منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللغة واللهجة: أية علاقة؟

عز الدين أبوعنان

0
اشترك في النشرة البريدية

نشر هذا المقال في الكتاب الجماعي (اللغة واللهجة: قضايا وإشكالات)، ويمكنكم تنزيل الكتاب من هذا الرابط.

كما يمكنكم قراءة وتنزيل المقالة بصيغة pdf من هذا الرابط: اللغة واللهجة: أية علاقة؟ – عز الدين أبوعنان.

تقديم

تتأطر هذه الورقة البحثية ضمن هاجس معرفي، يتغيا توصيف طبيعة العلاقة بين اللغة واللهجة على نحو يسهم في إضاءة الإشكالات اللغوية التي تعتري اللغة في علاقتها باللهجة. فاللغة هي وعاء للفكر والثقافة والمعرفة ووسيلة للتواصل مع تراث الأمة وأداة مباشرة للنهضة والتنمية البشرية ووسيلة التفكير التي تحدد رؤية العالم. لذلك شكلت معرفتها أهم ركيزة لتحصين الهوية والذات والشخصية، فكل إنسان يحتاج إلى لغة يعبر بها عن أغراضه لأنها فكره ولسان حاله المعبر عن تراثه وهويته وماهيته. وتضطلع اللهجة بدور محوري وأساسي في تحديد معالم الهوية الجماعية، فلكل جماعة لغوية لهجتها التي تتعدد بتعدد الجماعات اللغوية، الأمر الذي يقودنا إلى البحث عن ماهية اللغة واللهجة والكشف عن العلاقة الجامعة بينهما من خلال طرح جملة من الإشكالات يمكن صوغها على النحو الآتي: ما علاقة اللغة باللهجة؟ وما العناصر المشتركة بينهما؟ ما أوجه الاختلاف التي تقود إلى تفضيل أحدهما عن الآخر؟ وما العوامل المتدخلة في هذا التمايز والتفاضل؟ كيف تحيا اللغة العربية مع أخواتها من اللغات واللهجات الأخرى؟ وكيف تدبر البلدان العربية هذا التعايش ضمن سياستها اللغوية؟

إشكالات سنحاول الإجابة عنها من خلال المباحث الآتية:

المبحث الأول: اللغة واللهجة: أية علاقة؟

المزيد من المشاركات
1 من 16

المبحث الثاني: اللغة واللهجة: وهم المفاضلة.

المبحث الثالث: السياسة اللغوية في البلدان العربية: واقع اللغة العربية ودور البحث العلمي في تطويرها.

المبحث الأول: اللغة واللهجة: أية علاقة؟

قبل بحثنا في العلاقة الجامعة بين اللغة واللهجة، كان لزاما علينا البحث في الماهية، لأن هذا البحث يمكننا من تحديد طبيعة العلاقة، لذا سنكتفي بتعريفات بعض الباحثين.

المطلب الأول: اللغة: بحث في الماهية

حظيت اللغة بعناية فائقة من لدن الفلاسفة والمفكرين واللغويين، اذ اختلفت دلالاتها باختلاف المرجعيات الفكرية المؤطرة والمقاربات النظرية الموجهة التي يتكئ عليها كل باحث. فاللغة كما عرفها أبو الفتح عثمان بن جني في كتابه الخصائص” أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”[2] ظاهر من هذا التحديد أن اللغة نظام من الأصوات المختلفة من حيث صفاتها ومخارجها يستخدمها الأفراد داخل مجتمعاتهم في التواصل الذي يؤطره توفر هذه المجتمعات على سنن أو شفرة تيسر عملية الفهم وتحقق الغاية من التخاطب والتواصل، وهنا يتبدى البعد التواصلي والنفعي للغة. وقد وافقه على تحديده سائر القدماء من علماء اللغة العرب، غير أن هذا التعريف يقصر اللغة على الأصوات الإنسانية المعبرة عن الأغراض ويخرج عن غيرها.

واللغة نظام من الإشارات والرموز والعلامات، فاستعمال القبعة مثلا للتحية من قبل صديقين، يصلح للتعبير عن مواقف متنوعة لها عنصر مشترك، ونفس الحال بالنسبة للوحات الطريق الاشارية التي تعلن عن طريق منحرف…[3]

وتتحدد اللغة عند صاحب المقدمة في قوله: “إن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصودة وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام فلابد ان تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في كل امة بحسب اصطلاحاتهم”[4]، فابن خلدون أشار في هذا التحديد إلى الجانب الوظيفي للغة، فلكل قوم لغة خاصة بهم كما أن اللغة ظاهرة اجتماعية بحسبه.

واللغة عند سوسير، نظام من الرموز الصوتية الاصطلاحية في أذهان الجماعة اللغوية تحقق التواصل بينهم ويكتسبها الفرد سماعا من جماعته” فاللغة إذا، نظام من العلامات له قواعده الخاصة ويتأسس على وجود علاقات.

إن اللغة ظاهرة ثقافية، ومن خصائص الظاهرة الثقافية الاكتساب، فالإنجاز الفردي للغة (الكلام) يرتبط ارتباطا وثيقا بالهوية الفردية التي تجعل الناس يتميزون بطريقتهم في الكلام وخاصة في اختلاف أصواتهم وطريقة نطقهم لبعضها وامتلاكهم لمعجم يختلف في كثير من مكوناته عن الآخرين.

المطلب الثاني: في معنى اللهجة وعلاقتها باللغة.

اللهجة هي لغة الإنسان التي جبل عليها واعتادها ونشأ عليها، وقد أطلقت اللهجة على اللسان أو طرفه فهو آلة التحدث بها، إنها طريقة معينة في الاستعمال اللغوي توجد في بيئة خاصة من بيئات اللغة الواحدة، لذا يمكن القول انها عادات كلامية لمجموعة قليلة من الناس ضمن مجموعة أكبر تتكلم لغة واحدة.[5] وقد عرفها الدكتور ابراهيم انيس:” بأنها مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة، وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع واشمل تضم عدة لهجات لكل منها خصائصها ولكنها تشترك جميعا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسر اتصال افراد هذه البيئات بعضهم ببعض… وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات هي التي اصطلح على تسميتها باللغة”[6].

إن اللهجة تبعا للتحديد أعلاه هي جزء من اللغة، فالعلاقة بين اللغة واللهجة هي علاقة الكل بالجزء أو العام بالخاص، انها علاقة تداخل وتعايش يأتلفان وينصهران. فاللهجة اتجاه منحرف داخل اللغة وكلاهما يتصل بالصوت، فاللغة ترتبط به من حيت إفادة المعنى واللهجة من حيث صورة النطق، واللهجة إذا وفت بحاجة الجماعة واتصفت بخصائص جديدة أمكن لها أن تسمى لغة بحيث تنضج قواعدها ونظمها الصوتية والصرفية والتركيبية لأنها تستمد هذه العناصر من اللغة.

المبحث الثاني: اللغة واللهجة: وهم المفاضلة.

تبعا للعلاقة الأنفة الذكر فلا مفاضلة بينهما في واقع الأمر لأنهما يشكلان ملامح الهوية الفردية والجماعية وينميان العلاقات مع الآخرين إضافة إلى الإحالة على الأصل الطبقي والعرقي والديني والجغرافي. وفي هذا الصدد يقول التهامي الراجي:” إن الخطاب اللغوي يحمل معه زيادة على مضمونه المتمثل في التبليغ والتخاطب فوائد أخرى عديدة لا يعثر عليها إلا في كلام الكائن الناطق، انه يتضمن معلومات ثمينة يبلغها إلى السامع الذي يستطيع أن يعرف من جرس صوته، زيادة على جنسه وسنه حالاته الصحية والمناطق الجغرافية التي ينتسب إليها والطبقة الاجتماعية التي أثرت فيه…”[7] فمن طريقة كلامنا ولهجتنا إذا نشكل تصوراتنا عن هويات بعضنا البعض، وفي هذا السياق يقول جون جوزيف:” إن اتصالنا بالناس في عدد كبير من الحالات لغوي بحث يجري عبر الهاتف أو الانترنت والرسالة أو عبر قراءتهم بوصفهم شخصيات في كتاب إلى غير ذلك وتحت هذه الظروف يبدو أننا قادرون على تفحصهم وعلى معرفة ماهيتهم حقا – معرفة تلك الهوية الخفية مرة أخرى – بشكل مرض أكثر مما لو اكتفينا رؤيتهم ولم يحصل بيننا أي اتصال لغوي”.[8]

إن تفضيل اللغة على اللهجة أو العكس مرده إلى عوامل سياسية، فالساسة والحكام يعدلون خطاباتهم بشكل يحقق مآربهم وأغراضهم السياسية عبر إضفاء أو تجريد أحاديثهم من كل المظاهر الصوتية والصرفية والمعجمية حتى يقبل بها المخاطب وتكون مفهومة لديه، فقد يخاطب فئة بلهجتها ويضفي عليه اساليب وحجج بغرض الإقحام والإقناع. كما تلعب وسائل الإعلام دورا أساسيا في تشكيل لغة عامة يفهمها الجميع للتأثير في المتلقين ودفعهم إلى الفعل، فاللهجات تتوحد لتشكل لغة عامة. ويمكن للمجموعة ان تتخلى عن لهجتها من خلال العلم والثقافة والدين لتتوجه صوب لغة موحدة (بكسر الحاء) وموحدة (بفتح الحاء).

المبحث الثالث: السياسة اللغوية في البلدان العربية: واقع اللغة العربية ودور البحث العلمي في تطويرها.

يقصد بالسياسة اللغوية مجموع التدابير والإجراءات المتخذة من لدن البلدان إزاء لغتها، وترتكز هذه السياسة اللغوية على عمليات التخطيط والتنفيذ والتتبع والتقويم بهدف تطوير لغتها وتوفير الظروف المناسبة لجعلها قادرة على التعايش مع اخواتها من اللهجات واللغات الاخرى وهنا تطرح قضية الازدواجية اللغوية.

ان تطوير اللغة العربية يقتضي تشجيع البحث العلمي بعقد الندوات الفكرية وطنيا ودوليا للتعريف بلغتنا وذكر صفاتها ومميزاتها وتحصينها من كل المتربصين بها وحمايتها من الانتهاكات الخطيرة التي تتعرض لها. وفي هذا السياق حذر المسدي من خطورة ما اسماه بتلهيج الثقافة “فالمثقف والمبدع يقدم انتاجه الثقافي والإبداعي بالعربية الفصيحة ثم يتحدث عنه بالعامية، فالمثقف الذي يدير شانه الفكري و الأدبي والإبداعي بلغته القومية وهو يخلط ويكتب ويدون وينشر ويساجل ثم إذا حاور او ارتجل او تحدث عبر أمواج الأثير أو عبر شاشات المرايا توسل باللهجة، لهو مثقف متواطئ على ذاته الثقافية ولا يعنيك منه ما قد يبدو عليه من نزعة المجهود الأدنى انسياقا مع الكسر الذهني أو اتقاء لركوب المحاذير انه يحوك المشهد الأول من تراجيدية الانتحار اللغوي”.[9]

ان مسؤولية البلدان في الحفاظ على اللغة العربية من كل تهديد داخلي وخارجي مسؤولية جسيمة، فالعربية تحيا مع أخواتها من اللغات الأخرى واللهجات في إطار من التعايش السلمي، لذا يتعين وضع كل لغة ولهجة في مكانها المناسب من الناحية الوظيفية بعيدا عن الصراع والتفاضل الذي لا طائل منه. مع ضرورة الحزم في اتخاذ قرارات جريئة لها صلة باستخدام اللغة العربية في مناحي حياتنا بعيدا عن فتور الهمم وتخاذل الارادات.

خاتمة:

تأسيسا لما سبق يمكن القول، إن اللغة واللهجة عاملان محوريان في تشكيل هويتنا، وتعد اللغة أحد المميزات الأساسية للكائن البشري، فهي وسيلة التواصل وتبادل الأفكار. تدخل مع اللهجة باعتبارها مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة في علاقة قوية تقوم على التعايش والتداخل، إنها علاقة الكل بالجزء أو العام بالخاص. والمفاضلة بينهما لا طائل منها لأنها توجه لتحقيق مآرب وأغراض شخصية تخدم مصالح الساسة.

ان اللغة العربية هي لغة الهوية الوطنية ولغة الهوية الدينية لذلك فحمايتها من كل تهديد مسؤوليتنا جميعا، اذ يتعين الدفاع عنها من كل الانتهاكات الخطيرة وتوفير الظروف الملائمة لتحيا مع أخواتها من اللغات واللهجات، وتشجيع البحث العلمي في مجال اللغة العربية لتطويرها والتعريف بها في مختلف المحافل الوطنية والدولية، وجعل مؤسسة الإعلام في خدمة هذه اللغة والنهوض بها في مجال التربية والتعليم بمراجعة البرامج والمناهج التعليمية الحاضنة لهذه اللغة كوعاء حامل للثقافة والتراث الإنساني.

البيبليوغرافيا

  • ابراهيم انيس في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو مصرية، ط2، 1965م.
  • ابن خلدون، المقدمة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993.
  • ابو الفتح عثمان بن جني: الخصائص. تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، 1913م.
  • اريك بويسنس: السيميولوجيا والتواصل ترجمة جواد بنيس، مجموعة البحث في البلاغة والأسلوبية، ط1، 2005م.
  • التهامي الراجي توطئة لدراسة علم اللغة، التعاريف، دار الشؤون الثقافية العامة.
  • جون جوزيف، اللغة والهوية، ترجمة عبد النور خراقي، عالم المعرفة، الكويت، 2007م.
  • عبد الغفار حامد هلال: اللهجات العربية نشأة وتطورا، ط2، 1993م.
  • عبد الله البريدي اللغة هوية ناطقة، كتاب المجلة العربية، الرياض، 1434ه.

[2] ابو الفتح عثمان بن جني: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية 1913 ص 33

[3] ايريك بويسنس، السيميولوجيا والتواصل، ترجمة جواد بنيس، مجموعة البحث في البلاغة والاسلوبية، ط1، 2005ص 44

[4] ابن خلدون، المقدمة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993، ج2، ص 295

[5] عبد الغفار حامد هلال، اللهجات العربية نشأة وتطورا، ط2 1993 ص33

[6] ابراهيم انيس في اللهجات العربية، مكتبة الانجلو مصرية ط2، 1965، ص15

[7] التهامي الراجي توطئة لدراسة علم اللغة التعاريف دار الشؤون الثقافية العامة ص 110

[8] جون جوزيف اللغة والهوية ترجمة عبد النور خراقي عالم المعرفة الكويت 2007 ص 20

[9] عبد الله البريدي اللغة هوية ناطقة كتاب المجلة العربية الرياض 1434ص 41

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.