منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في رحاب آية (3)

قال الله تعالى: ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) مريم ٩٥/أ. نادرة هاشم حامدة من فلسطين

0

في رحاب آية (3)

قال الله تعالى: ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) مريم ٩٥

بقلم: أ. نادرة هاشم حامدة من فلسطين

 

في رحاب آية يقول الله سبحانه وتعالى : *فَجَاۤءَتۡهُ إِحۡدَاهُمَا تَمۡشِی عَلَى ٱسۡتِحۡیَاۤءࣲ قَالَتۡ إِنَّ أَبِی یَدۡعُوكَ لِیَجۡزِیَكَ أَجۡرَ مَا سَقَیۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَاۤءَهُۥوَقَصَّ عَلَیۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِینَ** [سُورَةُ القَصَصِ: ٢٥]

في رحاب آية (2)“يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ” يوسف 5

 

قال الله تعالى: ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) مريم ٩٥، إنها روائع، تدلك عليها استفسارات تدبرية، في هذه الآية الكريمة، لو تمعنت بها، رغم أنها لم تصل العشر كلمات، فمثلا: لماذا إِسْتُخْدِمَ اسم الله الرحمن المشتق من الرحمة دون غيره من أسماء الله الحسنى، التي لا تعد ولا تحصى، مع أن الموضع ليس به أي رحمة، وسؤال ثاني: لماذا الرحمن، وليس الرحيم، مع أن كليهما مشتق من الرحمة، وماذا تفيد لفظة ( يمدد) في الآية القرآنية، لتدرك بعد هذ التدبر عظمة هذا القرآن، الذي يمتع العقل، ويأخذ بنياط القلب، في دقة اختيار ألفاظه المبهرة في مواقعها المناسبة، والتي لا يمكنك أن تستبدل لفظة منها، مكان لفظة تظن انها أنسب منها، ولو أدرت لهذا لسان العرب كله بحثا عنها، كما قال الإمام ابن عطية الاندلسي صاحب تفسير المحرر الوجيز رحمه الله. فَلْنَرَ: قال تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) ١🍂..

الضلال هو الحياد والابتعاد عن طريق الحق قولا وفعلا، والجو النفسي للآية جو ترهيب وتهديد واضح، فكيف ناسب هذا الجو ، مع لفظة الرحمن في الآية الكريمة ؟ يقول الله تعالى: (قل ادع الله او ادع الرحمن ) فلقد أقرن الله تعالى اسم الجلالة (الله)، وهو الاسم الجامع لكل الصفات الالهية مع اسم الجلالة (الرحمن)، ليتحقق للرحمن بذلك نفس القيمة المعنوية الجمعية لاسم الجلالة الله، زيادة على معناه الاختصاصي، والذي يؤكد هذا أن اسم الجلالة (الله) لا يسمى به إلا الله، وكذلك (الرحمن) لا يسمى به مفردا، إلا الله، إذن فالجو النفسي التهديدي الترهيبي، لا تعارض فيه أبدا مع اسم الجلالة الرحمن. ٢🍂..

(من كان في الضلالة) نفهم من التركيب أن حال العبد الموصوف في الآية، هو حال الاستغراق في الضلالة، حيث (كان في) هو أسلوب قرآني لوصف (الحال الواقع الحالي، الموجود عليه ) قال تعالى : (وكان في المهد صبيا)، كما ويحمل هذا النظم و التركيب عدل العقاب الإلهي، بعده* . ٣🍂 ..

منتهى الدقة في استخدام اسم الله الرحمن المشتق من الرحمة بمفهومه العام للرحمة، حيث أن العبد المستغرق في الضلالة محتاج لرحمة الله، فليس له نجاة من ضلالته في الدنيا ولا نجاة من عذاب الآخرة، إلا برحمة الله (الرحمن)، فبهذه الرحمة وحدها يدخل العباد الجنة . ٤🍂..

منتهى الروعة تتجسد في دقة استخدام الرحمن في الآية، وليس الرحيم مع أن كليهما مشتق من صفة الرحمة، فهل كان الإستخدام مجرد وزني لفظي لا اعتبار فيه للمعنى ؟ بالطبع لا، فهنا يتضح دقة اختيار اسم الجلالة الرحمن لإفادة المعنى المراد، وذلك من حيث دلالة الاسمين لغويا، فالرحمن لفظ يدل على سعة وشمول وعموم الرحمة قال تعالى: (الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان) فما يتعلق بالخلق من صفة الحياة والرزق والعلم، لكل انسان، إنما هو من اختصاص الرحمن سواء، كان هذا العبد في ضلالة او في ايمان، وقد بين عموم ما ذهبت إليه، لفظة (الإنسان)، وإلا ما سقى عليها سبحانه وتعالى كافرا شربة ماء، فناسب في هذا المقام اسم الجلالة الرحمن، وليس الرحيم . ه🍂..

يقول ابن القيم رحمه الله : (الرحمن صفة ذاتية تختص بالله، بينما الرحيم تتعلق بأفعال العباد) وكأن في الرحمن حقوق عامة لجميع الناس، بينما الرحيم حقوق خاصة، تتعلق بأفعال المؤمنين، قال تعالى : (وكان بالمؤمنين رحيما). لذلك لا يتناسب اسم الجلالة الرحيم أبدا. في هذا المقام مع الضلالة، ومع الاستغراق فيها. ٦ 🍂…

لو استخدم في الاية اسم الجلالة (الرحيم بدل الرحمن) لحدث بهذا خللا في القانون الإلهي العام:(من يعمل مثقال ذرة خيرا يره) والعبد الذي هو في الضلالة ليس لديه موجبات لرحمة الله الخاصة بالمؤمنين، وهو في حاله، بعد أن اختار طريق الغواية، مستغرقا فيها .

🍂٧… (لفظتي يمدد ومدا ) تدل على الإتساع الأفقي الممتد، والجزاء من جنس العمل، فلأن العبد في استغراق وتمدد في ضلالته، كما تصف الاية، فناسب إذن ما يوازيه، في انسجام تام وعادل، فكان ( من كان في الضلالة)، يوازيهاو ويقابلها عدلا: (فليمدد له الرحمن مدا) ٨🍂..

كذلك إن استخدام لفظة الضلالة أخف جرما من لفظة الضلال، فتناسب رحمة الله في (الرحمن) قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء) حيث أن باب التوبة مفتوح للجميع بالعموم، لا يغلق ابدا إلى أن تغرغر الروح، او تطلع الشمس من مغربها،ويبين الفرق بوضوح بين الضلال والضلالة، الحوار بين نوح عليه السلام وقومه حيث قال تعالى: (قال الملأ من قومه إنا نراك في ضلال مبين)،قال يا قوم ليس بي ضلالة، ولكني رسول رب العالمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.