منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة(13): “الإسلام والكلام بالإسلام”

سلسلة التدين المريح-مصطفى شقرون

0

طلب العالم في مجلس علم كبير أحد الحاضرين -ممن يحسن فيهم الظن- أن يدلو بدلوه في موضوع الدرس.. وكان الدرس حول القرآن الكريم..

سكت الشاب ولم يتفوه بكلمة البتة.. وتعجب السائل.. لأنه يعلم أن المسؤول قارئ لا يعييه سرد أحاديث في فضل القرآن بمتونها وأسانيدها وأقوال العلماء والصالحين في فضل القرآن وشرف أهله وأجر تلاوته وحفظه وبركته وشفائه..

طال السكوت.. وتردد السؤال من السائل مرتين أو ثلاثا.. واستدار الجميع نحو الساكت الذي رفض أن يجيب ولو بحرف.. فيما يشبه رد طلب بقلة أدب..

وفي الأخير قال الشاب: “الله يرحمنا”.. خاتما بتلك العبارة الموقف الحرج المحرج.. وطالبا ممن سأله -ضمنيا- أن يسأل غيره..

“من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”… ومن حسن إسلام المرء ألا يقفو ما ليس له به علم.. فالله يكره أن نقول ما لا نفعل.. {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف:2-3).. والشاب -كما أسر لي بعدها وكنت حضرت المجلس- كان قد هجر القرآن أسابيع طويلة.. فكيف يظهر فصاحة منافقة.. وعلما “جاهلا” بالعمل؟.. فالمؤمن لا يكذب…

المزيد من المشاركات
1 من 34

إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ” (النحل:105).

ما ظنه البعض قلة أدب لم يكن بالنسبة للشاب إلا تأدبا من الله ومع كلام الله.. وتقديرا للعالم السائل واحتراما له.. واحتراما لصدقه.. وتزكية لحسن ظنه به..

كانت قلة الأدب بالنسبة للفتى -وقتها ولا تزال بحسب معرفتى به- هي أن يتحدث عن شيء لا يقوم به…

لا تتحدث أخي عن الذكر ما لم تكن ذاكرا وما لم يظهر عليك أثره.. ولا تتحدث عن مناقب الصالحين ما لم تعزم على نهج منهجهم وتبدأ فيه فعلا.. فرب خطيب يحضر خطبة حول فضل الذكر والقيام وهو ليس من “..الذاكرين الله كثيرا”.. ورب “داعية” يتكلم عن عدل عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز.. وهو يمالئ حاكما غير عادل ويدافع عن دولة قضاؤها غير عادل وتوزيعها للمال غير عادل.. ورب “داعية” امرأة تهيء من النت -لأنه طلب منها تحضير “مادة” بسرعة لمناسبة معينة- سيرة خير النساء أمنا خديجة أو سيدتنا فاطمة عليهما وعلى آل بيت رسول الله السلام[1].. فلما حاضرت ذكرت ورعهما وتقللهما وتبرعهما بمالهما وذهبهما بل وذكرت -بصوت حزين مبك- فقرهما وقلة يدهما وتضحيتهما من أجل الدعوة وعدم الحسرة على غناهما السابق وغنى وليهما الدائم وبذله الدائم.. فبكت المحاضرة وأبكت الحاضرات.. فلما رجعت ورجعن إلى واقعهن، وقعن في طلب الخادم -إن لم يكن لديهن “خدم”- أو التدمر من إنتاجية “خدمهن” إن وجدوا.. وبالغن في طلب الأثاث وتغيير القطيفة والذهب والسفر وما عند الجارة من كماليات وكل تبذير لا يتوافق مع حالة الزوج المادية.. أنستهن المادة ما استمعن إليه في “المادة” التي “تحدثت” بها أختهن.. “مادة” هي فقط -محضرة بسرعة- لم ترق بعد لتصبح “روحا” و”خلقا” -حاضرا بقوة- يمشي على الأرض..

وكأن ما تحدثت به نساؤنا وسمعنه منذ سويعات.. وكأن ما ناظر فيه رجالنا وأبدعوا فيه وأفصحوا.. لم يكن إلا..

أساطير الأولين…


[1] – إن كان ممن يقرأ هذا المقال من لا يزال يصنف نفسه “شيعيا” أو “سنيا” أكثر من اعتباره “مسلما”.. وحتى ينسى أن عليه أن لا يبتغي غير الإسلام دينا.. فليتذكر أن سلام الله على أمهات المؤمنين، أهل بيت سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ومنهن أمنا عائشة قد جاء به سيدنا جبريل من عند رب العالمين مباشرة: فقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: “يا عائشةُ، هذا جبريلُ يَقرَأُ عليكِ السَّلامَ، أي: يُهديكِ السَّلامَ، ويُحيِّيكِ بتحيَّةِ الإسلامِ، فقالتْ: وعليه السَّلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه، أي: ردَّتِ التَّحيَّةَ بأحسَنَ منها، ثمَّ قالتْ: تَرى ما لا أَرى؛ تُريدُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أي: إنَّك يا رسولَ الله، ترى جبريلَ الذي لا أَراه” (المصدر: صحيح البخاري، حيث رقم: 3217).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.