منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ”

0
اشترك في النشرة البريدية

الحمد لله المنعم الذي يعطي بكرمه، ويمنع برحمته، والصلاة والسلام على خير مبعوث للعالمين.

تهل علينا في العشر الأواخر من شهر رمضان، ليلة عظيمة خصها الله تعالى بشأن كبير وشرف عظيم، هي ليلة القدر، ومن فضلها أن سميت سورة من سور القرآن باسمها “سورة القدر” وهي من السور المكية، نزلت بعد سورة عبس، وسميت بسورة القدر لعظم قدرها وفضلها الكبير عند الله تعالى، ولأنه سبحانه يقدر فيها آجال العباد وأرزاقهم ومقاديرهم فيما يكون في العام، وموضوع السورة هو ليلة القدر وفضلها على سائر الليالي والأيام، وعظيم الثواب الذي يناله قائم هذه الليلة المباركة، فهي تساوي مايقارب ثمانين عاما من العبادة.

وقد اصطفى الله سبحانه وتعالى من الساعات ساعات الصلاة، واصطفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة،واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، واصطفى من الشهور شهر رمضان.

قد نكون مقصرين في الأيام السابقة من رمضان، لكن الله سبحانه وتعالى من فضله وكرمه أعطانا ليلة تعوض ما فات من تقصير، أعمالنا في هذه الليلة كأعمال ألف شهر، ثوابنا فيها يرفعنا إلى أعلى الدرجات، ذنوبنا فيها تهوي بنا إلى أسفل الدركات، فلنجتهد لننال الثواب ولنحرص على ترك الذنوب والزلات.

يقول النابلسي في مضمون ليلة القدر: ” أن تقدّر الله حق قدره، وأن تعبده حق عبادته ، وأن تطيعه حق طاعته، وأن تشكره حق شكره، وأن تتوكل عليه حق التوكل، هو مضمون ليلة القدر، فإن حصل لك هذا التقدير، وتلك العبادة، وهذه الطاعة، وهذه التوبة فهذا خير لك من عمر بأكمله فيه تفاهة، وفيه أعمال من سفاسف الأمور، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: “إنّ اللهَ يحبّ معاليَ الأمورِ وأشرافَها، ويكرهُ سفسَافَها”[i] [ii]

المزيد من المشاركات
1 من 26

من فضائل ليلة القدر:

لليلة القدر فضائل ومُميّزات كثيرة، منها ما ورد في الكتاب، ومنها ما ورد في السنّة النبويّة:

  • ليلة التنزيل: ليلة رحمة وليلة سلام شَرَّفها الله وكَرّمَها حيث أنزل فيها أعظم كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أُنزِل فيها القرآن الكريم “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ”.[iii]
  • ليلة مباركة: فهي ليلة مباركة الأجر لمَن قامها، وعمل فيها بالخير، وقد وُصِفت بذلك في القرآن الكريم، قال سبحانه وتعالى: “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ”.[iv]
  • ليلة الخير والغفران: من فضائل شهر رمضان أن خصه الله سبحانه وتعالى بهذه الليلة الكريمة ليلة القدر، ليلة هي خير من ألف شهر، تُغْفَر فيها الذنوب، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه”[v]

فرصة محددة في شهر واحد، بل في العشر الأواخر من هذا الشهر، محددة في أنها تلتمس في العشر الأواخر من رمضان، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الْتَمِسوها في العشر الأواخر من رمضان”[vi]

عشر ليال فقط يقومها الإنسان لربه، يُغفَر له فيها ما تقدم من ذنبه، أي مكسب وأي ربح، أن يخرج الإنسان في ليلة واحدة مغفور الذنوب مُكَفّر السيئات، هذه هي ليلة القدر التي “تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ”[vii]

المفلح من نال خيرها والمحروم من حرم خيرها، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن  رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ”[viii]

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال دخلَ رمضانُ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : “إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ”[ix]

من علامات ليلة القدر:

ذكر العُلماء العديد من العلامات التي تكون في ليلة القدر، ومن هذه العلامات:

  • تكون السماء فيها صافية ساكنة، ويكون الجوّ فيها معتدلاً؛ غير بارد ولا حارّ، وتخرج الشمس في صباحها من غير شُعاع تُشبه القمر في ليلة البدر؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “أنَّهَا تَطْلُعُ يَومَئذٍ، لا شُعَاعَ لَهَا”[x] والشُّعاع هو: “الضوء الذي يُرى عند بداية خروجها، ويكون كالحبال، أو القضبان التي تُقبل إلى الشخص الذي ينظر إليها”.[xi]
  • تمتاز بالسكينة والطمأنينة، وراحة القلب، ونشاطه لأداء الطاعة، وتلذُّذه بالعبادة أكثر من الليالي الأخرى؛ وذلك بسبب تنزُّل الملائكة بالسكينة على العباد، لقوله سبحانه وتعالى: “تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍسَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ”[xii] [xiii]
  • وهي ليلة لا يُرمى فيها بنجم؛ لحديث واثلة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : (ليلةُ القدرِ ليلةٌ بَلْجَةٌ ، لَا حارَّةٌ ولَا بَارِدَةٌ ، ولَا سَحابَ فِيها ، ولَا مَطَرٌ ، ولَا ريحٌ ، ولَا يُرْمَى فيها بِنَجْمٍ).[xiv]
  • تكون في ليلة من ليالي الوتر في رمضان، في العشر الأواخر منه؛ عن أبي سعيد الخدري أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :”وَقَدْ رَأَيْتُ هذِه اللَّيْلَةَ فَأُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ، في كُلِّ وِتْرٍ”[xv]. يشعر بها المؤمنون بشعور داخليّ، وذلك بما يُنعم الله عليهم من نشاط في هذه الليلة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: “إنها ليلة سابعة، أو تاسعة وعشرين، وأن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى”[xvi]

دعاء ليلة القدر:

الدعاء عبادة بل هو مخ العبادة وصميمها وذلك ما جاء في حديث الترمذي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدعاء هو العبادة”، ثم قرأ: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنِّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينِ”[xvii] [xviii]

يستحب للمسلم أن يكثر الدعاء في العشر الأواخر من رمضان، ليصيب ليلة القدر إذا جاءت في أي يوم، وأفضل ما يدعو به في هذه الليلة إن شعر بها هو قول: “اللَّهمَّ إنَّك عفُوٌّ كريمٌ تُحِبُّ العفْوَ، فاعْفُ عنِّي”؛ لِما رُوي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنّها سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: “يا رسولَ اللهِ، أرأَيْتَ إنْ علِمْتُ أيَّ ليلةٍ ليلةَ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قال: قولي: اللَّهمَّ إنَّك عفُوٌّ كريمٌ تُحِبُّ العفْوَ، فاعْفُ عنِّي”[xix]

خاتمة

نحط الرحال في أبهى الليالي وأعظمها؛ إنها العشر الأواخر وما أدراك ما العشر الأواخر، فيها يزداد العمل ويزداد الأجر التماسا لليلة الكبرى؛ ليلة القدر، ليلة خير من ألف شهر، فتعتق الرقاب ويرحم العباد، ومن هديه

صلى الله عليه وسلم تحري هذه الليلة العظيمة: عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان”[xx]

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر؟ فقال: “تحروها في السبع الأواخر من رمضان”[xxi] فهي ليلة تأتي في الوتر من العشر الأواخر، أخفى الله علمها حتى يجتهد الناس في العشر لينالوا فضلها، فيجب على المسلم أن يُكثر من الصلاة والتلاوة والذكر  والدعاء وسائر الأعمال الصالحة في العشر ليدرك أجر هذه الليلة المبارك.

[i]  صحيح الجامع (1890).

[ii]  موسوعة النابلسي: https://nabulsi.com

[iii]  سورة القدر، الآية 1.

[iv]  سورة الدخان، الآية 3.

[v]  أخرجه البخاري ( 1901).

[vi]  أخرجه البخاري ( 2021).

[vii]  سورة القدر، الآيتين 4-5.

[viii]  أخرجه النسائي (4/129).

[ix]  أخرجه ابن ماجه (1644).

[x]  أخرجه مسلم (762).

[xi]  التَّنويرُ شَرْحُ الجَامِع الصَّغِيرِ، محمد بن إسماعيل بن صلاح الحسني، ط1، ج 9، ص302، بتصرّف.

[xii]  سورة القدر، الآيتين 4-5.

[xiii]  صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، أبو مالك كمال بن السيد سالم، القاهرة: المكتبة التوفيقية، ج2، ص 150، بتصرّف.

[xiv]  رواه السيوطي، في الجامع الصغير (7708).

[xv]  أخرجه مسلم (1167).

[xvi]  أخرجه الطبراني في الأوسط (2543).

[xvii]  سورة غافر، الآية 60.

[xviii]  أخرجه الترمذي ( 3247).

[xix]  أخرجه الترمذي (3513).

[xx]  أخرجه البخاري (2017).

[xxi]  صحيح بن حبان (3681).

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.