منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللغة واللهجة: معارك البقاء التي لا تنتهي

هشام ميري

0
اشترك في النشرة البريدية

نشر هذا المقال في الكتاب الجماعي (اللغة واللهجة: قضايا وإشكالات)، ويمكنكم تنزيل الكتاب من هذا الرابط.

كما يمكنكم قراءة وتنزيل المقالة بصيغة pdf من هذا الرابط: اللغة واللهجة: معارك البقاء التي لا تنتهي – هشام ميري

تقديم:

وَاهِمٌ مَنْ يعتقد أن تعريف اللغة واللهجة من اليسر بما كان، لكن هناك حروب علمية كبيرة ما تزال قائمة لإيجاد المعنى الحقيقي للغة واللهجة، كما يعتبر الوصول إلى نظرية تطور اللغات واللهجات عموما من الأمور الأكثر تعقيدا، لكننا سنحاول أن نورد تعريفا مختصرا للغة واللهجة، فاللغة هي: “تعبير عن الأفكار من خلال الحديث والأصوات إلى جانب الكلمات، وعملية الجمع بين الكلمات في جمل هي التعبير (أو الإجابة) عن تلك الأفكار”.[2]

كما أن اللغة هي استخدام الأصوات والكلمات بطريقة منهجية للوصول إلى المعاني والتعبير عنها، سواء من خلال الكتابة أو النطق، كما تتميز اللغة بكونها مجموعة من الرموز والمعاني المحكومة بسلسلة من القواعد والضوابط النحوية، فاللغة نظام اتصال مشترك بين فئة من الناس، يتمكنون بواسطته من التفاهم والتعبير عن أفكارهم عن طريق الكتابة والنطق.

فقد عرفها ابن جني (ت 392 هـ) بقوله: “هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”[3]؛ فأكد بذلك الطبيعة الصوتية للغة، ودلَّ على أنها ظاهرة اجتماعية، لا يتوفر على إحداثها واضع معين، وإنما نشأت بسبب حاجة الإنسان إلى التعبير والتفاهم مع بني جنسه.

المزيد من المشاركات
1 من 16

فاللغة على وزن “فعلة من لغوت، أي تكلمت، وأصلها: لغوة… وقالوا فيها لغات ولغون… وقيل منها: لغي يلغى: إذا هذى، ومصدره: اللغا… وكذلك اللغو، قال سبحانه وتعالى: (وإذا مروا باللغو مروا كراما)[4]، أي: بالباطل، وفي الحديث: “من قال يوم الجمعة: صه، فقد لغا”[5]؛ أي: تكلم.

وعند المحدثين، فهي مجموعة من اللهجات التي تنتمي إلى بيئة معينة[6]؛ فاللغة أشبه بالنبات، من خصائصها أنها تحيا بالرعاية والاستعمال، وتموت بالتَّرك والإهمال.

أما اللهجة تؤدي نفس الوظيفة من حيث التعبير عن الأفكار بواسطة الكلمات والجمل، لكن اللهجة تعتبر من اللغة أو نسخة محكية عنها، حيث تجتمع عدة لهجات في لغة واحدة تكون أقل انصياعا إلى القواعد اللغوية والنحوية، كما أنَّ اللهجة لا تكون مكتوبة ولا تدخل في نظم التعليم لأنها خالية من القواعد.

واللهجة أكثر خصوصية من اللغة كونها تميز فئة أضيق من الناطقين بلغة واحدة، حيث يتمكن الناطقون بالعربية من فهم بعضهم البعض لكنهم إن لم يتلقوا تعليمًا خاصا لن يتمكنوا من فهم الناطقين بلغة أجنبية كالفلامانية أو الألمانية، حيث تأتي اللهجة كتبسيط لقواعد اللغة والتخلص من قيودها واستغلال مرونتها في إدخال مصطلحات جديدة بشكل مستمر.

جاء في المقاييس: “اللام والهاء والجيم: أصل صحيح يدل على المثابرة على الشيء وملازمته، والأصل آخر يدل على اختلاط في الأمر. يقال: لهج بالشيء: إذا أغري به وثابر عليه وهو لهج. وقولهم: هو فصيح اللهجة، واللهجة: اللسان بما ينطق به من الكلام، وسميت لهجة؛ لأنه كلا يلهج بلغته وكلامه؛ والأصل الآخر قولهم: لهوجت عليه أمره: إذا خلطته”[7].

أما من حيث الاصطلاح، فاللهجة تسمى العامية أو المنطوقة أو المحكية أو المحلية أو الدارجة، وهي “اللسان الذي يستعمله عامة الناس مشافهة في حياتهم اليومية لقضاء حاجاتهم والتفاهم فيما بينهم”[8]؛ فهي اللهجة اليومية العفوية المكتسبة في السنوات الأولى للإنسان والتي يستعملها في تعاملاته العامة، وتختلف من منطقة إلى أخرى في سائر البلدان.

واللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث: مجموعة من الصفات اللغوية التي تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة.

أولا: علاقة اللغة باللهجة:

إن علاقة اللغة باللهجة هي علاقة بين العام والخاص؛ لأن اللغة تشتمل على عدة لهجات لكل منها ما يميزها، وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية والعادات الكلامية التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات”[9]، ومما لا ريب فيه أن اللهجة متفرعة عن اللغة المشتركة ومتأثرة بها وإن كانت تشويها أو تحريفا لها”[10].

وما ينبغي التنبيه إليه أن اللهجات العربية قديما كانت قريبة من اللغة الفصحى في خصائصها ومميزاتها بخلاف بعض الفوارق الصوتية مثل عنعنة تميم -التي تبدل فيها الهمزة عينا، وفحفحة هذيل، بإبدال صوت الحاء عينا، وتلتلة بهراء بكسر حرف المضارعة وغيرها”[11]. وحينئذ أمكن تسمية اللهجة لغة، ولكن بمرور الزمن واختلاط العرب بغيرهم من الأعاجم، نتجت لهجات أخرى ضمت كلمات فصيحة وأخرى معربة وثالثة دخيلة، مما وسع الهوة بين اللغة الفصحى واللهجة، وتعذر تسمية الثانية بالأولى، وأصبحت أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى.

ولنتعمق في هذا الطرح، لابد من الحديث عن نشأة اللغات الأولى؛ فهناك من يقول إنّ اللغة نشأت بشكل تدريجي ومستمر، بحيث إنّ أجدادنا طوّروا هذه اللغة شيئا فشيئا من أنظمة صوتية سابقة حتى وصلوا إلى اللغات المستخدمة حاليا بالتعقيد الذي توجد فيه، ومنهم من يقول إنّ اللغات نشأت فجأة بين البشر ومثال هذا من يؤمن بأنّ الله هو من علّم الإنسان اللغة، وهنالك من يؤمن بأنّ اللغة ظهرت نتيجة لطفرة وراثية أصبح من خلالها الإنسان قادرا على التكلم.

أما اللهجة فنشأت عن اللغات المختلفة وانحرافها شيئا فشيئا عنها، وعندما يصبح هذا الانحراف كبيرا عن اللغة الأصلية ترتقي اللهجة لتصبح لغة قائمة بذاتها، وهكذا تنشأ اللغات المختلفة عن اللغات الأم، مرورا بمرحلة كانت تسمى به لهجات مختلفة، فلو افترضنا أن الإنسان كان يتحدث لغة واحدة عندما كان كل سكان الأرض مجتمعا واحدا يسكن مكانا واحدا، ومن ثمّ كبر هذا المجتمع وتوسّع في الأرض ليسكن المناطق المختلفة فيها، والتي كانت فيها العديد من الأمور التي لم يعرفها في بيئته السابقة، فلو افترضنا أنّ المجتمع الأول كان يسكن في الغابة فإنّه لن يعرف العناصر الموجودة في الصحراء على سبيل المثال أو عند البحر، ولهذا وتأثرا بالعناصر التي حوله بدأ لسان هذا المجتمع ينحرف شيئا يسيرا عن اللغة الأصلية فأصبحت تسمّى باللهجة، ومع المدة وتعاقب الأجيال أصبحت هذه اللهجة مبتعدة كثيرا عن اللغة الأصل، بحيث أصبحت لغة قائمة بحدّ ذاتها.

ثانيا: تأثر اللهجات واللغات:

تتأثر اللهجات واللغات بالعديد من العوامل المختلفة، فقد ذكرنا سابقا تأثر اللغة بالبيئة التي يسكنها أهلها، إلّا أنّ العديد من العوامل المختلفة تؤدي إلى تغيير اللغة واللهجة، فبإمكاننا على سبيل المثال ملاحظة هذا الأمر في اللهجات العربية المختلفة – والتي لم ترتق إلى اللغات بسبب حفظ اللغة العربية من خلال القرآن الكريم والآثار القديمة وارتباطها ارتباطا وثيقا بالدين الإسلامي- فبالرغم من كون اللغة العربية هي اللغة الأم لجميع الدول العربية؛ إلّا أنّ اللهجات العربية كثيرة، ومن الممكن أن توجد عشرات اللهجات حتى في الدولة الواحدة، فتأثرت اللهجات العربية على سبيل المثال باللغات الأم التي كان يتحدث بها أهل تلك الدول، فكما انتشرت العربية في بلد غير عربي، كلما أرسى العلماء العرب قواعد اللغة العربية وفقا للقرآن الكريم والآثار العربية القديمة؛ خوفا عليها من الضياع. وحتى في القرون الحديثة نجد أنّه حصل تطور كبير في اللهجات العربية المختلفة، فازداد الاختلاف فيها عما مضى، وذلك نتيجة دخول العديد من المصطلحات الجديدة على اللغة، والتي تم إدخالها واستخدامها وفقا للمصطلحات الأجنبية، كالتلفاز أو الراديو أو غيرها، بالإضافة إلى الاحتلال التي عانت منه الدول العربية لفترة طويلة، والذي أدّى إلى اختلاف لهجة كل منها وفقا للهجة محتلّها.

ثالثا: استخدام العامية كلغة بديلة عن اللغة العربية

كثرت الدعوات إلى استخدام العامية واللهجات كلغة بديلة عن اللغة العربية وبرزت هذه الدعوات في عدة أقطار عربية دعت صراحة إلى استخدام اللهجة المحكية في الكتابة والتدريس كلغة مستقلة عن اللغة العربية، فكانت أبرز هذه الدعوات دعوة تيار مارون غصن من لبنان عام 1929م، ونحا منحاه الشاعر اللبناني الراحل سعيد عقل إلى استخدام العامية اللبنانية كلغة بديلة عن اللغة العربية[12]؛ كما شهدت مصر تيارا يدعو إلى استخدام العامية المصرية في الكتابة بديلا عن العربية الفصحى، وربما كان أبرز انعكاسات هذا التيار حتى الآن هو افتتاح ويكيبيديا اللهجة المصرية كمقابل للفصحى[13]. ولم يكن المغرب في معزل عن هذه الدعوات، حيث نشأ جدل كبير في المملكة المغربية حول الدعوة إلى استخدام اللهجة الدارجة في التعليم بدلا من العربية الفصحى، حيث قاد هذا التيار عام 2013م نور الدين عيوش عضو المجلس الأعلى للتعليم المغربي ورئيس مؤسسة زاكورة للتربية.

لكنَّ هذه الدعوات جميعا (لبنان، مصر، المغرب) واجهت احتجاجا كبيرا من المثقفين والعلماء والمفكرين الصادقين مع أنفسهم والأوفياء لأمتهم كالرافعي وأحمد زكي ومحمود العقاد ومحمود شاكر وعمر فروخ وأنور الجندي وآخرين[14]؛ وأبانوا عما فيها من مغالطات وما تُخفيه وتتستَّر عليه من أهداف مقيتة. ولم تؤتِ ثمارها حتى الآن، علما أن أغلب الداعين إلى استخدام اللهجات الدارجة بدل اللغة العربية الفصحى يبررون دعواتهم هذه بجمود الفصحى وخروجها من دائرة الاستعمال اليومي بشكل كامل.

رابعا: تنامي ظاهرة الإلحاح على الدعوة لاستعمال الدارجة (النموذج المغربي)

إن المُتَتبِّع للوضع اللغوي بالمغرب يلاحظ بوضوح تنامي ظاهرة الإلحاح على الدعوة لاستعمال الدارجة المغربية خلال الفترة الأخيرة بشكل مُثير ولافت جدا. نلاحظ ذلك أولا على المستوى النظري: فيما نسمع ونقرأ ونرى، يوما بعد آخر، من تزايد عدد الأصوات والمنابر والكتابات التي تدعو إلى هذه الدارجة، تُغازلها وتُمَجِّدُها وتتنافسُ في اكتشاف محاسنها وتَعداد مزاياها وفوائدها، وتدعو لترسيمها واعتبارها اللغة الوطنية التي يمكن أن يجتمع حولها جميع المغاربة بدل الفصحى، ويمكن أن تصلُح للاستخدام في التعليم والإدارة وكل المجالات. ونلاحظُه ثانياً على المستوى العَمَلي: فيما هو حاصل بالفعل من اكتساح الدارجة لأهم فضاءات الإعلام (ظهور صحافة مكتوبة بالدارجة، ظهور إذاعات وقنوات فضائية مخصصة كلّيا لاستعمالها والترويج لها وتعميمها، طغيان استعمال الدارجة في برامج القنوات الفضائية والمحطّات الإذاعية الرسمية، حتى أضحى الصحفي صلاح الدين الغماري من القناة الثانية مستحوذا بشكل لافت، متحدثا بالدارجة وهو يخاطب المغاربة حول أخذ الحيطة والحذر من جائحة كورونا.

إضافة إلى ذلك نلاحظ باستغراب تدخل عناصر أجنبية عن البلاد في المشكل اللغوي الخاص بالمغرب، لا بغاية الدراسة أو الوصف العلمي الأكاديمي المُحايِد، ولكن بصفة القاصد المُتعمِّد لتوجيه السياسة اللغوية للمغرب نحو الوجهة التي يراها صالحة لنا. فيُنصِّبُ من نفسه مُوجِّهاً تربويا ومُرشِدا لغويا لما ينبغي وما لا ينبغي عملُه، وقاضيا يُصدر الأحكام على هذه اللغة أو تلك، ويشتُم هذه ويمدح تلك. وكأنه لا يعلم أن مسألة اختيار اللغة بالنسبة لشعب من الشعوب هي مسألةُ سيادة لا يجوز لأجنبي أن يتدخَّل فيها؛ وكأننا أمام استمرارية لاستعمارية امبريالية جديدة، لكنها أحيانا كثيرة تكون استمرارية من أبناء جلدتنا.

فغيرُ خافٍ على أحد أن تفاقم حجم هذه الظاهرة، وبهذا الشكل المثير والزَّخَم الكبير الذي لم يسبق أن عرفه المغرب خلال مرحلة الاستقلال كلها -بتوسيع فضاءات استعمال الدارجة وتعاظُم الضغوط المُمارَسة لصالحها، وتضخُّم حجم الأصوات الداعية إليها -جاء مقترنا بِـ “تفاقم ظاهرة أخرى سارت معها جنبا إلى جنب، وبوتيرة واحدة، وهي ظاهرة توسيع استعمال اللغة الفرنسية وفتح كل المجالات أمامها”[15].

اللغة العربية منذ عهد قديم لها في الاستعمال:

– مستوى أدبي وعلمي، ووظيفتُه أن يُستخدَم في التعليم والإدارة والثقافة والمجالات العلمية والأدبية والدينية، وهو المستوى الذي يُطلَقُ عليه اسم العربية الفصحى التي من خصائصها أنها مشتركة بين كل الناطقين بالعربية من عرب وعجم ومسلمين وغيرِهم. وهناك مستوى آخر، تمثلُه لغة التعبير البسيط الدارج بين الناس في البيت والشارع والسوق والمعمل، وتقتصر وظيفته على تأمين التواصل العادي بين مختلف طبقات المجتمع وفئاته من المتعلمين وغيرهم، بين من يتقن الفصحى ومن لا يتقنها؛ وحين كان الوضع في العربية مستقرا على هذا النحو الطبيعي طيلة القرون الماضية كما لاحظ ذلك فِرجسون، لم يكن أمر الدارجة يثير دهشة أو انزعاجا من أحد، “فليس منا من لا يستعمل العامية أو الدارجة ويتواصل بها في حدود الوظيفة الموكلة لها بشكل تلقائي منذ قرون، إلى درجة أنها أصبح لها بدورها مستويات أو سجلات من الاستخدام متعددة ومتفاوتة”[16]؛ لكن الاستغراب اليوم هي هذه الدعوات المتزايدة، والظاهر أنها ليست بريئة – في اعتقادنا –

إن الذي يدعونا للخوض في موضوع العامية (أو الدارجة) بالمغرب، هو أن الذين يدافعون عن اللهجة أصبحوا يتحدثون عنها وكأنها العصا السحرية التي سوف تنقذ المغرب من تخلّفه الاجتماعي والاقتصادي والتنموي وتردِّي مستواه التعليمي، وهي التي تنقله بقدرة قادر إلى عصر الحداثة والتقدمية والديموقراطية، وأن كل المشاكل التي يعاني منها المغرب هي بسبب التشبث بالفصحى؛ هذه اللغة الميتة في نظرهم. وما يزيد من تفاقم المسألة هو أن الحديث عن العامية، واللغة بصفة عامة، لم يعد حديثا عاديا يعالجه وينشغل به المؤهلون لذلك من الباحثين المختصين والمحيطين بالموضوع، و”إنما أصبح مسألة لها أبعاد إيديولوجية، وشأنا شعبويا يفتي فيه العارِف والجاهل على السواء، وموجة يركب عليها أصحاب الأهواء من التيارات السياسية”[17].

خامسا: ثنائية الفصحى والعامية:

الحديث عن ثنائية الفصحى والعامية في اللغة العربية ليس جديدا في لغتنا، فهو حديث قديم متجدد خاض فيه وتناوله بالدرس والتحليل لغويون ودارسون كثيرون عرب ومستعربون، واهتم به القدماء من أسلافنا من خلال تأليفات عرفت بكُتُب لحن العامة أو حركة التصويب اللغوي، امتدت عبر تاريخنا الإسلامي من القرن الثاني الهجري (التاسع الميلادي) إلى يومنا هذا. فهي إذن ظاهرة مألوفة وموجودة في كل اللغات بنسب متفاوتة، ورصدها العلماء والدارسون في لغتنا منذ القديم، ولم تكن في يوم من الأيام عائقا يحول دون تطور الفصحى ونموها وانتشارها. كل ما هنالك أن العربية مرت عبر تاريخها الطويل بمراحل مد وجزر، فازدهرت تارة عندما ازدهرت حضارة مُستعمليها، وأصبحت – طيلة قرون – اللغة الحاملة للعلوم الدقيقة والآداب الرفيعة والفكر والفلسفة والثقافة، وعبرها تمَّ نقل المعارف العلمية إلى الغرب الذي بنى عليها نهضته الحديثة، ثم عرفت بعد ذلك مراحل تراجع بسبب تراجع أهلها وتخلفهم خلال فترة الانحطاط، ثم دار التاريخ دورته، وجاء عصر النهضة الحديثة، فبدأت العربية تدخل مرحلة جديدة من الصعود والتطور والارتقاء؛ فاللغة كائن قابل للتمدد والانكماش، ووضع أي لغة إنسانية تابع لوضعية أهلها، يزدهر بازدهارهم وينكمش بانكماشهم. واللغة أيضا هي أشبه بالنبات، من خصائصها أنها تحيا بالرعاية والاستعمال، وتموتُ بالترك والإهمال.

وكانت دعوات هؤلاء وأمثالهم الذين أرادوا أن يرسموا للأمة العربية سياستها اللغوية، غالبا ما تستند في الظاهر إلى مبررات مغلوطة وواهية تتلخص في المقولات المشهورة الآتية:

– الفصحى لغة صعبة والدارجة لغة سهلة ميسرة.

– الفصحى لغة قديمة وميتة؛ أي أنها لا تستعمل إلَّا في الكتابة وفي حدود ضيقة) بينما العامية لغة حية وتتطور باستمرار، وتستعملها كل الطبقات الاجتماعية.

– الثنائية (استعمال الفصحى والعامية) مشكلة كبيرة تعاني منها اللغة العربية مما يحتِّم عليها أن تنحو نحو اللغات الأوروبية التي تخلصت من اللاتينية واستعملت لغاتها الخاصة فتمكنت من التطور.

تبقى هذه المبرِرات واهية، لأن هناك عشرات النصوص التي تشهد بالنية المصرَّح بها لمحاربة اللغة العربية وتعليم القرآن الكريم، لأنه بتعليم العربية ينتشر الإسلام في المنطقة، ونشر الإسلام يسير في ركابه نشر الثقافة العربية، والأمران معا ضد سياسة فرنسا ومصالحها”[18]؛ ويكفينا هنا أن نذكِّر بما قاله جودفروي ديمُونبين في كتابه: الذي طبع في باريس سنة 1828م بعنوان: L’œuvre française en matière de l’enseignement. وفيه يقول متحدثا عن السياسة اللغوية التي رسمتها فرنسا للتعليم بالمغرب: “على أن برامج سنة 1920م قد أبعدت من جميع المدارس القروية دراسة العربية الفصحى، وأوصت بعدم فتح كُتّاب جديد في الأرض التي لا يكون موجودا بها من قبل”[19]. ويقول أيضا في موضع آخر متحدثا عن السياسة التعليمية الفرنسية بالمغرب: “وترتكز -أي هذه السياسة -على عدم إقامة كُتّاب قرآني في المدرسة حين لا يكون له وجود بالمنطقة، وعلى عدم تعليم العربية الفصحى للأطفال”[20]؛ قول ديمُونبين واضح في إبراز سياسة فرنسا تُجاهَ اللغة العربية الفصحى كانت واضحة لا لبس فيها، وهي محاربة هذه اللغة بكل وسيلة ممكنة وقطع الصلة بكل ما يؤدي إلى نشرها وتعلمها.

لقد اجتمعت مصلحةُ الاستعمار الإنجليزي والفرنسي بالمشرق والمغرب، في القضاء على العربية الفصحى، والقضاء على هذه الفصحى تكمن وراءه عدة أهداف سياسية واقتصادية وثقافية ولغوية؛ والذي يؤكد هذا الاستهداف قولة ليوطي التي سارت شعارا يلخص الخطة الواضحة للاستعمار الفرنسي، وهي أن “العربية عامل من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه العربية يتم تعلمها بواسطة القرآن، بينما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج الإسلام”[21]. أما الاستعمارُ الإنجليزي فقد قال بلسانه ويليام جيفور ديلجراف: “متى توارى القرآن ومدنية مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه. ولا يمكن أن يتوارى القرآن حتى تتوارى لغته”[22].

إن أهم أهداف دعاة محاربة الفصحى هي الوصول إلى مزاعم باطلة مفادها أن العربية الفصحى عائق كبير أمام تطوُّر العرب وتقدمهم.

والمهمُّ هو أن نفهم، ويفهم المواطن المغربي، أن كل هذه الأطروحات التي تروّجُ حول هذه المسألة، إنما هي عبارةٌ عن حُزمة من المغالطات والتناقضات التي تفضي جميعها إلى حقيقة واحدة، وهي أن طرح مشروع الدارجة لا يؤدي إلى شيء يفيد المغرب في هذا الوقت ولا في أي وقت آخر، وإنما يؤدي فقط إلى:

– مُحاربةُ العربية الفصحى وإقصائها من كل الفضاءات والمجالات التي بقيت لها، وإحلال الفرنسية محلّها. وفي ذلك قطع نهائي لصلة الأجيال القادمة بكل تراثها العربي الإسلامي المغربي منه والمشرقي القديم والحديث على السواء، بل فيه أيضا قطع الصلة مع القرآن نفسه الذي لا يمكن فهمه فهما حقيقيا والتعامل معه تعاملا صحيحا إلا بالعربية الفصحى.

– إعطاء الفرنكفونية مزيدا من الوقت لتحتل مزيدا من المساحات والميادين وتتجذَّر فيها وتترسَّخ، وتسيطر وتُهيمن بصفة مطلقة.

– شغل الرأي العام المغربي وإلهائه بالخوض في أمور عقيمة مثل هذا الموضوع، لكي ينصرف عن التفكير الجدي في تنمية لغته الوطنية -وهي العربية الفصحى وتطويرها وإغنائها، وتيسير طرق تعلمها وانتشارها. لأن المشكلة الحقيقية ليست في اللغة ذاتها ولكن في الطرق والأساليب المستعملة في وصفها وتعليمها.

– صرف النظر عن التفكير الجدي في البحث عن الأسباب الحقيقية لفشل منظومة التعليم وعلى رأسها انخفاض مستوى التحصيل وضعف المردودية، وفشل الميثاق الوطني طيلة السنوات التي مضت في الوصول إلى نتائج مرضية، وتعليق هذا الفشل كله على مشجب اللغة العربية رغم كونها المتضرر الأول من تخبط السياسة التعليمية.

– تعطيل الحركة الحية في البلاد عن الانكباب على إنجاح مشاريع التنمية الاجتماعية الشاملة التي لا يمكن أن تتم على الوجه الكامل والسليم إلا بلغة وطنية قوية وموحدة، كما لا يمكنها أن تنجح في ظل معارك وهمية وصراعات لغوية مصطنعة تشغلنا عن الأمور المهمة والأوراش الكبرى التي ينبغي الانكباب عليها.

خلاصة:

تعتبر اللغة قياسية ومفهومة من قبل جميع الناطقين بها بينما تعتبر اللهجة أكثر خصوصية؛ من جهة أخرى فاللغة أكثر استقرارا من اللهجة، على الرغم أنَّ اللغة تتأثر بتيارات معينة وتتطور بإضافة ألفاظ جديدة، لكن اللهجة سهلة الاختراق أكثر من اللغة، لأنَّ اللغة تبقى محكومة بمجموعة من القواعد والضوابط التي تفتقر إليها اللهجة، كما هو الحال مع أغلب اللهجات العربية التي تأثرت بالاستعمار الفرنسي والإنجليزي بينما كانت اللغة أقلَّ تأثرا.

وإذا كانت الفصحى لغة موحدة القواعد والاستعمال بين سائر الأقطار العربية وكل الناطقين بها، فإن العامية من خصائصها أنها متباينة ومختلفة الاستعمال من قطر إلى آخر، بحكم اتساع الرقعة الجغرافية لانتشار العربية من المحيط إلى الخليج. وحتى داخل البلد الواحد، تختلف العامية من منطقة إلى أخرى، بسبب العزلة التي كانت مضروبة على كل منطقة منها، حين لم تكن وسائل الاتصال متوفرة بشكل سريع وفعال كما في وقتنا الحاضر. ولا شك في أن انتشار التعليم واتساع شبكة الطرق وتعميم الإذاعة والتلفزة والصحافة المكتوبة ووسائل النقل السريع، كان لذلك كله أثره الكبير في التقريب بين اللهجات داخل القُطر العربي الواحد، وحتى بين الأقطار العربية بعضها ببعض.

البيبليوغرافيا

  • أبو الفتح عثمان ابن جني، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1371هـ -1952م.
  • أحمد بن شعيب النسائي، سنن النسائي، ط-مؤسسة الرسالة ناشرون.
  • أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر، 1399هـ -1979م.
  • أحمد بن فارس بن زكريا الرازي أبو الحسين، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، ط 1، 1418 هـ -1997م.
  • الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، دار ابن كثير، لبنان.
  • أنور الجندي: الفصحى لغة القرآن. دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر والتوزيع السلسلة، الموسوعة الإسلامية العربية، 1982م.
  • بوجمعة وعلي، الفرنكوفونية انفتاح لغوي أم استعمار ثقافي، مجلة الإشعاع، العدد التاسع، شتنبر 2017م.
  • صبحي الصالح: دراسات في فقه اللغة، دار الملايين، بيروت، لبنان، 2009م.
  • عبد العلي الودغيري الفرنكوفونية والسياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية بالمغرب، السلسلة الجديدة، رقم7، ط 1، الرباط، كتاب العلم، 1993م.
  • عبد العلي الودغيري، الدعوة إلى الدارجة بالمغرب، الجذور والامتدادات -الأهداف والمسوغات -في الدارجة والسياسة اللغوية في المغرب، المركز المغربي للدراسات والأبعاد المعاصرة، 2010م.
  • عبد العلي الودغيري، اللغة والدين والهوية، ط 1، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 2000م.
  • عبد القادر عبد الجليل: الأصوات اللغوية، دار صفاء للنشر والتوزيع، 1998م.
  • القرآن الكريم.
  • محيسن محمد سالم: المقتبس من اللهجات العربية والقرآنية، مؤسسة شباب الجامعة، 1986م.
  • نايف معروف: خصائص العربية وطرائق تدريسها، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، 1998م.

[2] هو تعريف عالم اللغويات والصوتيات الإنجليزي هنري سويت (Henry Sweet1845-1912).

[3] ابن جني: الخصائص، ج 1، ص 32.

[4] سورة الفرقان، الآية 72.

[5] البخاري: صحيح البخاري، ج 2، ص 6، والنسائي: سنن النسائي، ج 3، ص 84.

[6] محيسن محمد سالم: المقتبس من اللهجات العربية والقرآنية، ص 7.

[7] ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص -ص 214 -215، مادة (لهج).

[8] نايف معروف: خصائص العربية وطرائق تدريسها، ص 55.

[9] محيسن محمد سالم: المقتبس من اللهجات العربية والقرآنية، ص 7.

[10] صبحي الصالح: دراسات في فقه اللغة، ص 360.

[11] وقد سماها ابن فارس “اللغات المذمومة”: الصاحبي في فقه اللغة، ص 56 -57، وينظر، عبد القادر عبد الجليل: الأصوات اللغوية، ص 132 – 135.

[12] أنور الجندي، الفصحى لغة القرآن، من كلام ويلمور، ص 131.

[13] نفسه، ص 138.

[14] الفرنكوفونية والسياسة اللغوية الفرنسية بالمغرب، الدكتور عبد العلي الودغيري، ص 168.

[15] الفرنكوفونية والسياسة اللغوية الفرنسية بالمغرب، الدكتور عبد العلي الودغيري، ص 162.

[16] يمكن أن نذكر من هذه المستويات على سبيل المثال: 1) دارجة راقية قريبة من الفصحى، ويستخدمُها عادةً، طبقةُ المتعلمين الآخذين بنصيب وافر من العربية الفصحى. وبها يُنظَم شعرُ الملحون والزَّجل، وتُفسَّرُ بعضُ الدروس الدينية وتقدَّمُ بعضُ البرامج الترفيهية الجيدة المستوى في الفضائيات والإذاعات. 2) دارجة وُسطى يستعملها عامةُ الناس في الشوارع والأسواق والبيوت ومختلف طبقات المجتمع: من متعلِّمين وغير متعلِّمين، ويكثُرُ فيها الخليطُ من العربي والأمازيغي والدخيل الأوروبي. 3) دارجة ساقطة مبُتذلة، تستعملُها فئةٌ خاصة من أدنى طبقات المجتمع تعلُّماً، ولها معجمٌ أو معاجم خاصة. 4) مستوى يستعمله المتأثِّرون بالثقافة الفرنسية أو الأجنبية عموماً، وهو لغةٌ هجينة لا هي بالعربية ولا بالأجنبية، وإنما كلمةٌ من هنا وأخرى من هناك.

[17] الفرنكوفونية والسياسة اللغوية الفرنسية بالمغرب، الدكتور عبد العلي الودغيري، ص 171.

[18] ينظر: الفرنكوفونية والسياسة اللغوية الفرنسية بالمغرب، الدكتور عبد العلي الودغيري، ص 168.

[19] نفسه.

[20] نفسه، ص 169.

[21] أنور الجندي: الفصحى لغة القرآن. ص 166.

[22] نفسه.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.