منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إدراك الجمال

0
اشترك في النشرة البريدية

“من تمام الكمال إدراك الجمال”، تُحيلنا هذه الحكمة على أن إدراك الجمال غايةٌ يصل إليها الإنسان من خلال التربية. لأنه ليس كلُّ الناس يدركون أسرار الجمال في هذا الوجود. قد يدركون من الجمال الجانب المادي النفعي، لكن إدراكه في بعديه الظاهري والباطني هذا يحتاج لحاسة خاصة، إما تُكتسب بجهد الإنسان، وإما تُوهب من عند الله الحنّان المنّان. ولذلك نجد من المفكرين والفلاسفة عندما أرادوا أن يدرجوا الجمال ضمن قائمة الحاجات الإنسانية أو القيم الأخلاقية جعلوا له مرتبة في أعلى القمة. بمعنى أن القيم الجمالية هي أسمى ما يمكن أن يصل إليه المرتقي الصاعد على هرم الحاجات الإنسانية وسلّم القيم الأخلاقية. نأخذ مثالا على ذلك المفكر “ابرهام ماسلو”، إذ رتّب هرم الحاجات الإنسانية ابتداء من الحاجات الفيسيولوجية في قاعدة الهرم، ثم الحاجات الأمنية فوقها، مرورا بالحاجات الاجتماعية التي تعلوهما، بعد ذلك حاجات تقدير الذات، وصولا في النهاية إلى حاجات تحقيق الذات فوق الكل وبناء عليها. وهي من فئتين: الحاجات المعرفية والحاجات الجمالية. وقد جعلهما “ماسلو” في أعلى قمة الهرم. كما اعتبر حاجات تقدير الذات وحاجات تحقيق الذات من حاجات النمو التي تساعد الفرد على بلوغ الكمال البشري. بينما اعتبر الثلاثة الأولى (الفسيولوجية والأمنية والاجتماعية) من حاجات النقص التي إن لم تُشبع وقفتْ كعائق دون تحقيق حاجات النمو التي تليها. وإذا ما تمّ تحقيق الذات بتحقيق الحاجات المعرفية والحاجات الجمالية يصبح الإنسان أهلا لأن يتجاوز الذات لمساعدة الآخرين في تحقيق ذواتهم. [وأحسن كما أحسن الله إليك].

ومما يظهر في الواقع أن أغلب الناس يعيشون على مستوى حاجات النقص دون أن يبذلوا جهدا في تجاوزها، ربما الأمر يرجع لعدم وجود لديهم استعداد لهذا الترقي على مستوى الذات وهذا عائق كبير، وربما لوجود ظُلم أصابهم في هذه الحقوق الاجتماعية والأمنية -وهو الغالب اليوم – من قبل الأنظمة الحاكمة جرّاء تكريسها لمثلث الفقر والجهل والمرض. فكان هذا العائق أكبر من الأول.

 

هناك من يعتبر الطبيعة عاملا مهما في تحقيق الحاجات الجمالية، فليس من العبث أن يبسط الله تعالى للإنسان أمام عينيه من مظاهر الجمال ما يدهشه في هذا الكون ويبعثه على العجب من كثرة تنوعه واختلافه ثم لا يحسّ بالجمال ولا يدركه. حتى وإن كان هناك من شعور وإدراك فإن الفارق هو في موقفين:

الأول: من يقف عند حدود الرؤية المادية التي قلّما يصاحبها التعجب المقرون بالتسبيح فيقول: “سبحان الله الذي خلق فأبدع”. آيات الله في خلقه كثيرة يعجز اللسان عن التعبير عنها، كما يعجز العقل عن فهم أسرارها أيضا، يمرّ عليها فلا يهتزّ لها قلبه تعظيما، ولا يأخذ منها عقله عبرة.

والثاني: من يتجاوز هذه الرؤية المادية إلى الرؤية الروحية (البصيرة) وذلك باستلهام الأسرار التي يحملها كل نوع من أنواع الجمال. فلا يرى صاحب هذه الرؤية كما يرى الأول في الوردة أو الزهرة عظمة الصنعة فقط، وإنما يرى وراءها عظمة الصانع والمبدع سبحانه. فالأول يرى في تمثال الأسد المذهّب شكل الأسد، بينما يرى الثاني قيمة الذهب التي وراء شكل الأسد. حتى الرؤية لذواتهما مبنية على هذين الموقفين. فالأول يرى ذاته عبارة عن كيان مادي يتطلب ما هو مادي. والثاني يرى ذاته أكثر من ذلك وأعظم هي روح في جسد تحتاج إلى ما هو معنوي أكثر مما تحتاج إلى ما هو مادي.

 

المزيد من المشاركات
1 من 64

وحتى نوضح هذه الفكرة نستعين بما كتبه “إكهارت تول” في كتابه “أرض جديدة”. إذِ اعتبر الزهور كائنات لعبتْ من خلال جمالها المتمثل في لونها ورائحتها دورا مهما في تفتح الوعي الإنساني وتطوره. ذلك أن الزهور كانت عبر التاريخ مصدر إلهام لعدد لا يحصى من الرسامين والشعراء والمتصوفة. فرؤية جمالها أمكن أن يوقظ البشر، حتى تحولت هذه الزهور بما تحملها من رسائل إلى ما يشبه الرسل الآتين من عالم آخر. وما يشبه الجسر الممتدّ بين عالم الأشكال المادية وعالم المعاني الروحية.

 

ولإدراك هذا الجمال في بعديه الظاهري والباطني يحتاج كما قلنا إلى التربية التي تصقل الروح وتُفجّر فيه معاني الشعور بالجمال في كل شيء. فيرى الإبداع تارة، ويرى الكمال تارة، ويرى العظمة تارة أخرى. روح هذه التربية ذكر الله تعالى الذي يمُدّ هذه البصيرة بالقوة على الرؤية. “اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله”. وآلية هذه التربية التفكّر العميق الذي يفهم عن الله الأشياءَ في ظاهرها، ويفهم عنه أيضا ما وراء الأشياء في باطنها. والتفكر هو غير التفكير الذي يكون بالعقل. شجرة التفاح المثمرة قد يمرّ عليها الإنسان العادي فلا يرى فيها إلا وسيلة للإشباع. بينما المدرك للجمال حين يتأملها يرى فيها قمة في الكرم، أوراق الشجرة ممدودة كفها ترحب، وثمارها المحمرة خدودها تدعو إلى المأدبة، والرائحة المنبعثة منها تبعث في المارّ عليها الشهية للإقبال عليها. فتدفعه هذه الرؤية العميقة إلى تسبيح خالقها الكريم الذي أبدعها.

 

التربية الجمالية عنوان لفقرة في كتاب “إمامة الأمة” للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، يقصد بها جمال النفس وطمأنينتها. والتي تتجلى في مظهرين رئيسيين: مظهر الوجه المنوّر ومظهر السلوك الخُلقي. ويعطي الإمام لهذه التربية بعدين، بعدا فرديا وهو ما اعتاد الناس أن يقرءوه في الكتب أو يسمعوه في المواعظ والخطب. وبعدا جماعيا قلّ عنه الكلام ويريد أن يحييه في الأمة ويجدده في المجتمع. يقول رحمه الله:” وينبغي للمجتمع الإيمانيِّ أن يكتسي بالسَّمْتِ الجميل والمظهر الكريم النظيف. لا تَرَفَ ولا زخرفة، لكن المظهرُ اللائقُ البسيطُ، الجميلُ ببساطته وبما ينِمُّ عنه من جمالٍ في الباطن”.[1] ويترسخ هذا البعد الجماعي للجمال في المجتمع وينتشر بواسطة تربية الناشئة عليه منذ نعومة أظفارهم. وذلك من خلال تربيتهم على “دوام الطهارة والنظافة، والسواك، والتطيب، والعناية بخصال الفطرة من شعر وأظفار.  ويُربَّوْنَ على لُبس اللباس البسيط الأنيق بلا ترف ولا تَشَبُّه بالكفار ولا تكبر، وعلى ترك الزينة الحرام، وعلى الكلمة الطيبة، والحياء والوقار، والبِشْرِ الدائم والابتسامة المشرقة، وكلمة السلام عليكم، وتشميت العاطس إلى سائر ما فصلته السنة النبوية من جماليات وآداب”[2]. ثم يستشهد بحديث نبوي يُبرز بواسطته كيف كان الصحابة رضي الله عنهم على العهد النبوي يستحضرون هذه التربية الجمالية التي رباهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوصون بها ليكون حملةُ الرسالة وأهلُ الدعوة شَامة بين الناس، فيلفتون الأنظار إلى الصورة الجميلة التي يرسمونها في الواقع بأخلاقهم وأفعالهم ومظهرهم. يقول الحديث فيما رواه أبو داود رحمه الله بسند حسن عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:” إنكم قادمون على إخوانكم. فأصْلِحوا رِحالَكم، وأصلِحوا لباسكم حتى تكونوا شامةً بين الناس. وإنَّ الله لا يُحب الفُحْشَ ولا التَفَحُّشَ “.


– ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، ص:188.[1]

– نفس المرجع، 188.[2]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.