منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سؤال العلاقات البيداغوجية في ضوء النموذج البيداغوجي الجديد رصد للعلاقات وبحث عن الإضافات

ذ. عبد الرزاق الفراوزي

0

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية” يمكن تحميله من هذا الرابط

ملخص

هدفنا في هذه الورقة، إلى بيان أهمية العلاقات البيداغوجية الحية في الميدان التربوي، ودورها في الرفع من الخدمات التربوية وتجويدها، مركزين على أهميتها في تكوين المتعلم المتشبع بقيم الحرية والديموقراطية والعيش المشترك، وقد انتهجنا منهجا وصفيا وتحليليا، وقفنا من خلاله، على مفهوم العلاقات البيداغوجية كما وردت في الأدبيات التربوية، ونظرنا في أصنافها، وعرجنا على أهم القضايا التي تطرحها، تلك، العلاقات البيداغوجية في ضوء موجهات مدرسة الألفية الثالثة.

كما هدفنا إلى تبين مفهوم النموذج البيداغوجي، ورصدنا رؤيته لطبيعة العلاقات البيداغوجية التي رسمها، وحددنا تصوره للمدرسة الجديدة ومجتمع المعرفة، كما أشرنا إلى أهم الإضافات التي أثرى بها الشأن التربوي والبيداغوجي، ووقفنا على مدى قدرة هذا التصور في التأسيس لعلاقات حية تسهم في تجويد خدمات مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. باستحضار الوثائق الرسمية المغربية (الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، القانون الإطار17-51.

الكلمات المفاتيح: البيداغوجيا- العلاقات البيداغوجية- النموذج البيداغوجي الجديد- مجتمع المعرفة- المدرسة الجديدة.

المزيد من المشاركات
1 من 37

استهلال

تفرض مقولة: “الإنسان كائن اجتماعي”[1]، على الفرد، الدخول في علاقات اجتماعية مع الآخرين، تسمح له بتقاسم المشتركات في إطار من التفاعلات البينية، وتدعوه لممارسة أنشطته العامة وفق مقتضيات الحياة المشتركة؛ القائمة على تبادل المنافع ومجابهة الأضرار، ضمن إطار التفاهم والتحاور واحترام الآخر…

بيد أن العلاقات الاجتماعية، عبر التاريخ، قد عرفت مداً وجزراً أنتج تعايشا في محطات، كما أفرز حروباً ودماراً في محطات أخرى. وهو أمر أنتجته مؤسسات المجتمع؛ السياسية والاقتصادية والدينية والتربوية…وغيرها، بما في ذلك المدرسة، التي توجد في صلب المؤسسات الحاضنة لفلسفة المجتمع، والبانية للقيم والمؤسسة للمواقف، والمنتجة للرؤى والتصورات التي تسهم بشكل كبير في رسم طبيعة العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد ومع باقي المجتمعات.

وتعيش المدرسة، في السياق العالمي المعاصر، على إيقاع تغييرات بنيوية عميقة مست مختلف الأبعاد المعرفية والتربوية والبيداغوجية، نتج عنها بروز تصورات جديدة للنموذج البيداغوجي، فاستتبعها تطوير في طرائق اشتغال تتناسب وفلسفة التعليم الكوني، وتجيب على رهانات مجتمع المعرفة[2]، وتستجيب لمقتضيات المجتمع الرقمي، فتولد عن ذلك نمط تعلمي جديد يعتمد التكنولوجيا الحديثة وسيلة إضافية للتواصل البيداغوجي، ورؤية جديدة لإنتاج المعرفة وتوطينها وتوظيفها.

إنّ هذا الانتقال، سيفرض، لزوماً، بناء علاقات بيداغوجية جديدة ترتكز على نظريات تعلمية تأخذ بعين الاعتبار أهمية التواصل بشكل عام، والتواصل عن بعد بشكل خاص، وهو الأمر الذي سيدعو إلى تبني ممارسة بيداغوجية منفتحة وناجعة، وإلى إعادة تفكيك مكونات طرفي العملية التعليمية – التعلمية، والنظر في آليات تفاعلهما، وتحديد البنيات المفهومية للبيداغوجيا وللديداكتيك وللتعليم وللتعلم وغيرها من المفاهيم التربوية، وسيطرح أسئلة كبرى تسائل المدرسة وأدوات اشتغالها وعلاقاتها بالمحيط بكل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. كما تسائل المدرس ومدى احترامه لمركزية المتعلم ومحوريته في الفعل التعليمي-التعلمي، وتطرح على المتعلم أفقا تواصلياً جديداً؛ ينطلق من حاجاته ويراعي ميولاته، ويستحضر خصوصياته وبنياته النفسية والاجتماعية.

بناء على هذا التوجيه النظري، سنرصد، في هذه الورقة، طبيعة العلاقات البيداغوجية التي رسمها النموذج البيداغوجي الجديد، وننظر في أهم الإضافات التي أثرى بها الشأن التربوي والبيداغوجي، ونقف على مدى قدرة هذا التصور في التأسيس لعلاقات حية تسهم في تجويد خدمات مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء.

ولذلك سننطلق من الإشكالية الآتية:

ما مدى حضور مفهوم العلاقة البيداغوجية الحية في أطروحة النموذج البيداغوجي الجديد؟ وأي دور للنموذج البيداغوجي في رسم معالم علاقات بيداغوجية قائمة على البعد الإنساني؟

تترتب عن هذه الإشكالية المحورية، جملة من التساؤلات الفرعية:

ما معنى الحديث، اليوم، عن العلاقات البيداغوجية؟ هل الأمر، أضحى، يستدعي ترسيم هذه العلاقات، وتحديد حدودها، وضبط مساراتها، في زمن عولمي تغيرت معه الرؤى للعلاقات الإنسانية؟ وكيف يمكننا أن نبني علاقات بيداغوجية حية، بتعبير الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مستمدة من النموذج البيداغوجي الجديد؟ وكيف يمكن للعلاقات البيداغوجية الحية أن تحقق طموحات المدرسة الجديدة؟

حيثيات المفاهيم وإشكالاتها

يقتضي التأسيس المنهجي للبحث العلمي، الوقوف عند بنيات المفاهيم المؤسسة، وتحديد مرجعياتها الفلسفية، وتبيّن أسسها العلمية، وتعرُّف مبادئها الموجِّهة، وتتَبُّعاً مستمراً لمسارات تشكلها، ومحطات تبلورها وتطورها.

بناء على هذه المرتكزات، سنقف، في البدء، عند مفهوم النموذج البيداغوجي، وبعدها سنقارب سؤال العلاقات البيداغوجية في الميدان التربوي وأهم القضايا التي تطرحها في ضوء موجهات النموذج البيداغوجي الجديد، وسنحرص على تحديد البنيات المفهومية لمصطلح العلاقات البيداغوجية، ثم سنقوم برصد ملامح  هذه العلاقات وأفقها الإنساني كما جسدها النموذج البيداغوجي الجديد، وسنقف عند رؤاه حول المدرسة الجديدة ومجتمع المعرفة، باستحضار الوثائق الرسمية المغربية (الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية (2015-2030)، القانون الإطار(51.17)، كما سنقف عند أهمية العلاقات البيداغوجية في بناء المدرسة الجديدة القائمة على فلسفة العيش المشترك والتفكير النقدي والإبداعي، مستعرضين مركزيتها في تطوير مجتمع المعرفة. منطلقنا في ذلك، اعتبار التواصل الإيجابي هو البوابة لبناء الإنسان ولربح رهانات مدرسة الألفية الثالثة.

تعريف النموذج البيداغوجي

يدل مصطلح النموذج، في المعاجم اللغوية، على دلالة الاقتداء والاتباع، إنّه “مثال يقتدى به، أو مثال يعمل عليه الشيء”[3]، ويشير مصطلح البيداغوجيا إلى “ما له ارتباط بالعلاقة القائمة بين مدرس وتلميذ بغرض تعليم أو تربية الطفل أو الراشد”[4]. وعليه، يدل التركيب الإسنادي” النموذج البيداغوجي” على السعي الحثيث وراء اختيار المثال المقتدى[5] به في العلاقة التي يفترض أن تربط بين المدرس والمتعلم، وهو اختيار يقوم على فهم علمي لطبيعة الطفل النفسية والاجتماعية، وتعرف دقيق لفلسفة المجتمع ومقاصده، ودراية عميقة بغايات المدرسة وأهدافها، ويستند إلى نظريات تربوية وتصورات ابستمولوجية تخص طبيعة المعرفة وعوائقها وسبل نقلها ديداكتيكيا…، وغيرها من الأمور التي تندرج ضمن فلسفة المنهاج التربوي بشكل عام.

ولقد دأبت الأدبيات التربوية على توظيف النموذج البيداغوجي بوصفه بناء نظريا مجردا، وإطارا موجها للممارسات البيداغوجية والديداكتيكية والتربوية، فهو يستهدف المتعلم من جهة، والمدرس من جهة ثانية، ويدرس آليات تفاعلهما وشروط تحقق التواصل المؤسس على طبيعة العلاقات الاجتماعية والثقافية. ويروم تحقيق مخرجات المنهاج الدراسي. كما أنه يرتبط إلى حد بعيد بفلسفة التربية وطبيعة المنظومة التربوية.

ويميز غريب بين النموذج الديداكتيكي والنموذج التربوي والنموذج البيداغوجي، ويعرف هذا الأخير بأنه” كل بناء مجرد يتكون من عناصر تجربة مجسدة ذات دلالة تتحقق من خلال طرائق وتقنيات وأدوات. وتسمح خاصية النماذج بالربط الجلي والخفي والمرئي وغير المرئي والظاهر والضمني، والتدرج نحو المجرد”[6].

إن المتأمل في هذا التحديد، سيقف عند قضايا جوهرية؛ تتمظهر على مستوى فعل البناء المجرد، باعتباره رؤية استشرافية وتصور مسبق ومخطط له، مستمد من فلسفة تربوية، وينهض على أفكار متسقة، تتطلب عناصر واضحة مرتبطة بأدوات منهجية وتقنيات تواصلية رابطة بين البناء النظري والإجراءات الميدانية، ومحكومة بموجهات التخطيط والتدبير والتتبع والتقويم.

وضمن هذا السياق، نذكر أن النماذج البيداغوجية يمكن تصنيفها إلى مجموعة من الأصناف[7]:

  • النموذج التقليدي الذي يعتمد على بيداغوجيا الالقاء والتلقين؛ وهو نموذج لا يعير كبير اهتمام للمتعلم من حيث قدراته المعرفية وخصائصه النمائية.
  • النموذج التقليدي المجدد والمعتمد على التلقين، مع إدماج بعض التغييرات والتقنيات السمعية البصرية؛
  • النموذج الممنهج، الذي يعتمد على الانطلاق من أهداف محددة؛
  • النموذج المتمحور حول المتعلم، ويعتمد على حريته ونمو شخصيته، ويراعي قدراته المعرفية وخصائصه النمائية؛
  • النموذج المتمركز حول الجماعة من خلال تفاعل أعضائها.

إن تعدد النماذج البيداغوجية وتنوعها، ظل محكوماً إلى طبيعة الرؤية التي يتبناها النظام التربوي، ومشدوداً إلى الأهداف المرسومة للمدرسة بشكل عام، بيد أن التغييرات التي لحقت عالم اليوم من خلال العولمة والثورة الرقمية،  وما صاحبهما من تطور هائل في انتشار المعرفة وتغير في آليات إنتاجها  وكيفيات توظيفها، أضحى يفرض بناء نموذج يتناسب وسياقات المرحلة التاريخية بتغيراتها التقنية والعلمية والمعرفية، وفي هذا المضمار، يندرج النموذج البيداغوجي الجديد الذي بشرت به الوثائق التربوية المغربية، سواء وثيقة الرؤية الاسترايجية (2015-2030)، أم القانون الإطار( 17-51 )، وهو نموذج ينطلق من فكرة جوهرية ترى في كل متعلم شخصاً فريداًّ في ذاته، له خصوصياته وحاجاته وميولاته، ينبغي الانطلاق منها والبناء عليها، ويعتبر المحتوى التعليمي وسيلة لخلق المعرفة وبنائها عبر التفاعل معها نقدا وإبداعاً، وتعرف كيفيات توظيفها واستثمارها، ويرى، كذلك، أن كل علاقة بين المعلم والمتعلم هي علاقة فريدة، مهمة المعلم فيها فهم خصوصيات المتعلم بوصفه ذات متعلمة فاعلة مستقلة، ينبغي منحه حقه الطبيعي في التعبير والحرية في الاختيار عبر تفعيل المقاربة الكفائية، لتنمية الحس النقدي والإبداعي.

مفهوم العلاقات البيداغوجية في الأدبيات التربوية وأصنافها

من معلومات الأمور، أن العلاقات الإنسانية بشكل عام والبيداغوجية بشكل خاص تتأثر بالخصوصيات الذاتية للفرد، وهي الخصوصيات التي تتبلور ضمن محددات بيولوجية، وفي سياق اجتماعي وثقافي وسياسي…، وهو الأمر الذي جعل من مبحث العلاقات البيداغوجية موضوعا مركزيا ضمن الحقول المعرفية على اختلاف شعبها وتنوع فروعها، فهو مبحث تدخلت في تحديده ومقاربته علوم كثيرة، بحيث تطرقت إليه نظريات التعلم من منظور فهم شخصية المتعلم  وربط ذلك بالتعلم ومراحل النمو والنضج…، وقاربه علم الاجتماع من زوايا الأبعاد الاجتماعية وكيفية تحسين التفاعلات المجتمعية للحد من بعض الظواهر المنافية لماهية الإنسان الاجتماعية، وتناوله علم النفس من منظور استحضار بنيات الأفراد السيكولوجية وتأثيراتها المحتملة على العلاقات الاجتماعية ترغيبا وتحبيبا، أو ترهيبا وتنفيراً، وقاربته مباحث علم النفس الاجتماعي التربوي من منظور أهمية الظواهر العلائقية في تبين مختلف الوضعيات الإنسانية ،كما تناولته العلوم المعرفية المعاصرة بمختلف تفرعاتها، إلى غير ذلك من المجالات العلمية والنظرية.

وانسجاما مع طبيعة موضوعنا، سنقف عند دلالة المصطلح كما ورد في الأدبيات التربوية، وسنستعير من عبد الكريم غريب وآخرون (2001)، التعريف الذي يرى أن العلاقات البيداغوجية ” تعامل إنساني يتم بين أفراد (مدرس، تلاميذ) يوجدون في وضعية جماعية، وهي نظام وبنية متعددة المكونات والعناصر (تتكون من): مدرس، تلميذ، موضوع التعلم، وضعية في المكان والزمان، شبكة تفاعلات وعلاقات وتموقعات”[8].

لقد أسبغ هذا التعريف البعد النظامي والإنساني على طبيعة العلاقات البيداغوجية، وهي غاية ترجوها المدرسة الجديدة، وتتوخاها التربية الحديثة، التي تتكئ على مميزات محددة، منها أن” التلميذ (فرداً أو جماعة) هو مركز فعل التعليم- التعلم، المدرس مجرد موجه أو مرشد، المعرفة ناتجة عن نشاط التلميذ ومرتبطة بانشغالاته وليست صادرة عن المدرس، التعاملات عامة وشاملة أي تتم بين التلاميذ في أغلب الأحيان وبينهم وبين المدرس…”[9]

أما جان كلود فيلو J .C.Filloux  فتحدث عن العلاقة التربوية بشكل عام، وحدّها بكونها “تعامل وتفاعل إنساني يتم بين أفراد يوجدون في وضعية جماعة”[10] ،وفي ربطه للموضوع بالفصل الدراسي، تحدث جان كلود فيلو عن دينامية العلاقة التي يجب أن تسود بين المعلم والمتعلم بحيث” تتخذ شكل انخراط في عملية تواصل مركبة، وتبليغ للرسائل، وتبادلات وجدانية، وعمليات استكشافية ومقاومة” .[11]

إن العلاقة البيداغوجية، وفق التصورات السالفة، يجب أن تستحضر كل الصلات المعرفية والاجتماعية والثقافية التي تربط المعلم بالمتعلم ضمن إطار مؤسساتي، بغرض تحقيق أهداف تعلمية وتربوية، فهي بهذا المعنى، تُبنى في مستويات عدة؛ فهنالك مستوى العلاقة المعرفية التي تربط المعلم بالمتعلم أثناء بناء المعارف وتمرير المعلومات، وهناك العلاقات الاجتماعية التي تستحضر البعد الوجداني (جاذبية، نفور، حب، كره…..)، والعلاقة الثقافية التي تستحضر ثقافة المجتمع بشكل عام، وهذا الأمر يتساوق مع أبحاث علم الاجتماع التربوي، التي تركز على فكرة أن النظام التربوي لأي مجتمع يكون مرتباً ومنظماً بحسب التصورات الاجتماعية والثقافية والايديولوجية السائدة فيه.

أصناف العلاقات البيداغوجية.

تتعدد أنماط العلاقات البيداغوجية، وتتنوع أصنافها، تبعاً لفلسفة النموذج البيداغوجي الذي تنشده المنظومات التربوية، والذي ينعكس على نوعية المناهج التربوية بكل مكوناتها؛ الأهداف الكبرى، البرامج والمضامين، المقاربات البيداغوجية، الدعامات الديداكتيكية، الكتب المدرسية، التقويم والدعم…، ويتجسد على مستوى موقع كل من المعلم والمتعلم في ارتباطهما بالمعرفة المراد تمريرها وبناؤها، وهو ما يتحدد، كذلك، على مستوى نوع التواصل الذي يربط بين طرفي العملية التعليمية- التعلمية بشكل عام. ومن هذه التصنيفات، نذكر “تصنيف (1985,D’Hainaut)، (الذي ميز) فيه بين أربعة أشكال من العلاقة: – العلاقة التي يكون فيها فعل المدرس متمركزاً حول ذاته بحيث يتحدد دور هذا الأخير في تقديم المعرفة- العلاقة التي يتمركز فيها الفعل التعليمي حول التلميذ، وهنا يكتفي المدرس بإعادة بناء المعرفة والقيام بدور المرشد والمنشط- العلاقة التي يؤدي فيها المدرس دور المحفّز، إذ يسهل سيرورة التعليم-التعلم من غير أن يوجهها أو يشارك فيها ويستجيب لطلبات التلاميذ- العلاقة التي يصبح فيها المدرس متعلماً”[12]. وهناك أيضاً، “تصنيف (Duclos ,J  ) (الذي ميز) فيه بين ثلاثة أنماط هي:- العلاقة التي يكون فيها المدرس هو الفاعل الأساسي، ويقوم على أساس ترويض التلميذ اعتمادا على قيم السلطة والنظام والامتثال. لهذا فهي تتصف بالأوتوقراطية والأبوية، – العلاقة التي تحتل فيها المادة الدراسية مركز الفعل التعليمي، وقيمها الأساسية هي العقلانية والفعالية، وتتصف بكونها ذات طابع تقنوقراطي، – العلاقة التي يكون فيها الاهتمام الأكبر موجها نحو التلميذ، ومبدأها الأساسي احترام شخصيته وتثبيت قيم الحرية والاستقلالية والإبداعية لديه، لهذا تتسم هذه العلاقة بالتلقائية وتنبني على تعامل ديموقراطية”[13].

إن الناظر في هذين التصنيفين، سيتبين بكل جلاء تعدد العلاقات البيداغوجية، وهو تعدد متولد من طبيعة النموذج البيداغوجي الذي ينعكس بشكل مباشر على الفعل الديداكتيكي، وعلى بناء المواقف والتصورات، وتنتج عنه نتائج محددة، فكلما تمركزت العملية الديداكتيكة على المتعلم، واحترمت شخصيته، ونظرت إليه من زاوية اعتباره ذاتا مبدعة خلاقة حرة ومستقلة، كلما انعكس ذلك على الخدمات التربوية، وتمكن المتعلم من “تملك الكفايات المعرفية والتواصلية والعملية والعاطفية والوجدانية والإبداعية”[14]،وتحققت معه الجودة في المعرفة والقوة في الشخصية ونتج عنه تماسك اجتماعي، وكلما تأسست العلاقة على سلطوية المدرس ومركزيته كلما نما التسلط، بل، وزادت حدته في العلاقات الاجتماعية بشكل عام خارج أسوار المدرسة، وأسهم في إضعاف الكفايات والاستهانة بالمهارات والحد من القدرات، مما يؤدي إلى انهيار الأنظمة التعليمية وعدم قدرتها على مسايرة  تطورات المعرفة وتغيراتها.

وللأسف الشديد، فما زال بعض من هذه العلاقات التسلطية ترخي بظلالها على طبيعة المنظومات العربية بشكل عام، ويكفي أن نشير إلى دراسة قامت بها بلعربي في سياق تحليل العلاقة البيداغوجية داخل المدرسة المغربية، حيث قدمت فيها “وصفاً لعمل القسم والتفاعلات بين المدرس والتلاميذ والنماذج والقيم التي تنطوي عليها ودينامية المواقف والسلوكات داخل القسم. وقد استخلصت أن العلاقة البيداغوجية علاقة سلطة لأنها متمركزة حول المدرس، يتجلى ذلك من خلال مظاهر عديدة منها: الصمت الذي يسود داخل القسم، طاعة المدرس المفرطة، واحترام القواعد الموضوعة من طرفه”[15].

وهذا الأمر يسري على المنظومة التربوي العربية، التي تحتاج إلى مراجعة دقيقة من أجل الانخراط الفاعل في مقتضيات الألفية الثالثة، لربح رهانتها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، يقول يزيد عيسى السورطي” إن السلطوية التربوية والتعليمية تنتج جيلا ضعيفا ومحبطا لا يقوى على مواجهة المشكلات والتحديات التي تواجهه، فضلا عن عدم قدرته على تحقيق المنجزات. فالشخصية التي تعمل السلطوية على إعدادها تتميز بالقدرة الكبيرة على الطاعة والخضوع والتنفيذ والاستسلام، وتتحلى بضعف واضح في القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، والمساءلة، والمناقشة، والنقد، والتمحيص، والتنقيب، والموازنة بين الأشياء”[16].

فبدهي إذن، أن تنعكس طبيعة العلاقة البيداغوجية التي تربط بين المعلم- المتعلم على شخصية التلميذ وتحدد سلوكاته ودرجات استيعابه للمادة المعرفية، وقدرته على الإبداع والابتكار والاستقلالية، وفي هذا السياق يقول بياجي: “لا يمكن تكوين شخصيات مستقلة في الميدان المعنوي إذا كان الفرد خاضعا لضغط فكري، حيث يجب عليه أن يكتفي بالتعلم طبقا لأوامر دون أن يكتشف الحقيقة بنفسه يكون حرا معنويا، لكن في المقابل إذا كان راكدا فكريا، لا يمكن أن يكون حرا معنويا. لكن في المقابل إذا كان أدبه يتمثل فقط في الخضوع التام لسلطة الراشد، وإذا كانت العلاقات الاجتماعية المكونة للعيش داخل الفصل الدراسي، هي تلك العلاقات التي تربط كل تلميذ فرديا بمعلم متحكم في كل السلط، لا يمكن أن يصبح التلميذ نشيطا فكريا”[17]

إذن، لا مناص من تسليط الأضواء من جديد على  الممارسة البيداغوجية في علاقتها بالبعد العلائقي، على اعتبار أن نوع العلاقات المحددة والمرسومة هي المدخل لبناء التعلمات وتجويد الخدمات التربوية، بل هي حجر الزاوية في كل تجديد وإصلاح، من أجل إخراج وضعية الممارسة البيداغوجية من إبدال الفعل التلقيني التسلطي إلى إبدال الفعل التواصلي الإنساني؛ الذي يجعل من المدرس، مبدعا ووسيطا ومدبرا بيداغوجيا، ينطلق من التمثلات، ويستحضر الفروقات والحساسيات، ويراعي التمايزات، ويدبر الاختلافات بالكثير من المرونة في الأداء والضبط الايجابي للصف أثناء التدريس والروح العملية والنفس الطويل. وهو مطلب المدرسة الجديدة.

العلاقات البيداغوجية في ضوء المدرسة الجديدة

تعيش المدرسة الجديدة، في هذا الزمن العولمي، إكراهات متعددة، وتحديات كثيرة أفرزها مجتمع المعرفة المعاصر، الذي فرض تغييرات عميقة مست بنياتها ووظائفها، وهي تغييرات لحقتها جراء الرقمنة والتطور التكنولوجي والعلمي، وهو ما دفع بالعديد من الخبراء والمهتمين بالشأن التربوي والبيداغوجي إلى الدعوة لتبني نماذج بيداغوجية متبصرة، تساعد على الإبداعية وتحفز التفكير وتطور الكفاءات، وتأخذ بعين الاعتبار التطورات الحاصلة في مجالات علم النفس التربوي وعلوم الاقتصاد وعلوم الدماغ  وعلوم الحاسوب والعصبيات وغيرها من العلوم، التي تساعد على معرفة الإنسان وفهم التغيرات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تكتنف الألفية الثالثة.

لهذا، فإن بقي التغيير الذي تدعو إليه الأنظمة التربوية حبيس الخطابات التي تستعمل في وصف غايات المدرسة وإبراز وظائفها وأهميتها، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى الانتكاسة والتراجع، فالأمر، إذن؛ يتطلب هندسة فلسفة تقوم على كونية التعلم والتعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة لاستدامة التنمية، كما يتطلب توفير الشروط الضرورية لتطبيق هذه الفلسفة وممارستها، كي لا تكون هذه الأخيرة مجرد فكرة مجردة. فتقدّم الأمم وتطورها، رهين بفلسفة المجتمع، ومرتبط بما تنتجه المدرسة من معلومات ومعارف تتميز بالجدة والأصالة والإبداعية والنقد، ومتفاعل أشد التفاعل مع طبيعة العلاقات الوجدانية والاجتماعية التي تربط بين المعلم والمتعلم، التي تسمح ببناء المعرفة وتوظيفها وتوطينها.

وبناء عليه، بات مطروحا، على المدرسة الجديدة، استحضار أفق العلاقات البيداغوجية وتداعياتها على الفعل التربوي، اعتباراً لمركزية هذه العلاقات في تجويد الخدمات التعليمية والارتقاء بالفرد والمجتمع، ووشمها بالطابع الإنساني، الذي يرتكز على “موقف قوامه التفهم والإرشاد والمساعدة على التقوية التدريجية لسيرورتهم الفكرية والعملية، وتنشئة (المتعلمين) على الاندماج الاجتماعي، واستيعاب القيم الدينية والوطنية والمجتمعية”[18].

ولذلك، يعد التفكير في طبيعة العلاقات البيداغوجية، لتدبير الفعل الديداكتيكي، أمراً لازماً لبلورة توصيات الوثائق الإصلاحية المغربية، وعلى رأسها الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي حرص على وصف تلك العلاقة بأنها” العلاقة الحية القائمة بين المعلم والتلميذ والمبنية على أسس التفهم والاحترام”[19]، وهو ما يستدعي المصاحبة وفق نموذج  يسمح بخلق فضاء تواصلي يوجهه مبدأ التفاهم والاحترام المتبادل، وينتج على إثره الوعي بالمسؤولية المتبادلة بين أطراف الفعل البيداغوجي، وبأهمية المشاركة الإيجابية في بناء النشاط التعليمي- التعلميى، فالمدرس مطالب بتدبير التفاعلات الصفية وفق مبدأ مركزية المتعلم الذي يستدعي الانطلاق من ميولاته النفسية وحاجاته المعرفية وخصوصياته الثقافية، وذلك بحسن تدبير الاختلافات بين المتعلمين واستثمارها بما يخدم جماعة الفصل، كما أصبح بإمكان المتعلم بناء معارفه، وتنظيم علاقاته في إطار مسؤول، ويجد الأمر سنده في الدعوة إلى “جعل المتعلم بوجه عام، والطفل على الأخص، في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التربوية التكوينية. وذلك بتوفير الشروط وفتح السبيل أمام أطفال المغرب ليصقلوا ملكاتهم، ويكونون منفتحين مؤهلين وقادرين على التعلم مدى الحياة”[20].

إن مجمل هذه الرؤي، تتساوق مع النظرية البنائية التي تستند في توجهاتها العلمية على نمط تواصلي تفاعلي، وتدعو إلى بناء علاقة بيداغوجية تحترم ذات المتعلم، وتعتبرها ذاتا فاعلة في بناء التعلمات واكتشافها، وتنطلق هذه النظرية من النموذج المتمركز حول المتعلم، حيث المعارف “تبنى من قبل الذات نفسها، عبر التجارب التي تعيشها في محيطها. وانطلاقا مما سبقت لها أن عاشته في هذا المحيط، ومن التفاعلات مع الآخرين”[21].

العلاقات البيداغوجية في ضوء موجهات النموذج البيداغوجي الجديد

إذا كان المهتمون بالشأن التربوي يتفقون حول أهمية النموذج البيداغوجي[22]الكفائي بوصفه إبدالاً ينقل الفعل التعليمي- التعلّمي من مستوى الإلقاء والتلقين الذي وسم المدرسة التقليدية إلى مستوى اعتبار المتعلم محور الفعل التعلمي، وركيزة أساس لتحقيق الجودة وربح رهان التنمية، والاستجابة للأفق المعرفي المعاصر، فإنّ الإشكال المبدئي يتمظهر من خلال التساؤل حول مدى توفير الشروط الموضوعية الكفيلة لخدمة المدرسة الجديدة على مستوى المناهج والبرامج والموارد البشرية المؤهلة والعلاقات البيداغوجية.

ونشير في هذا السياق، إلى أنّ المنظومة التربوية المغربية ومن خلال توجهاتها الرسمية[23] قامت بتبني فلسفة تربوية معاصرة تنهض على مبدأ التفكير النقدي والإبداعي الخلاق، ودعت إلى التشبع بقيم الحوار والاختلاف، لمواجهة الانغلاق الفكري، والتطرف، وارتكزت على بيداغوجيا إنتاج المعرفة وتجديدها وتطويرها، عبر الانتقال من بيداغوجيا التلقين والشحن التي اعتمدت المعرفة غاية في ذاتها، واستبعدت بناء الإنسان في ذاته، إلى التركيز على البعد الوظيفي لهذه المعرفة، وإعمال الذهن، وتحفيز التفكير النقدي، الذي يعد جوهر الفعل التعلمي والتربوي، والمدخل الأساس للتفاعل مع قضايا الألفية الثالثة بمقتضياتها التقنية والفكرية والثقافية. وقد أشار الميثاق الوطني للتربية والتكوين في فقرته التاسعة من محور الغايات الكبرى إلى مقومات المدرسة الجديدة، التي تسعى “إلى أن تكون مفعمة بالحياة بفضل نهج تربوي نشيط، يتجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي، إلى اعتماد التعلم الذاتي، والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي؛ (مدرسة) مفتوحة على محيطها بفضل نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في قلب المدرسة، والخروج إليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن، مما يتطلب نسج علاقات جديدة بين المدرسة وفضائها البيئي والمجتمعي والثقافي والاقتصادي”[24] . وفي المنحى نفسه نجد الرؤية الاستراتيجية (2015-2030) تدعو إلى بناء مدرسة قائمة على الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع، فالمدرسة باعتبار وظيفتها التربوية والتكوينية والتأطيرية، هي المدخل القادر على تصريف المنهاج الدراسي بكل غاياته وأغراضه وآلياته وبرامجه، وهي الأساس القادر على تأهيل المواطنين وتنمية الكفايات وتحفيز المواهب، وبناء المجتمع عبر تبني المشروع المجتمعي الحداثي القائم على مبدأ التفكير النقدي وتطوير الكفايات.

  • مرتكزات العلاقات البيداغوجية في النموذج البيداغوجي الجديد

في سياق الاستجابة للتغييرات العميقة التي يعرفها عالم اليوم، ورغبة في بناء مواطن كوني قادر على مواكبة مجتمع المعرفة بكل مشمولاته الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، بلورت الدولة المغربية عبر وثائقها الرسمية نموذجا بيداغوجيا يقوم على رؤية تمتح من التصورات الحديثة، وتجيب على أسئلة الراهن. وترتكز على فكرة جوهرية مفادها” اعتبار الفصل الدراسي النواة الأساس للإصلاح، بإعطاء الأولوية للمتعلم، والمدرس، والتعلمات، والفاعل التربوي، وظروف التمدرس، وبتمكين مؤسسات التربية والتكوين ومجموعتها التربوية من الإمكانات الضرورية للاضطلاع بمهامها، وبإعادة بناء علاقة تربوية جديدة بين المتعلم والمدرس، وبينهما وبين فضاءات التعلم”[25].

وبالعودة إلى الرؤية الاستراتيجية (2015-2030) نجد دعوة مباشرة وصريحة إلى هذا النموذج البيداغوجي منطوقا ومفهوماً، فقد دعا في الرافعة الثانية عشرة إلى “تطوير نموذج بيداغوجي قوامه التنوع والانفتاح والنجاعة والابتكار”، وهو نموذج تجديدي يهم أربعة مجالات[26]، منها مجال العلاقات التربوية والممارسات التعليمية، بحيث حدد مجموعة من المعايير التي يُسْتند إليها من أجل الارتقاء بجودة العلاقة التربوية والممارسات التعليمية:

  • اعتبار المتعلم محور الفعل التربوي وفاعلا أساسيا في بناء التعلمات، وتنمية ثقافة الفضول الفكري وروح النقد والمبادرة، والبحث والابتكار لديه،
  • اعتبار مؤسسة التربية والتكوين نواة أساسية في الفعل التربوي، ذات مشروع متكامل منفتح على المحيط ومتفاعل معه؛
  • تموقع المدرس أو المكون، كمشرف على التعلمات، وميسر لها ومتفهم لحاجات المتعلمين(ات)، ومتكيف مع مختلف الوضعيات، بما يحقق حافزيتهم وانخراطهم وتكامل قدراتهم وخبراتهم في التعلم؛
  • توثيق العلاقة مع الأسر، باعتبارها المصدر الأقرب لمعرفة حياة المتعلمين(ات) خارج المؤسسة التعليمية، وأثرها على مواظبتهم وانخراطهم، وتحسيس الأسر بدورها في تكميل عمل المدرسة والارتقاء بالعلاقة التربوية داخلها)[27]، وبدوره دعا القانون الإطار51.17 إلى اعتماد نموذج بيداغوجي في أربعة مواضع:
  • اعتماد نموذج بيداغوجي موجه نحو الذكاء، يطور الحس النقدي وينمي الانفتاح والابتكار ويربي على المواطنة والقيم الكونية. (الثوابت الدستورية هي مرجع النموذج البيداغوجي)؛
  • التطوير المستمر للنموذج البيداغوجي المعتمد في المنظومة بكل مكوناتها، والعمل على تجديده، بما يمكن المتعلم من اكتساب المهارات المعرفية الأساسية والكفايات اللازمة؛
  • اعتماد نموذج بيداغوجي يستجيب لمتطلبات التنمية الوطنية، وينفتح على التجارب الدولية.

لقد ارتكز النموذج البيداغوجي، على  مجموعة من الأبعاد ذات الحمولات الإيجابية، منها البعدين الثقافي والديموقراطي باعتبارهما من الأبعاد التي بإمكانها الارتقاء بالفرد والمجتمع، وهذا المرتكز يستمد مرجعيته من وظائف المدرسية الجديدة كما أرست دعائمها الوثائق الإصلاحية المغربية، بدءا بالميثاق، ووصولا إلى القانون الإطار، والتي باتت، وبكل إلحاح، تفرض نمطا تعاقديا جديداً يقوم على علاقة بيداغوجية حية، لتجاوز المقاربة الماضوية التي تتحكم في الفعل التعليمي-  التعلمي داخل المؤسسات التعليمية، من جهة، وللرقي بمردودية  المدرسة، ولتحسين أداءات الممارس البيداغوجي، والرفع من وتيرة التحصيل الدراسي لدى المتعلم من جهة ثانية، وهكذا نلفي الرؤية الاستراتيجية تري أنّه” يتعين على المدرسة الجديدة الاضطلاع بمهمتها في تحقيق الاندماج الثقافي عبر جعل الثقافة بعدا عضويا من أبعاد وظائفها الأساسية، وعلى نحو يضمن نقل التراث الثقافي والحضاري والروحي المغربي، وترسيخ التعددية الثقافية والانفتاح على ثقافات الغير؛ وضمان ولوج سلس ومنصف للثقافة بين المجالات الترابية، والسير في اتجاه تحويل المدرسة من مجرد فضاء لاستهلاك الثقافة إلى مختبر للإسهام في إنتاجها ونشرها”[28]

خاتمة

لقد انصب اهتمامنا، في هذه الورقة، على توضيح طبيعة العلاقات البيداغوجية التي ينشدها النموذج البيداغوجي الجديد، كما بشرت به الوثائق التربوية المغربية، وخلصنا إلى أنّ النموذج البيداغوجي الذي يدعو إلى الانتقال بالتربية والتكوين والبحث العلمي، من منطق التلقين والشحن والإلقاء السلبي الأحادي الجانب إلى منطق التعلم مدى الحياة والتعلم الذاتي، وتنمية الحس النقدي وروح المبادرة، في إطار عملية تربوية قوامها التشبع بالمواطنة الفعالة، فردية وجماعية وكونية، ورفع تحدي الفجوة الرقمية؛ يتطلب قناعة قوية لدى كل الفاعلين التربويين والممارسين البيداغوجيين، كما يتطلب من باب التنزيل الإجرائي جعل المؤسسات التربوية فضاءات مدرسية تسهم في تنمية الممارسات الديموقراطية، بحيث تضمن الحق في الاختلاف من خلال إشراك المتعلمين في تدبير الحياة المدرسية، وتمنحهم الحق في التعبير عن مواقفهم واختياراتهم في إطار من المسؤولية والالتزام، وتتبنى الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص، وتؤسس لمبدأ الحرية، عبر تبني فلسفة التفكير النقدي كأسلوب في التعليم والتربية، وكمنهج في التواصل، وتكون مجالا لتجويد الخدمات التربوية وتطوير المهارات وتنمية الكفايات، عبر ملاءمة التعلمات مع حاجات البلاد ومهن المستقبل، والتمكين من الاندماج في المحيط بكل تجلياته.

إن هذا الرهان، لن يتحقق إلا برؤية متبصرة ترتكز على التخطيط المعقلن، والتنبؤ بالتحولات القيمية والثقافية والاقتصادية، والتعامل الذكي مع التقنيات الحديثة، والانفتاح على الآخر، والإيمان بالاختلاف والتعددية، وتشجيع البحث العلمي القائم على التساؤل والابتكار والنقد. كما يتطلب أنسنة العلاقات البيداغوجية، التي أضحت مطلبا ملحا في السياق المعاصر، باعتبارها موجها أساسيا للنموذج البيداغوجي وآلية لتنزيل التصور التربوي والبيداغوجي بكل مكوناته، للنهوض بأوضاع الحياة المدرسية بشكل خاص والمجتمعية بشكل عام.

ولعل الرؤية الجديدة المتعلقة بالنموذج البيداغوجي، التي ناقشنا بعض تفاصيلها في هذه الورقة، تظهر بشكل جلي، الوعي المتقدم لدي مدبري الشأن التربوي المغربي، والإحساس العميق بقيمة هذا النموذج وقدرته على بلورة دعائم مدرسة الألفية الثالثة، والتجاوب مع الهدف الرابع للتنمية المستدامة للألفية الثالثة، الذي يدعو إلى ضمان التعليم الجيد لجميع المتعلمين وتنمية مهاراتهم العلمية والعملية، وتحقيق مفهوم المواطنة العالمية، ومنح فرص التعلم مدى الحياة. وتطوير الحس النقدي والإبداعي، وتنمية الانفتاح والابتكار، وتربية الناشئة على المواطنة والقيم الكونية. للانخراط الفاعل في اقتصاد مجتمع المعرفة.

لائحة المراجع

  1. اجبارة، حمد الله، التواصل البيداغوجي الصفي، ديناميته، أسسه ومعوقاته، منشورات علوم التربية، ط1، 2009.
  2. جونير، فيليب، ترجمة الحسين سحبان، الكفايات والسوسيوبنائية -إطار نظري-الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 2005.
  3. السورطي، يزيد عيسى، السلطوية في التربية العربية، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 362، أبريل 2009.
  4. شهاب الدين، أحمد بن محمد، “عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي”، ضبطه وأخرج آياته وأحاديثه الشيخ عبد الرزاق المهدي، دار الكتب العلمية.
  5. غريب، عبد الكريم وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط3، 2001.
  6. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003(نحو إقامة مجتمع المعرفة).
  7. اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين،1999.
  8. المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء- رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030.
  9. قانون إطار17-51 يتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
  10. دفاتر التربية والتكوين، أي نموذج بيداغوجي للمدرسة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، العدد12، أكتوبر 2017،
  11. دفاتر التربية والتكوين، العلاقات التربوية والبيداغوجية داخل الفصل الدراسي، المجلس الأعلى للتربية والتكوين، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، العدد1، نونبر 2009.
  12. ديوان أبي العلاء المعري، تحقيق أمين عبد العزيز الخانجي، منشورات مكتبة الخانجي القاهرة

[1] -ورد معنى هذه العبارة في مقدمة ابن خلدون، حيث أشار إلى ” أن الاجتماع البشري ضروري” (ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، ص33)، وأردف هذا القول بالعبارة” الإنسان مدني بالطبع” (ابن خلدون، المصدر نفسه)، وترددت هذه القولة الشهيرة بشكل كبير، حتى صارت تعريفاً لماهية الإنسان، وقد كان لها حضور قوي في الشرائع السماوية، كما تناقلتها حكايات التاريخ والآثار المشهودة الحاكية لأقدم العهود، كما وردت في الكتابات الفلسفية، بدءا بأفلاطون وأرسطو وصولا إلى بعض الفلسفات المعاصرة، كما أن هذه القولة تمظهرت في كتابات الشعراء، يقول أبو العلاء المعري :  ولو أنّي حُبيتُ الخُلد فرداً//// لما أحببت في الخلد انفرداً.( ورد هذا البيت  لأبي العلاء المعري في قصيدته “أرى العنقاء تكبر أن تصادا”.

ويقول الشاعر: وما سمي الإنسان إلا لأنسه//// وما سمي القلب إلا لأنه يتقلب.

نشير هنا أن هذا البيت الشعري قد ورد في كتب الشروح والحواشي عند الأقدمين، ومنهم حاشية الشهاب المسماة عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي، للقاضي شهاب الدين أحمد بن محمد، وهو مصدر ضبطه وأخرج آياته وأحاديثه الشيخ عبد الرزاق المهدي، دار الكتب العلمية، ج1، ص476.

[2] – عرّف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مجتمع المعرفة، بأنّه” ذلك المجتمع الذي يقوم أساساً على نشر المعرفة وإنتاجها وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعي: الاقتصاد والمجتمع المدني والسياسة والحياة الخاصة، وصولا لترقية الحالة الإنسانية باطراد، أي إقامة التنمية المستدامة” برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003(نحو إقامة مجتمع المعرفة، ص39-40.

وقد ورد مصطلح مجتمع المعرفة ضمن رافعات الرؤية الاستراتيجية، وهو مجتمع لا يمكن اختصاره في القدرات التكنولوجية أو الرقمية فقط؛ بل يتسع ليشمل مجالات اقتصادية وسياسية واجتماعية، فهو بهذا المعنى، المجتمع الذي يقوم على إنتاج المعرفة وتوظيفها بكفاءة في مختلف المجالات المجتمعية وصولا إلى الارتقاء بالحالة الإنسانية في سبيل تحقيق التنمية المستدامة.

[3] – أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، المجلد الثالث، ط1، 2008، ص2289.

[4] – عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، ص255.

[5] – نشير، هنا، إلى تعدد النماذج البيداغوجية، بحسب طبيعة النظرة إلى المعرفة أو المتعلم أو المعلم، وهي نظرة مستمدة من طبيعة الاجتهادات في علم النفس التربوي ونظريات التعلم، وفي هذا السياق يمكننا الحديث عن نموذج بيداغوجي متمركز حول المتعلم أو حول المادة أو حول المعلم.

[6] – عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، ص226.

[7]– لمزيد من التوسع، ينظر غريب وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، ص226.

[8] – عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء، ط3، 2001، صص: 285-286.

[9] – المرجع نفسه، ص 286.

[10] – J .C.Filloux ,Nature du groupe classe, p17 .

عن محمد آيت موحى، العلاقات التربوية: طبيعتها وأبعادها، دفاتر التربية والتكوين، العدد 1، 2009، ص11.

[11]–  J .C.Filloux. Nature du groupe classe, p17

[12] – عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، ص286.

[13] – المرجع نفسه، ص286.

[14] – وثيقة القانون الإطار 1751-، ص4.

[15] – عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، ص 286.

[16] – السورطي، يزيد عيسى. السلطوية في التربية العربية، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 362، أبريل 2009، ص187.

[17] – Jean Piaget ,ou va à l’éducation Imprimé en France. p90

عن حمد الله اجبارة، التواصل البيداغوجي الصفي، ديناميته، أسسه ومعوقاته، منشورات علوم التربية، ط1، 2009صص63-64.

[18] – الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، ص10.

[19] – المرجع نفسه، ص54.

[20] – المرجع نفسه، ص10.

[21]–  فيليب جونير، ترجمة الحسين سحبان، الكفايات والسوسيوبنائية-إطار نظري- مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2005، ص89.

[22] – ورد مصطلح النموذج البيداغوجي في الرؤية الاستراتيجية (2015-2030) إحدى عشرة مرة، في الصفحات التالية:( الفهرس، ص9،ص17، ص34 ورد ثلاث مرات، ص41، ص54، ص61، ص83، وورد في ص8 تحت مصطلح النموذج التربوي والتكويني)، أما وثيقة القانون الإطار فقد ورد فيها المصطلح في أربعة مواضع:( الديباجة، المادة الثالثة، المادة الرابعة، وفي المادة الثانية عشر ورد بعبارة نظام بيداغوجي).

[23] – نحيل في هذا السياق إلى الرؤية الاستراتيجية (2015-2030) التي أصدرها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بالمغرب، حيث نجد دعوة صريحة وملحة إلى اعتماد منطق البحث والابتكار والتربية على القيم والتسامح والحق في الاختلاف…وهي من مقومات التفكير النقدي، كما نجد الميثاق الوطني للتربية والتكوين ألح على ذلك حين اعتمد المداخل الثلاث: مدخل الكفايات ومدخل التربية على القيم ومدخل التربية على الاختيار. ونفس الأمر نجده في مشروع القانون الإطار رقم 17/51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.

[24] – اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين،1999، ص11.

[25] – الرؤية الاستراتيجية، ص10.

[26] – يهم هذا التجديد: –   الوظائف المرجعية والمعرفية لأطوار التربية والتكوين – المقاربات البيداغوجية وملاءمتها – العلاقات التربوية والممارسات التعليمية -المراجعة المنتظمة للمناهج والبرامج والتكوينات وفق معايير الجود. – الوسائل والوسائط التعليمية والمواد – الإيقاعات للدراسة والتعلم- التقييم والامتحانات- التوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي

[27] – الرؤية الاستراتيجية، ص38.

[28]– الرؤية الاستراتيجية، ص57.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.