منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دروس للحياة…من وحي جائحة كورونا

0

(لا خروج إلا للضرورة القصوى ومع وضع كمامات، لا زيارات عائلية، لا مصافحة، التزام بمسافات التباعد، نظافة دائمة وخاصة لليدين): هي فقط طريقة وقاية من  الفيروس لا علاجا له.

هذه الفترة ليست مجرد فترة دعاء وابتهالات لرفع الوباء والتخلص من الجائحة فقط، بقدر ما هي فترة حبلى بالإشارات الربانية الجليلة، التي تحتم على كل متأمل عاقل  ذي لب أن يتدبرها بمنهج عقلاني وطريقة حضارية. خذ على سبيل المثال منع التجمع في الجنائز، فهو أمر لم يكن من المتوقع حصوله إلا أنه فجأة حصل.

بعدما لم يتقبل الإنسان أن المبالغة الشديدة في الحزن والألم الزائدين عن الحد اعتراض على حكم الباري جل قدره، والتصرفات الجاهلية أمر غير مرغوب فيه شرعا أثناء تشييع جثمان هالك، وبعدما لم يتقبل الإنسان أن الغلو في  تكاليف الجنائز لن يزيد أو ينقص من أجر الميت وحسناته شيئا، وأن غلبة طقوس الإسراف والعادات العامة إخلال بأوامر الدين في النهي عن الإفراط في الأمر. حلت أيام كورونا واقتضت الضرورة ألا أحد يزور أهل الهالك حتى لمواساتهم في مصيبتهم.

فلماذا لا نعتبر، ونسهم بتكاليف الجنائز – التي أصبحت تضاهي الأعراس وأكثر- لجمعيات خيرية بدل إقامة الولائم للمعزين الذين هم في غنى عنها  في أصل الأمر؟. وتكون فعلا صدقة للهالك كما هو معروف.

عندما نتأمل بعمق في قوانين الكورونا هاته، نجدها مرحلة رفع الله فيها الحرج والمشقة عن الضعفاء والمساكين من الأيتام أهالي المتوفين في هذه الفترة، ولم يكلفهم بتلك المراسم الشكلية من جهة، واستبدل الهالك خيرا منها ألا وهو الدعاء والترحم  ولربما أجر الشهادة .

المزيد من المشاركات
1 من 83

أعتقد أنها إشارة ربانية واضحة المعالم، فاعتبروا يا أولي الأحلام.

هي الدنيا، كما تحمل آلام الفراق والموت والانتقال إلى الدار الآخرة، تحمل فرح الانتقال إلى مرحلة جديدة من الحياة تستلزم إقامة حفلات الزواج والأعراس ومناسبات العقيقة والختان وما إلى غير ذلك من الحفلات التي تستنزف كثيرا من الجهد وتتطلب أموالا باهظة، لو أنها تصرف على الأرامل أو طلاب العلم لكان أفضل. إضافة إلى سلب وقت ذي قيمة يستحسن استثماره فيما يخدم الإنسانية ويحقق تقدمها ويسهم في السير بها نحو الالتحاق بالركب الحضاري.

هي ثاني إشارة ربانية للتفكير في الغير والإدام على استبدال الترف بفعل الخير، فاعتبروا يا ذوي العقول.

(لا مساجد)،ضمانا للأمن الصحي للمصلين، وخوفا من فقدان الخشوع والطمأنينة، لأن تجمع أعداد كثيرة من المصلين من المحتمل أن يكون أحدهم حاملا للفيروس قد يؤدي إلى كارثة العدوى، ومن تَم إلى البؤر الوبائية،وما جرى على المسجد جرى على الكنيسة والدير، فإغلاق جميع أماكن الصلاة مشترك بين سائر دور العبادة في العالم. فلننتبه، فإغلاق المساجد ليس الغرض منه القطيعة مع الصلاة، وإذا ركزنا في الأمر بدقة نجد أن الله جل جلاله منح فرصة لكل رب أسرة أن يتقمص دور الإمام ويكون قدوة لأبنائه، وجميعنا نعلم أن التربية بالقدوة لها آثارها الفعالة على الطفل.

وهي ثالث الإشارات الربانية عميقة المعنى، عجيبة، فوباء كورونا هذا وفر فرصة لحق الطفل في التربية.

(لا وظائف خارج المنزل): لا يعني أننا في فترة كسل وخمول، أو تراجع وتهاون ونكوص، الكل يؤدي وظيفته عن بعد، هي فرصة لتوفير ساعات التنقل بين المنزل ومقر العمل واستثمارها إما في الزيادة من إتقان العمل وضبطه، أو  في القراءة وتنمية الثقافة الذاتية، أو في تدريس الأطفال وتربيتهم والتقرب إليهم أكثر، أو هي زيادة في الراحة الجسدية التي طالما عانى من نقصانها الكثير، لربما هو وقت منحه الله تعالى لنا كي نساعد الآخرين ولو في أبسط أمورهم، وأعظم ما يتصدق به العبد أو يمنحه في زمننا المتسارع هذا هو الوقت الثمين.

وهي إشارة إلهية رابعة، ندرك من خلالها كم مهم أن نستفيد من الوقت ونستثمره في إنجاز حضارة إنسانية مهما بعُدت المسافات وكثُرت الحواجز.

(لا زيارات أو تجمعات عائلية)، في نظري هي فترة حرمان من دفء العائلات وعقاب لمن تهاون في أداء واجب صلة الرحم، هي مدة اكتفت فيها كل أسرة بأفرادها لا غير، البعض يعتبرها خسارة قصوى لدفء الجد والجدة، وفقدان متعة الضيافة بين الخالة والعمة، واغتنام الوقت مع الخال والعم، لعل هذا درس يشعر من خلاله الشخص بمدى أهمية الوسط العائلي لا الأسري فقط، إذ هي فرصة تدل على قيمة أخلاقية تربوية عظيمة تناست الأسر الحديثة أن تغرسها في نفوس أبنائها  خاصة من جيل ما بعد التسعينيات، قيمة صلة الرحم.

وهي خامس الإشارات الربانية الحكيمة،فاعتبروا يا أولي الأبصار، فصلة الرحم من مكارم الأخلاق وأفضل الطاعات، والعائلة مرآة المجتمع الأخلاقي.

(لا سفر أو تنقلات) خارج الحدود أو خارج المدينة لا جوا، لا برا ولا بحرا، وقليلة هي التنقلات حتى داخلها، هي فرصة لحماية البيئة من عدوان الإنسان عليها، وحماية للإنسان من تلوث الإنسان، حرمان عانى منه أصحاب التفاخر بالتنقلات بين الدول والمدن، وبين أشهر أماكن الترفيه الجائزة وغير الجائزة، لا بغرض المتعة الذاتية الشرعية بقدر ما تكون مجرد إشهارات تافهة على مواقع التواصل، والتأثير على شبابنا المراهق وخفاف العقول من الراشدين وإغرائهم بأسلوب حياة لا يتماشى مع قدراتهم المادية أو عاداتهم الاجتماعية كما لا يساير تعالم النهي عن الإسراف في الأمر.

وهي سادس إشارات ربانية، فاعتبروا يا أولي النهى، وليراع كل منا الله في تصرفات غير حكيمة، ولننهج سياسة حياة رشيدة تنتهي فيها حرياتنا عندما نؤذي بها الغير بطريق مقصودة أو غير مقصودة.

ونخلص إلى ما علمنا إياه الله جراء درس كورونا، ألا وهو التأمل والعبرة من الأمور والأحوال، كما نستنتج أننا قادرون أن نستغنى ونتخلى عن أكثر أمور الحياة كنا نظنها من الأساسيات، والصحيح أن الآثار المترتبة عليها هي الأساس، إلا أننا لا نقوى أن نستمر في الحياة من دون أشياء ثلاثة: الصحة التي تستوجب حفظ  النفس، والعلم  الذي يتطلب حفظ العقل، والدين الذي هو أساس الحياة، فبهذه الثلاثية نستطيع أن نكمل الطريق ونسير نحو الحياة الحضارية، ونتخلى عن مظاهر المدنية المزيفة.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.