منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الذكاء البياني عند نساء العرب جولة في مفتاح العلوم للسكاكي

اشترك في النشرة البريدية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛

وبعد، فإن كتاب مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن محمد بن علي السكاكي المتوفى سنة 626ه  يعد عمدة الدارسين في البلاغة العربية، ويعتبر جامعا لأساليب اللغة وبيانها.

وقد جال صاحب الكتاب جولات في علوم الصرف والنحو والمعاني والبيان وعلوم الاستدلال والشعر، وخصص أواخر فقراته لنوادر مختلفة منها حديثه عن دهاء نساء العرب وفطنتهن؛ وقدرتهن على تمييز الكلام البليغ من غيره، بل على تصحيح الرديء والإتيان بالأجود منه.

وسأقف في هذا المقال عند جملة من النماذج التي ساقها السكاكي رحمه الله مع بيان مواقع الذكاء اللغوي والبياني النسائي.

 النموذج الأول :

المزيد من المشاركات
1 من 29

أورد السكاكي رحمه الله أن الخنساء سمعت  قول الشاعر :

لنا الجفنات الغّر يلمعن بالضحى …وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

فانتقدته من جهتين :

  • سوء توظيف الجمع:

حيث قالت الخنساء:” أي فخر يكون في  أن له ولعشيرته ولمن ينضوي إليهم، من الجفان ما نهايتها في العدد عشر ، وكذا من السيوف؟ ألا استعمل جمع الكثرة : الجفان ، والسيوف؟ “[1]

ذلك أن الشاعر استعمل (الجفنات) جمع جفنة وهو جمع مؤنث سالم يفيد القلة[2]، فكان اولى منه ان يوظف (الجفان) باعتباره على وزن (فعال) وهو يفيد الكثرة.

  • سوء توظيف دلالات الزمن:

وأي فخر في أن تكون جفنة، وقت الضحوة ؛ وهو وقت تناول الطعام، غراء لامعة، كجفان البائع؟ أما يشبه أن قد جعل نفسه وعشيرته بائعي عدة جفنات؟

فانتقدت المرأة ربط الشاعر للجفان بزمن الضحوة مع وصفها بالغر اللامعة، مما يدل على أنها فارغة لا طعام فيها في الوقت المخصص للطعام (الضحى)، مما يعود بالنقض على ما أراده الشاعر من الفخر بالغنى وكثرة الإطعام. وإمعانا في الحط من بلاغة الشاعر شبهت الشاعر وعشيرته ببائعي الجفان الخاوية اللامعة.

  • سوء توظيف الفعل:

قالت :”ثم أنى يصلح للمبالغة في التمدح بالشجاعة، وأنه في مقامها : يقطرن دما؟ كان يجب أن يتركها إلى أن : يسلن أو يفضن أو ما شاكل ذلك.” ذلك أن الفعل (يقطر) لا تعدو دلالته على وجود قطرات قليلة في سيوف الشاعر وأهله،مما يدل على قلة حروبهم وقتالهم ومنه قلة شجاعتهم، واقترحت عليه ان يعوضها بفعل يدل على كثرة القتال والتنكيل بالعدو فدعته إلى استعمال (سال) و (فاض) وغيرها

النموذج الثاني:

ذكر السكاكي أنه قد اجتمع راوية جرير ، وراوية كثير ، وراوية جميل ، وراوية نصيب ، وأخذ يتعصب كل واحد لصاحبه ، ويجمع له في البلاغة قصب الرهان ، فحكموا واحدة، وكانت : سكينة[3]، فقالت لراوية جرير : أليس صاحبك القائل :

طرقتك صائدة القلوب وليس ذاحين الزيارة فارجعي بسلام

وأي ساعة أولى بالزيارة من الطروق؟ قبح الله صاحبك! وقبح شعره.[4]

فقد عابت سكينة على الشاعر أنه اعتبر زمن الطروق[5] -وهو الزيارة بالليل- غير مناسب لزيارة الحبيب، فالليل جعله الله تعالى سكنا للناس، وجعل التساكن بين الأزواج من آياته سبحانه فكان الليل أنسب أوقات اللقاء بين الزوجين خاصة وأن النهار جعل للناس معاشا ينشغلون فيه بأمور العيش والكسب. فكان على الشاعر أن يراعي التوافق بين (الطروق) و (حين الزيارة) من حيث الدلالة التركيبية ليكون شعره أبلغ.

وفي طرد الشاعر لما حضره في الليل من خيال محبوبته ذمٌّ لها وسوء تعامل معها، “وقد عيب عليه في هذا البيت؛ إذ طرد خيال محبوبته، وأجيب بأنه طرقه في حال السفر فأشفق عليه من الخطر[6]

النموذج الثالث :

أضاف السكاكي : “قالت – سكينة [أي بنت الحسين]- [7] لراوية جميل : أليس صاحبك الذي يقول :

فلو تركت عقلي معي ما طلبتهاوإنّ طلابيها لما فات من عقلي

فما أرى لصاحبك هوى، إنما طلب عقله. قبح الله صاحبك؛ وقبح شعره.”[8]

“وهذا عيب في المعنى”[9] كما قال أبو عبد الله التميمي، لأنه ذكر أنه إنما طلبها لأخْذها عقله، ولو كان عاقلا لما طلبها ،وفي هذا ذم لها. فالبيت وإن كان فصيحا إلا أنه ليس ببليغ، ذلك أن ” أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد”[10]

وقد فضَّل بعضهم أبياتا أخرى على هذا البيت لحسن الصناعة الشعرية المنتجة للمعنى السليم البليغ، ومنها ما اقترحه التميمي وابن رشيق:

أبكي وقد ذَهَبَ الفؤادُ وإنّما  أبكى لفقدِك لا لفقدِ الذَّاهبِ[11]

ومنها ما اقترحه أبو المظفر الكناني قائلا :والجيد قول الآخر:

وما سرني أني خليٌّ من الهوى    ولو أنَّ لي ما بين شرقٍ ومغربِ[12]

ومنها أبيات اختارها أبو هلال العسكري قائلا [13]:

“وقول الآخر:

أحببت قلبى لما أحبّكم … وصار رأيى لرأيه تبعا

وربّ قلب يقول صاحبه … تبّا لقلبى فبئس ما صنعا

والجيد فى هذا المعنى قول البحترى  :

ويعجبنى فقرى إليك ولم يكن … ليعجبنى لولا محبّتك الفقر

وقول العرجى:

من ذكر ليلى وأىّ الأرض ما سكنت … ليلى فإنى بتلك الأرض محتبس”

 

النموذج الرابع :

ثم قالت لراوية نصيب : أليس صاحبك الذي يقول :

أهيم بدعد ما حييت ، فإن أمت …فيا ويح نفسي من يهيم بها بعدي[14]

أما كان لصاحبك الديوث همّ إلا هم من يهيم بها؟ قبح الله صاحبك! وقبح شعره! [15] فقد وصفت القائل بالديوث لأن تعبيره يفيد أنه “متلهف على من يهيم بها بعده “[16] وإن كان مقصود الشاعر أنه لا يستطيع ان يهيم احد بها بعد موته مثل هيامه وهيمانه ،إلا ان البلاغة العربية تقتضي من المتكلم أن يحسن اختيار الألفاظ والنسق التركيبي الذي توضع فيه وإلا أوصل للسامع معاني تناقض مقصوده .

ومن ذكاء هذه المرأة العربية ودهائها أنها كانت لا تكتفي بذم الرديء من القول بل تقترح الجيد وتنشده، فقالت له:

ألا قال :

أهيم بدعد ما حييت، فإن أمت………..فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] السكاكي، مفتاح العلوم ، حققه وقدم له وفهرسه الدكتور عبد الحميد هنداوي،دار الكتب العلمية،بيروت ،ط1/2000، ص:706

[2]  اختلف النحويون في إفادة الجمع السالم الكثرة أو القلة، وممن ذهب إلى كونه يفيد القلة أبو حيان ، غير أنه ينتقل إلى إفادة جمع الكثرة حالة اقترانه ب “أل” الجنسية الاستغراقية التي تنقله للعموم ، فقال في تفسيره قوله تعالى : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة،22] حيث قال : “فقامت الثمرات مقام الثمر أو الثمار على ما ذهب إليه الزمخشري، لأن هذا من الجمع المحلى بالألف واللام ، فهو وإن كان جمع قلة ، فإن الألف واللام التي للعموم تنقله من الاختصاص لجمع القلة للعموم ، فلا فرق بين الثمرات والثمار ، إذ الألف واللام للاستغراق فيهما ، ولذلك رد المحققون على من نقد على حسان قوله :
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ******* وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
بأن هذا جمع قلة ، فكان ينبغي على زعمه أن يقول : الجفان وسيوفنا ، وهو نقد غير صحيح لما ذكرناه من أن الاستغراق ينقله” . اهــ” . البحر المحيط في التفسير،المحقق: صدقي محمد جميل،الناشر: دار الفكر – بيروت،الطبعة: 1420 هـ 1/160

[3]  هي سكينة بنت الحسين بن علي رضوان الله عليهم ، وقذ ذكر صاحب الموشح قصة قريبة من ذلك، فقال :” اجتمع فى ضيافة سكينة بنت الحسين بن على رضوان الله عليهم جرير والفرزدق وكثير عزة وجميل والنّصيب، فمكثوا أياما، ثم أذنت لهم، فدخلوا فقدت حيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم، وأخرجت إليهم جارية لها وضيئة قد روت الأشعار والأحاديث، فقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال الفرزدق: هأنذا.قالت: أنت القائل…” الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء،المؤلف: أبو عبيد الله بن محمد بن عمران بن موسى المرزباني (المتوفى: 384هـ)،ص:218.

[4]  السكاكي،مفتاح العلوم،ص:706

[5]  قال أبو بكر ابن دريد :” وطرقتُ القومَ طُروقاً، إِذا جئتهم لَيْلًا، وَلَا يكون الطُروق إلاّ بِاللَّيْلِ” جمهرة اللغة،المحقق: رمزي منير بعلبكي،الناشر: دار العلم للملايين – بيروت،الطبعة: الأولى، 1987م، 2/756.

[6]  بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى العيني (المتوفى 855 هـ)،المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية المشهور بـ «شرح الشواهد الكبرى»، تحقيق: أ. د. علي محمد فاخر، أ. د. أحمد محمد توفيق السوداني، د. عبد العزيز محمد فاخر،الناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة – جمهورية مصر العربية،الطبعة: الأولى، 1431 هـ – 2010 م،1/372.

[7]  وقد نسب هذا القول لعقيلة بنت عقيل بن أبي طالب، انظر: أبو عبيد الله بن محمد بن عمران بن موسى المرزباني (المتوفى: 384هـ)،الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، ص:211؛ وعبد القادر بن عمر البغدادي (1030 هـ – 1093 هـ)، شرح أبيات مغني اللبيب، المحقق: عبد العزيز رباح – أحمد يوسف دقاق،الناشر: دار المأمون للتراث، بيروت،الطبعة: الثانية، عام النشر: عدة سنوات (1393 – 1414 هـ)،4/310.

[8]  مفتاح العلوم،ص: 707

[9]  محمد بن جعفر القزاز القيرواني أبو عبد الله التميمي (المتوفى: 412هـ)، ما يجوز للشاعر في الضرورة، حققه وقدم له وصنع فهارسه: الدكتور رمضان عبد التواب، الدكتور صلاح الدين الهادي،الناشر: دار العروبة، الكويت – بإشراف دار الفصحى بالقاهرة، ص:140.

[10]  عبد المتعال الصعيدي (المتوفى: 1391هـ)،بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة، الناشر: مكتبة الآداب،الطبعة: السابعة عشر: 1426هـ-2005م،1/29

 

[11]  نفس المرجع. ونسب ابن الرشيق القيرواني البيت لعباس أو مسلم ، انظر: أبو على الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي (المتوفى: 463 هـ)،العمدة في محاسن الشعر وآدابه، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد،الناشر: دار الجيل،الطبعة: الخامسة، 1401 هـ – 1981 م، 2/125.

[12]  أبو المظفر مؤيد الدولة مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشيزري (المتوفى: 584هـ)،البديع في نقد الشعر، بتحقيق: الدكتور أحمد أحمد بدوي، الدكتور حامد عبد المجيد،مراجعة: الأستاذ إبراهيم مصطفى،الناشر: الجمهورية العربية المتحدة – وزارة الثقافة والإرشاد القومي – الإقليم الجنوبي – الإدارة العامة للثقافة، ص:170.

أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ)،[13] الصناعتين،المحقق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم،الناشر: المكتبة العنصرية – بيروت،عام النشر: 1419 هـ،ص:112.

[14]  هذا البيت من الطويل وهو لنصيب. ذكره أبو حيان في التذييل (6/ 366) ولم ينسبه، وقد أورد المبرد في الكامل (1/ 106) هذا البيت منسوبا إلى نصيب ولكن مع اختلاف في الشطر الثاني.وقد ذكره ابن الأنباري في المذكر والمؤنث (ص 112)

[15]  مفتاح العلوم،ص:707

[16]  أبو عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير بن سالم المعروف بابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328هـ)العقد الفريد، ،الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت،الطبعة: الأولى، 1404 هـ،6/208.

[17]  وقد نسب ابن قتيبة هذا البيت للأمير عبد الملك حين أورد البيت وأتبعه قائلا:” فقال الأقيشر: والله لقد أساء قائل هذا الشعر، قال عبد الملك: فكيف كنت تقول لو كنت قائله؟ قال: كنت أقول:

تحبّكم نفسى حياتى، فإن أمت … أوكّل بدعد من يهيم بها بعدى

قال عبد الملك: والله لأنت أسوأ قولا منه حين توكّل بها! فقال الأقيشر:

فكيف كنت تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أقول:

تحبّكم نفسى حياتى، فإن أمت … فلا صلحت هند لذى خلّة بعدى ” انظر: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ) الشعر والشعراء،الناشر: دار الحديث، القاهرة، عام النشر: 1423 هـ،1/400

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.