منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكایة رجلین

اشترك في النشرة البريدية

 

       كان یا مكان، في حديث الزمان، في حاضر العصر والأوان، كان هناك رجلان صالحان مصلحان، یعیشان في بلد صغیر، غني وجمیل، استأثر حكامه بالسلطة والثروة، وجعلوا أهله الطیبین عبیدا ورعایا، یعیشون على الهامش، ویقتاتون على الفتات، ویحرمون من أبسط الحقوق.

      كانت منطلقات الأخوین وأهدافهما واحدة: تربیة الناس على مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال ، وتعریفهم بحقوقهم وواجباتهم، والتصدي للظلم والفساد والاستبداد، لكن منهجهما في التغییر بدا مختلفا، فبینما رأى الأول أن القضاء على الفساد یتم بالتعاون، وتظافرالجهود، وتشكیل القوة القادرة على الضغط على الحكام، وإجبارهم على الإصلاح، ومنعهم من البغي، رأى الثاني أن الهدف یتحقق بملاینتهم، والاعتراف لهم بالشرعیة، وتقدیم البیعة والطاعة، وإظهار الولاء وحسن النیة، والتقرب منهم، ومشاركتهم في تدبیر الشأن العام.

    وخط كل مساره، ورسم منهاجه، فبدأ الأول بتقدیم النصح للحكام، إیمانا منه بأنهم أقدر الناس على الإصلاح، داعیا إیاهم للتوبة، ورد المظالم، والتخلق بمكارم الأخلاق، وتقریب الصالحین، وإبعاد الفاسدین والمتملقین. وحین أغلقت الآذان أسماعها، شق طریقه الصعب، فاهتم بتربیة العامة وتنظیمهم، وإعدادهم للجهاد، بینما عمل الثاني جاهدا للتقرب من الحكام، قائما بتزیینهم وتحبیبهم للناس، ذاكرا

سجایاهم وعظائم عطایاهم، كما اهتم بشؤون الحكم استعدادا لتحمل المسؤولیة، فكان نصیب الأول الاعتقال، والحصار والتضییق والحرمان من الحقوق، وكان نصیب الثاني العفو والرضى والقبول.

المزيد من المشاركات
1 من 33

     ثم كثر الأتباع والمحبون وأصبحوا یشكلون قوة ، بدأت تقض مضاجع الحكام، وتؤرق نومهم، وتنذرهم بالخطر، فبدؤوا یكیدون لها المكائد، وینصبون لها المصائد، ویختلقون لها الإشاعات والأكاذیب، ویعملون على إذكاء الخلافات وتغذیتها، وتقریب الألین وإبعاد الأشد.

ثم هبت ریاح التغییر في البلدان المجاورة، وأصاب نسیمها البلد، فانتفض الفریق الأول، مطالبا بالإصلاح، قائما ضد الاستبداد والفساد، ومال الثاني مع من غلب، مظهرا مزیدا من الولاء والوفاء، فقربه أولو الأمر، وكلفوه بجسیم المهام، إلى أن هدأت العاصفة، فتنفسوا الصعداء، ورفعوا رؤوسهم عالیا في السماء، وشمروا عن ساعدهم لتأدیب العصاة، والقضاء على حركتهم المشاغبة.

     وزغرد الفریق الثاني مبتهجا بانتصاره، وسداد رأیه ومنهاجه ، ولم یعترف بالفضل لمن كان السبب، لكنه ما لبث أن اصطدم بجبال من المصاعب والعراقیل، وانكشفت له الحقائق، وفغرت التماسیح والعفاریت أفواهها، وقذفت التنینات نیرانها، محذرة من الحوم حول الحمى، ودق الأبواب، وكشف المستور.

      ووجد الحكام الفرصة سانحة للانتقام من كلي الفریقین، وتشویه سمعتهما بین الناس، فعمدوا إلى التضییق على الحریات وهضم الحقوق، والإخلال بالواجبات، وفتح الباب على مصراعیه أمام التدخلات والإملاءات الخارجیة. ثم كثرت المطالب، واتسعت الخرائق وشحت الموارد، وأنذرت الولایة بالإفلاس، لكن سحر الكراسي وبریقها، جعل الفریق یتشبت بها إلى آخر رمق، ویبتكر إصلاحات شجاعة، لم یجرؤعلیها حاكم من قبل، إصلاحات أدى ضریبتها المستضعفون، وقطف ثمارها الحكام: رفع الأسعار والضرائب، توقیف التشغیل والتوظیف، تعطیل صنادیق الدعم الاجتماعي، الزیادة في سنوات الخدمة، اقتطاعات متوالیة في الأجور…

     عم الغضب سائرأفراد المجتمع، وأبدوا بغضهم للفریق الحاكم، وتذمرهم من سیاسته، وأدركوا أن نظریة الإصلاح من الداخل وهم، وحلم مستحیل المنال، وأن القومة، وإعداد القوة، وصیاغة میثاق تعاون وتكتل ضد الظلم والاستبداد، لابدیل عنه ولا محید، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهید.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.