منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العدل أصل كل خير

سبل الخيرية -2-

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على النبي المصطفى الكريم.

 

“اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ أنْ أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أوْ أُزلَّ، أوْ أظلِمَ أوْ أُظلَم، أوْ أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عَلَيَّ” [1]

العدل تَّوسُّطُ واعتدال بين الِإفراطِ والتَّفريط، ويُقابِله الظُّلم والجور، ونَقيضُهُ الظُّلم، جاءَ في لسان العرب العدل: ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور… وفي أسماء الله سبحانه: العدل وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم… والعدل من الناس: المرضي قوله وحكمه… ” [2]، فهو توسط كما في الكرم مع التبذير والبخل، وكما في الشجاعة بين الهوج والجبن وغيرها من الصفات الإنسانية.[3] والعدل ميزان الله في الأرض، قال سبحانه ” وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ” (سورة الرحمن / 7).

1-    فضل العدل.

المزيد من المشاركات
1 من 26

تفضل الله سبحانه على عباده، فدبر ونظم شؤونهم ومعاملاتهم مع ربهم ومع أنفسهم ومع غيرهم من المخلوقات، وجعل العدل أساس هذا النظام، فالإنسان خُلق في الأصل ظلوماً جهولاً، ولا ينفك عن الجهل والظلم إلا بأن يعلّمه الله ما ينفعه، ويلهِمه رشدَه، فمن أراد به خيراً علّمه ما ينفعه فخرج به عن الجهل، ونفعه بما علمه فخرج به عن الظلم، ومن لم يرد به خيراً أبقاه على أصل الخلقة. فأصل كلّ خير هو العلم والعدل، وأصلّ كل شرّ هو الجهل والظلم [4]، فصار الدين كله العلم والعدل ; وضد ذلك الظلم والجهل [5]. فالعدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقاً لا يباح بحال[6]. فإن مما تصلح به حالُ الدنيا: قاعدة العدل الشامل الذي يدعو إلى الأُلفة، ويبعث على الطاعة، وتَعْمُر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكبر معه النَّسْل، ويأمن به السلطان، وليس شيءٌ أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجَوْر؛ لأنه ليس يقف على حدٍّ، ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى يستكمل، والعدل أمن عام تطمئن إليه النفوس وتستبشر به الهمم، ويسكن فيه البريء، ويأنس به الضعيف، فليس لخائف راحة، ولا لحاذر طمأنينة [7].

يقول سيدنا الحسن البصري (رحمه الله): “إِنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَكُمُ الْخَيْرَ كُلَّهُ وَالشَّرَّ كُلَّهُ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَوَ اللَّهِ مَا تَرَكَ الْعَدْلُ وَالإِحْسَانُ شَيْئًا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا جَمَعَهُ، وَلا تَرَكَ الْفَحْشَاءُ وَالْمُنْكَرُ وَالْبَغْيُ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ شَيْئًا إِلا جَمَعَهُ “. [8] فجمع سبحانه الخير كله في قوله ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ” (النحل / 90، فجاء الأمر بالعدل بالإطلاق، ليشمل ويعم، فيدخل تحت عمومه: العدل بالنسبة لموقف العبد مع ربه سبحانه،، والعدل بالنسبة لموقفه مع مخلوقات الله تعالى والعدل بالنسبة لموقف العبد مع نفسه[9]. أما الأول، عدل العبد مع ربه، فيكون بتوحيده وإفراده بالعبودية، فتوحيد الله هو العدل القويم، والشرك بالله عز وجل ظلم عظيم، قال سبحانه: ” إن الشرك لظلم عظيم “[10]. فمن الظلم عبادة غيره سبحانه أو الاستعانة، فقد روى الترمذي رحمه الله عن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن نبي الله يحيى بن زكرياء علهما السلام جمع بني إسرائيلَ ببيتِ المقدسِ حتَّى امتلأ المسجدُ وقعَدوا على الشُّرفاتِ ثمَّ خطبهم فقال إنَّ اللهَ أوحَى إليَّ بخمسِ كلماتٍ أن أعملَ بهنَّ وآمرَ بني إسرائيلَ أن يعملوا بهنَّ أولاهنَّ لا تُشرِكوا باللهِ شيئًا فإنَّ مَثلَ من أشرك باللهِ كمثلِ رجلٍ اشترَى عبدًا من خالصِ مالِه بذهبٍ أو ورِقٍ ثمَّ أسكنه دارًا فقال اعملْ وارفعْ إليَّ فجعل يعملُ ويرفعُ إلى غيرِ سيِّدِه فأيُّكم يرضَى أن يكونَ عبدُه كذلك فإنَّ اللهَ خلقكم ورزقَكم فلا تُشرِكوا به شيئًا “. ويكون الثاني، فيكون بدع الشح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقسك بين الناس، كل الناس، مصداقا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (سورة المائدة / 8). أما الثالث، عدل العبد مع نفسه، بالتوسط في تناول الطيبات والتمتع بالنعم والمباحات: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ”، والاعتدال في العبادات، إذ التشديد في العبادة منهي عنه كالتراخي عنها، والتوسط أخذ بالطرفين، فهم أحسن الأمور كما جاء: ” خير الأمور أوسطه “[11]… فلزم التوسط في كل مكتسب، لأنه أرفق بالنفس وأبقى للعبادة [12].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” والله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط وأعظم القسط عبادة الله وحده لا شريك له، ثم العدل على الناس في حقوقهم، ثم العدل على النفس “[13].

2-   أولياء الله والعدل

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إنَّ الله إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول؛ لتحيا القلوب، فإنَّ القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله، من علم شيئًا فلينفع به، إنَّ للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين، وأما التباشير فالرحمة، وقد جعل الله لكل أمر بابًا، ويسَّر لكلِّ باب مفتاحًا، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت، والاستعداد بتقديم الأموال، والزهد أخذ الحقِّ من كلِّ أحد قِبَله حقٌّ، والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء…”[14]

وخطب سعيد بن سويد بحمص، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس، إنَّ للإسلام حائطًا منيعًا، وبابًا وثيقًا، فحائط الإسلام الحقُّ، وبابه العدل، ولا يزال الإسلام منيعًا ما اشتدَّ السلطان، وليست شدة السلطان قتلًا بالسيف، ولا ضربًا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذًا بالعدل” [15].

وكتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عماله يستأذنه في تحصين مدينته. فكتب إليه: حصِّنها بالعدل ونقّ طرقها من الظلم [16].

ولعل من أكثر القصص تداولا بين الناس، قصة سيدنا عمر بن الخطاب وقبطي مصر، التي أوردها رواها ابن عبد الحكم أبو القاسم المصري في كتابه فتوح مصر والمغرب فقال: حدّثنا عن أبي عبدة، عن ثابت البناني، وحميد، عن أنس، إلى عمر بن الخطّاب، فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذًا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص، فسبقته، فجعل يضربني بالسّوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه، ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصريّ؟ خذ السوط، فاضرب، فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين، قال أنس: فضرب، فو الله، لقد ضربه ونحن نحبّ ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنّينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصريّ: ضع على ضلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني، وقد اشتفيت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارًا؟ قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم، ولم يأتني [17].

3-   أشعار في العدل

تروي كتب التاريخ أن رسول كسرى جاء إلى المدينة المنورة لمقابلة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فسأل عن قصره، قالوا: ليس له قصر. وسأل عن حصنه، قالوا: ليس له حصن.

قال: فأين يسكن، فأشاروا إلى بيت أمير المؤمنين.

فلما دنا منه إذا هو كأبسط بيوت فقراء المسلمين. فقال لأهله أين أمير المؤمنين، قالوا: هو ذاك الذي ينام تحت الشجرة.فلما دنا منه وجده نائما في ملابس بسيطة تحت ظل شجرة قريبة.

فقال مقولته الشهيرة: حكمت – فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.

و قد صورها شاعر النيل حافظ إبراهيم:

و راع صاحب كسرى أن رأى عمرا**** بين الرعية عطلا وهو راعيها
و عهده بملوك الفرس أن لها **** سورا من الجند والأحراس يحميها
رآه مستغرقا في نومه فرأى **** فيه الجلالة في أسمى معانيها
فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملا **** ببردة كاد طول العهد يبليها
فهان في عينه ما كان يكبره **** من الأكاسر والدنيا بأيديها
و قال قولة حق أصبحت مثلا **** وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهم **** فنمت نوم قرير العين هانيها

قال ابن حزم:

زمامُ أُصولِ جميع الفضائلِ **** عدلٌ وفهمٌ وجُودٌ وباسُ

فمِن هذه رُكِّبت غيرُها فمَن**** حازها فهو في الناس راسُ

كذا الرأسُ فيه الأمورُ التي **** بإحساسها يُكشفُ الالتباسُ [18]

وقال الزمخشري: قدم المنصور البصرة قبل الخلافة، فنزل بواصل بن عطاء، فقال: أبيات بلغتني عن سليمان بن يزيد العدوي في العدل، فمرَّ بنا إليه، فأشرف عليهم من غرفة، فقال لواصل: من هذا الذي معك؟ قال: عبد الله ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: رحب على رحب، وقرب إلى قرب، فقال: يحب أن يستمع إلى أبياتك في العدل، فأنشده:

حتَّى متى لا نرَى عدلًا نُسَرُّ به **** ولا نرَى لِوُلاةِ الحقِّ أعوانا

مستمسكين بحقٍّ قائمين به **** إذا تلَّون أهلُ الجوْرِ ألوانا

يا للرجالِ لدَاءٍ لا دواءَ له **** وقائدٍ ذي عمَى يقتادُ عُميانا [19]

وقال الحسن بن عمر بن الحسن:

عن العدلِ لا تعدلْ وكنْ متيقِّظًا **** وحكمُك بين النَّاس فليكُ بالقسطِ

وبالرِّفقِ عاملْهم وأحسنْ إليهمُ **** ولا تبدلنَّ وجه الرِّضا منك بالسَّخطِ

وحَلِّ بدُرِّ الحقِّ جِيد نظامِهم **** وراقبْ إله الخلق في الحلِّ والربطِ [20]


[1]. عَنْ أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ سلَمَةَ رضي اللَّهُ عنها أن النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كانَ إذَا خَرجَ مِنْ بيْتِهِ قالَ: « بسم اللَّهِ، توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ أنْ أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أوْ أُزلَّ، أوْ أظلِمَ أوْ أُظلَم، أوْ أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عَلَيَّ » رواه أبو داود والتِّرمذيُّ.

[2].ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، م 10، ص 62.

[3].عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي، بيت العلوم والفنون، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2005، الجزء الأول: ص 235.

[4]. ابن القيم، إغتثة اللهفان في مصائد الشيطان، تحقيق محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت – لبنان، الجزء الثاني، ص 136.

[5]. تقي الدين ابن تيمية، مجموع الفتاوى، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العالمية، بيروت، لبنان، المجلد 16، ص 82.

[6]. تقي الدين ابن تيمية، منهاج السنة في نقض كلام الشيعة القدرية، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، الطبعة الأولى 1986،المجلد الخامس، ص 126.

[7]. علي بن محمد الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/ 1، 1978، ص 141.

[8]. أبو نعيم عبد الله الاصفهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان 1996، الجزء 2 / ص 158.

[9]. عبد الله سراج الدين، هدي القرآن الكريم الى الحجة والبرهان، مطبعة الصباح، دمشق، الطبعة الثانية 1994، ص 274-275.

[10].سورة لقمان، الآية 13.

[11]. أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية مطرف بن عبد الله

[12]. أبو العباس شهاب أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى زروق الفاسي البرنسي، قواعد التصوف، بتحقيق: عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية، بيروت.الطبعة الثانية، 1426هـ – 2005م، ص69.

[13]. تقي الدين ابن تيمية، أمراض القلب وشفاؤها، مكتبة دار الإسلام، الطبعة الثانية 1412،المجلد الخامس، ص 16-17.

[14]. رواه الطبري؛ في تاريخ الرسل والملوك: [3/485]، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية: [7/43.

[15]. أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي،العقد الفريد، تحقيق مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1983، المجلد الأول، ص 27.

[16]. نفس المرجع، ص 31.

[17] . ابن عبد الحكم، فتوح مصر وأخبارها، تقديم وتحقيق محمد صبيح، طبعة مكتبة مدبولى بالقاهرة، صـ114- 115.

[18]. ابن حزم، الأخلاق والسير، تحقيق إيفا رياض، دار ابن حزم، ص 85.

[19]. الزمخشري، ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، ج 3، ص 391.

[20]. الحسن عمر بن الحسن،ربيع الصبا، ص 110

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.