منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فقه الفقه

0
اشترك في النشرة البريدية

تقديم

هذه العبارة “فقه الفقه” أوردها الإمام الزركشي في كتابه “البحر المحيط” للإشارة إلى ضرورة الانتباه للأسرار والحكم التي تستنبط من الألفاظ وعدم الاهتمام بظواهرها فقط -على أهميته وضرورته- بل ينبغي كذلك استحضار المراد منها أيضا، حيث قال: “على فقيه النفس ذي الملكة الصحيحة تتبع ألفاظ الوحيين الكتاب والسنة، واستخراج المعاني منهما، ومن جعل ذلك دأبه وجدها مملوءة، وورد البحر الذي لا ينزف، وكلما ظفر بآية منها طلب ما هو أعلى منها، واستمد من الوهاب”.

فأثناء حديث الإمام الزركشي عن حديث ذبغ الإيهاب لم يتوقف فقط عند ما هو معروف ومتداول في الفقه من حكم الانتفاع بجلد الميتة بل استنبط معنى آخر غير ظاهر هو حفظ المال والحرص على عدم تضييع أي شيء يمكن استعماله، فأرشد بذلك إلى مقصد اقتصادي من الحديث، حيث قرر: “من فقه الفقه قولهم في حديث ميمونة “هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به” إن فيه احتياطا للمال وإنه مهما أمكن أن لا يضيع فلا ينبغي أن يضيع…

ونجده كذلك سار على نفس المنهج في تعقيبه على حديث تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، فلم يحجبه اللفظ عن المقصد من هذا الجمع المحرم واستنبط مقصدا اجتماعيا عاما يحكم كل مناحي الحياة، حيث قال:” وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم :”لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها، فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم” فيتعدى باستنباطه إلى تحريم كل ما يوقع القطيعة والوحشة بين المسلمين وإفساد ما بينهم، حتى السعي على بعضهم في مناصب بعض ووظيفته من غير موجب شرعي، وقس على ذلك وأمثاله تغنم بتحصيل الفوائد وتثمير الأعمال”.[1]

الفقه الحي

المزيد من المشاركات
1 من 44

وكان ابن القيم قبل الزركشي قد عبر عما يقارب “فقه الفقه” بـ”الفقه الحي” لأنه يأخذ بعين الاعتبار السياقات والأحوال وليس فقها جامدا هامدا على اللفظ فقط دون مراعاة الظروف التي أنتجت ذلك اللفظ، وقد ذكر ابن القيم نقلا عن مصنف وكيع أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قضى في امرأة قالت لزوجها: سمني، فسماها الطيبة، فقالت: لا، فقال لها: ما تريدين أن أسميك؟ قالت: سمني”خلية طالق”، فقال لها: فأنت “خلية طالق”، فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلقني، فجاء زوجها فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها. وعقب ابن القيم واصفا منهج حكم عمر بن الخطاب رضي الله في النازلة الفقهية: ” وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بدون استئذان”.[2]

وزاد أحمد الريسوني في بيان هذا الفقه فقال: “الفقه الحي هو الذي يبحث عن المقاصد ويتحراها ويبني عليها”.[3]

أهمية المقاصد

لا يخشى تعقيب إن قيل أن اعتبار المقاصد يكتسي أهمية قصوى لفهم الشريعة فهما صحيحا ومتكاملا، هذا ما أكدته نقول مجموعة من العلماء الأفذاذ المتقدمين منهم والمتأخرين، حيث جعل إمام المقاصديين الشاطبي منزلة المقاصد من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد فقال: “المقاصد أرواح الأعمال”[4]، ويؤكد هذا المعنى الريسوني مقررا: ” فالفقه بلا مقاصد فقه بلا روح، والفقيه بلا مقاصد فقيه بلا روح، إن لم نقل : إنه ليس بفقيه، والمتدين بلا مقاصد متدين بلا روح، والدعاة إلى الإسلام بلا مقاصد هم أصحاب دعوة بلا روح [5].

وينبه الإمام الشاطبي إلى أن الغفلة عن المقاصد من أكثر الأخطاء التي يقع فيها المجتهدون قائلا: “وأكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشرع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه[6]. ويقرر أن عدم فقه المقاصد يؤدي إلى الانحراف عن الفهم السديد: “من لم يتفقه في مقاصد الشريعة فهمها على غير وجهها”.[7]

وكذلك ابن القيم مثّل للفهم الحرفي للنصوص وقصوره قائلا :”وما مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ، ولم يراع المقاصد والمعاني، إلا كمثل رجل قيل له : لا تسلم على صاحب بدعة. فقبّل يده ورجله، ولم يسلم عليه”[8]، ويضيف أن هذا هو ديدن الصحابة رضوان الله عليهم: “وقد كانت الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيها وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده”.[9]

وخلص ابن القيم أيضا إلى أن استحضار المقاصد من الخطاب هو ما يميز العارف عن اللفظي فقرر: “والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟.[10]

والمقاصد موجهات للمجتهدين يقول الإمام السيوطي: “مقاصد الشرع قبلة المجتهدين، من توجه إلى جهة منها أصاب الحق”[11]، بل جعل معرفتها من شروط المجتهد “أن يكون شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال، فإنه إن اكتفى بحفظ ما يُقال كان وعاء للعلم، ولا يكون عالما، ولذلك كان يُقال : فلان من أوعية العلم، فلا يُسمى عالما إذا كان شأنه الحفظ من غير اطلاع على الحكم والأسرار”.[12]

واعتبر الإمام أبوبكر ابن العربي عدم اعتبار المقاصد والوقوف عند الظاهر فقط نقضا للدين فقال: ” إن اتباع الظاهر على وجهه هدم للشريعة”.[13]

وكذلك جعل الشهيد محمد بن عبد الكبير الكتاني تجريد الأحكام من المقاصد من أسباب انحطاط الدين :” إن من أسباب انحطاط الملة ذكر الأحكام مجردة عن أسرارها”.[14]

واستحضار المقاصد يقلل الخلاف بين المجتهدين ويضع القواعد المجمع عليها كما أكد الإمام محمد الطاهر بن عاشور بقوله: “إن إغفال المقاصد يؤدي إلى شدة الخلاف وأن من شأن تحرير المقاصد واستحضارها والاعتماد عليها تقليله …ذلك أن استقراء المقاصد العامة للشريعة يضع بين أيدي المجتهدين مسلمات قطعية لا يسعهم إلا الإذعان لها”[15].

ومن فقه الفقه

من فقه الفقه كذلك النظر إلى تراثنا الفقهي العظيم – خاصة الفقه السياسي- بعين فاحصة ناقدة قاصدة، ومقاربة الإنتاج الفقهي في سياقه التاريخي وذلك بربطه منهجيا مع ملابساته وقضاياه وأولوياته وإكراهاته، فالاجتهاد كما هو معلوم بذل وسع بشري مع الكتاب والسنة في الزمان والمكان وفق مقاصد وإرادات، لهذا من “فقه الفقه” أن ننظر إلى الموروث الفقهي من زاوية واقعنا وظروفنا ونراعيها في إنزاله، ومثال ذلك مسألة “حكم المتغلب بالسيف” التي أصبحت عند الفقهاء مسألة فقهية مفروغا منها وضرورة لا محيد عنها وطاعته دين لا يبدل ولا يعلم خلافه، ولكن بتقليب النظر في السياق التاريخي المفرز لهذه الفتوى حيث كان فيه الحكام متسلطون وكانت الأمة موحدة وقوية، والفقهاء حينئذ كان عليهم الموازنة بين مفسدتين: فتنة ضياع بيضة الإسلام والحاكم الظالم، وقاموا بدرء المفسدة الأكبر بالمفسدة الأصغر ورجحوا الحفاظ على شوكة الإسلام، ولعلهم أعملوا في ذلك نصيحة عمرو بن العاص رضي الله عنه لابنه عبد الله “سلطان غشوم ظلوم خير من فتنة تدوم”[16]، وبالنظر إلى واقعنا اليوم نجد غياب هذا السياق وارتفاع ذاك المناط، فالمسلمون الآن مشتتون وقد استبيحت بيضتهم وتفرقت جماعتهم، لهذا لم تعد هناك أصلا شوكة يخشى عليها، وبالتالي استصحاب نفس الحكم )النتيجة (مع اختلاف السياقات )المقدمات(، يعد تقليدا في غير محله وإلغاء لواقعنا وعقولنا وإنباتا لحكم في تربة غير تربته وهذا ليس من “فقه الفقه”.

خاتمة

فقه الفقه أن يكون الاجتهاد الفقهي مراعيا للنص ومقصده، ويكون كذلك لازما ملازما للنوازل المعاصرة لينتج لها أجوبة وحلولا مناسبة لسياقاتها، بدل اجترار مسائل تاريخية فقدت مبررات استمراريتها، ولا يستقيم تنزيلها على واقعنا عقلا، وكذلك شرعا إعمالا للقاعدة “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان”، والاكتفاء بالفتاوى السابقة سيؤدي لا محالة إلى الانحباس والجمود في الإنتاج الفقهي الذي من خصائصه المرونة والاستمرارية والصلاحية لكل زمان ومكان.

[1] البحر المحيط، 2/233.

[2] إعلام الموقعين، 3/63

[3] محاضرات في المقاصد الشريعة: ص33

[4] الموافقات، 2/344

[5] مدخل إلى مقاصد الشريعة، ص17

[6] الموافقات، 5/135

[7] نفسه

[8] إعلام الموقعين ، 4/ 527

[9] إعلام الموقعين 1/219

[10] نفسه

[11] الرد على من أخلد إلى الأرض، ص182

[12] نفسه

[13] أحكام القرآن، 2/331.

[14] ترجمة الشيخ محمد الكتاني الشهيد، ص35

[15]  الطاهر بن عاشور،مقاصد الشريعة ص8.

[16] ابن عساكر: تاريخ بغداد، 25/189

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.