منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“عند الامتحان يكرم المرء أو يهان”

د. صوفية علوي مدغري

0
اشترك في النشرة البريدية

 توطئة:

جرت مقادير الله تعالى أن تكون حياتنا امتحانا نعيشه يوميا نجني يقينا إثره فوزا خالدا أو العكس لا قدر الله، وما نعيشه هذه الأيام على الخصوص هو أشبه بتلك الأحوال التي عاشها التلميذ في المراحل الأولى من دراسته وعاشها الطالب أيام التخرج، وعاشها طالب الوظيفة يوم المقابلات، وغيرهم كثير… فتتقد الهمم وتفور العزائم، فلا يسكن قلب ولا تطمئن جوارح إلا بالحديث عما يشغلها وما هي مقبلة عليه، ولا مطمح سوى النجاح والفلاح جزما أن ” عند الامتحان يكرّم المرء أو يهان”[1].

وهذه الأحوال قريبة مما نعيشه هذه الأيام العصيبة التي تمرّ بها البشرية جمعاء جراء تفشي وباء ” كورونا” الذي حلّ علينا على غير استئذان، وباغتنا دون سابق إعلام، لكنه أمر الحيّ القيوم الذي سبق في اللوح المحفوظ ونحن في غفلة عنه.

تقدمت العلوم واطمأن الإنسان إلى فعله وصنيعه ظنا أنه سيطر بما وصل إليه من تكنولوجيا ومعارف على كلّ ما جدّ ويستجد في هذا العالم. لكن حقيقة الأمر تحتم علينا أن نعي جيدا أننا أمام امتحان نعيش تداعياته دقيقة دقيقة ولحظة لحظة:

 أولها: امتحان الإيمان

المزيد من المشاركات
1 من 39

كنا في هناءة ونحن مطمئنون نتحدث عن الإيمان بالقدر خيره وشره، بل ونتفلسف في سرد أمثلة ربما عن موت أحدهم، أو مرض آخر أو…لكننا لم نقترب مما إن حطّ البلاء في العالم بأسره وحلّ بكل بقاع العالم وصنع بأهله خوفا وهلعا؛ خوف من اطمأن إلى الحياة المادية ظنا أن المال يشري الدواء، وأن القصور المنيعة بيوت الرفاهية الخالدة والراحة الأبدية، وان المصحات المجهزة بآخر ما أنتجته تكنولوجيا الطب سيكون تحت إمرته، وأيقن أن الدول العظمى المتربعة على عرش الاستكبار تشير بعصاها السحرية لتغير العالم بأسره متحكمة في رغيفه وحبة دوائه، لكن هيهات إذا نزل البلاء فلا مفرّ ممن بيده ملكوت كلّ شيء وأمره بين كاف ونون ” إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون”[2]. والامتحان هنا أن نسلم لرب العزة، ونرجع إليه بالإنابة والتضرع، فنتبرأ من حولنا ودواتنا إلى حوله جل وعلا، وأن نفهم قدر الله وصنعته مستوعبين حكمه الكونية المتعددة والمتنوعة فطالب الحق يكفيه دليل واحد وطالب الهوى لا يقنعه ألف دليل.

ثانيا: امتحان الأخلاق

 الصبر:

في هذه المرحلة نقيس درجات صبرنا، فعند نزول البلاء نفهم حقيقة وقيمة هذه اللفظة التي ما فتئنا رددناها في مواقف مختلفة وبدرجات متفاوتة، فهل فعلا الصبر عند البلاء طهر وطهارة من الذنوب والخطايا، وأنه درجة عالية من التبات والتسليم نأجر عليها بغير حساب ” إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب”[3]، وأكثر من ذلك فالصابر يحظى بمعية رب العزة جل وعلا وكفاه بذلك علوا ونصرا ” إن الله مع الصابرين” [4]. والقرب منه تعالى انشراحة وطمأنينة وراحة لا يعرفها إلا من ذاقها، بذل الخوف والهلع الذي هو ربما من النتائج السلبية لامتحان البلاء قال تعالى:” ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص في

من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين”[5].

الإيثار:

هو امتحان آخر للأخلاق بشكل عام، لكن عند نزول البلاء فالنجاح في الامتحان درجاته علية وعلاماته التفوق، لذلك فالإيثار طريق معبد للفوز بمحبة الله تعالى، وجني لثمار الكمال الإيماني يتذوقه المؤمن في الدنيا قبل الآخرة؛ حيث البركة في الطعام والملبس والمسكن… وسندنا في ذلك قول الله تبارك وتعالى:” ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون”[6]. والإيثار أصله الرحمة القلبية والسلامة الداخلية وحبّ الغير، بدل الجشع والأنانية والاحتكار المنهي عنه شرعا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” الجالب مرزوق والمحتكر ملعون”[7].

 الانضباط:

من أسباب النجاح في الامتحان هو الخضوع للقواعد السلوكية، والالتزام بالتوصيات المطلوبة على المستويين الفردي والجماعي، والتمتع بحسّ عال من المسؤولية وعدم الاستهتار بالأمور لأن الخطب جلل والبلاء والوباء استفحل واستوطن، وعدم الانضباط هو فشل ورسوب في امتحان أحلك الأيام.

 ثالثا: امتحان العلم والتعلم

المقصود هنا هو أن المرحلة التي نمرّ بها تستدعي التسلح بالعلم لننزل الأمور منازلها ونصدر أحكاما نقيس خلالها الفروع بالأصول مستحضرين فقه الواقع ومستجدات العصر، ولنرجع الأقوال إلى مضانها ومقاصدها حتى لا يضيع العلم بين وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث أقوال العلماء تصبح أحاديث نبوية، والآيات القرآنية توظف للسخرية والضحك، قال السيوطي في علوم القرآن في ذكر الآيات القرآنية كلام الناس :” على ضربين: أحدهما ما نسبه الله إلى نفسه كما قيل عن أحد بني مروان أنه وقّع على مطالعة فيها شكاية عماله: ” إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم”، والآخر تضمين أية في معنى هزل ونعوذ بالله من ذلك “[8] ومنه ما ثم تداوله للحدّ من السلام خوف العدوى وانتشار الوباء ” لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك”[9].

ثم لماذا هذا الفهم القاصر في الطب من غير أهله، والتحدث في الاقتصاد من غير المتخصصين، وشرح الظواهر المتعلقة بالوباء والتي لم يجزم أهل الدار بنتائجها بعد.

وخلاصة القول إنه امتحان يحيط بنا من كلّ الجوانب علينا أن نحترس ونحتاط ” عند الامتحان يكرم المرء أو يهان “، وأن نفهم أمر الله تسليما وخضوعا وإنابة صبرا ومصابرة وثبات فهو سبحانه ” وسع كلّ شيء علما”[10] ولا معبود بحقّ إلا هو لا منجى ولا ملجأ إلا إليه.

نسأله عزت قدرته أن يرفع عنا البلاء ويجمعنا في مستقر رحمته أمين.


[1] ـ مثل من أمثال الفرس القديمة أوردها الحريري في مقاماته.

[2] ـ سورة يس: 82.

[3] ـ سورة الزمر: 10.

[4] ـ سورة البقرة: 153.

[5] ـ سورة البقرة: 155.

[6] ـ سورة الحشر: 9.

[7] ـ سنن الدرامي باب النهي عن الاحتكار 2/324، 2544.

 ـ الاتقان في علوم القرآن 1/387.[8]

[9] ـ سورة المائدة: 28.

[10] ـ سورة طه: 98.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.