرح والتفصيل بعنوان: درّة الضرع لحديث أم زرع للمؤلف: محمد بن عبد الكريم بن الفضل الرافعي القزويني (580هـ).

– أخرجه أبو داود والنسائي عن معقِل بن يَسار رضي الله عنه. [1]

– الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، كتاب تنوير المؤمنات، بتصرف.[2]

– محمد بن عبد الكريم بن الفضل الرافعي القزويني، درة الضرع لحديث أم زرع، دار ابن حزم.[3]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.