منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القرآن والإنسان العلاقـة والوظيفـــة. 2- حقيقة الإنسان

اشترك في النشرة البريدية

المبحث الأول: أصـــــل الإنســــــان

    مطلب أصل خلق الإنسان:

لقد تحدث كثير من العلماء في العالم الغربي… عن نشأة الإنسان، بدون علم صحيح، وما اعتمدوا في كل ذلك إلا على نظريات وظنون لا ترقى إلى الحقيقة العلمية. وبالتالي كان كلامهم مجرد افتراضات وظنون. ومن عجيب  ما ظنوه أن الإنسان نشأ قردا… ثم تطور خلقه عبر العصور إلى أن صار إنسانا…والحقيقة أن أحدا من الجن أو الإنس لم يشاهد نشأة خلقه…ولا توجد آثار تدل عليه. وفي هذا يقول الله عز وجل:[ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا]        (الكهف:51 ). ومحال أن يكون الإنسان الأول قردا يمشي على أربع، لأن الإنسان الأول كان آدم عليه السلام، وكان نبيا… فالقردة مخلوقات أخرى غير الإنسان، خلقها الله تعالى على ظهر هذه الأرض مع باقي الدواب منذ عشرات الملايين من السنين قبل خلق الإنسان”[1].

أما الإنسان في حقيقة أصله ووجوده فهو كما يحدثنا عنه القرآن و السنة  الكائن البشري الذي يعود أصله إلى التراب…إنتماء إلى أبي الخلق آدم عليه السلام الذي بدأ الله خلقه من طين ثم تحول بإرادة من الله مقدورة إلى صورته الوافية الحسنة ذات التركيبة البشرية المتميزة التي تتسم بكل خصائص التكامل.

وقد جاء ذكر هذه الحقيقة في القرآن الكريم من خلال آيات كثيرة نعرض لها في قوله تعالى:[ ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون](الروم:20). وقوله تعالى:[ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين](السجدة:7).

 

المزيد من المشاركات
1 من 56

روى مسلم في صحيحه عنه صلى الله عليه وسلم قوله:” خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم”. يعني وخلق آدم من طين كما بين ذلك الله تعالى في القرآن الكريم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أحمد وأبي داود والترمذي وصححها:” إن الله خلق آدم قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن وبين ذلك، والخبيث والطيب”.

هذه النصوص الكريمة من الكتاب والسنة تقرر في يقين قطعي حاسم أن الإنسان مخلوق من طين أو تراب… وهي حقيقة يعززها العلم الحديث فيما ذكر عن العلماء الباحثين حول تركيبة الإنسان الجسدية، وهي أقوال تذهب في يقين إلى أن جسد الإنسان يشتمل على عناصر كلها من مركبات الأرض[2].

 

    مطلب مراحل خلق الإنسان:

لقد مر الإنسان الأول المتمثل في آدم عليه السلام قبل يُسوى إنسانا كامل الخلقة بمراحل ذكرها القرآن الكريم، وعدها بعض العلماء في عشر مراحل، وكل مرحلة تُعد تمهيدا لمرحلة أخرى تكون مبينة على ما قبلها، وذلك بصنع يد القدرة المدعمة بالحكمة والعلم الدقيق. وهذه المراحل هي:

 

1- التراب: وهذه هي القبضة من الأرض، وتشمل على جميع عناصر الأرض. كما نص على ذلك الحديث النبوي فيما رواه أحمد والترمذي وأبو داود عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك. والسهل والحزن وبين ذلك، والخبيث والطيب”. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقوله تعالى:[ ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون](الروم:20).

 

2- الماء: والتراب كما نعلم إذا أرادنا أن نشكل منه شيئا فلا بد من خلطه بالماء. والماء من ضروريات الحياة. قال سبحانه:[ وهو الذي خلق من الماء بشرا، فجعله نسبا وصهرا، وكان ربك قديرا](الفرقان:54).

 

3و4-  الطين والطين اللازب: مما لا شك فيه أن الطين نتاج خلط الماء بالتراب، وقد أشار الله تعالى إليه في قوله:[ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين](ص:71). وإلى الطين اللازب بقوله:[ فاستفتهم أهم أشد خلقا أم خلقنا، إنا خلقناهم من طين لازب](الصافات:11). أي طين لاصق لازم.. أو هو الطين الذي ينشف عنه الماء وتبقى رطوبته في باطنه، فيلصق في اليد كالشمع…

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 9

5- سلالة من طين: سميت سلالة لأنها استلت من كل الأرض، قال:[ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين](المؤمنون:12).

 

6- حمإ مسنون: الحمأ، جمع حمأة. وهو الطين المتغير. أو الطين الأسود المتغير الريح. ثم ترك حتى أنتن وتغير. يقول سبحانه:[ ولقد خلقنا الإنسان من حمإ مسنون](الحجر:33). وأما المسنون: فهو المنتن، أو المتغير الرائحة..

 

7و8- صلصال وفخار: والصلصال هو الطين اليابس الذي لم تصبه نار. فإذا نقرته صل، فسمعت له صلصلة، أو هو الطين المنتن. ويقال صل اللحم إذا تغيرت رائحته. والفخار: هو الطين يابس لم يطبخ، فله صوت إذا نقر، فهو من يبسه كالفخار. والفخار: ما طبخ بالنار. قال الله تعالى:[ خلق الإنسان من صلصال كالفخار](الرحمن:14).

 

9و10- التسوية ونفخ الروح: أما التسوية فهي تعديل صورة آدم وإتمام خلقته. وصدق الله العظيم إذ يقول:[ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم](التين:4). ونفخ الروح: أي أن الله عز وجل نفخ فيه الروح التي يحيى بها الإنسان، ولا تعلم ماهيتها، إنما أضافها إليه تشريفا لآدم…

قال الله عز وجل:[ وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين](ص:71-72).

أخرج مسلم في إفراده من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” خلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، ما بين العصر إلى الليل”[3]. قال ابن عباس رضي الله عنه:” لما نفخ فيه الروح أتته النفخة من قبل رأسه فجعلت لا تجري منه في شيء إلا صار لحما ودما”[4].

 

بهذه المراحل العشر تم خلق آدم، وأصبح بشرا سويا، وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” خلق الله آدم طوله ستون ذراعا”[5]، وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها”. وسُمي آدم لأنه خُلق من أديم الأرض، أو لأنه من الأدمة في اللون”[6]/[7].

 

بعد أن قرر الله تعالى أصل الإنسان بأنه من تراب ومن طين، انتقل ليقرر حقيقة أخرى هي أن خلق ذرية هذا الإنسان ونسله إنما كان من سلالة من ماء مهين. قال الله عز وجل:

[الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ في من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلا ما تشكرون](السجدة:6-8).

 

وكانت هذه التسوية ونفخ الروح وتركيب الأجهزة عبر مراحل وضحها الله تعالى وبينها في مواضع أخرى من القرآن الكريم، في قوله تعالى:[ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين](المؤمنون:12-14).

وفي الحديث النبوي عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا، يؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله، رزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح…[8].

بعد أن ذكر الله عز وجل مراحل خلق الإنسان في بطن أمه، نجده يذكر لنا مراحل أخرى يمر بها الإنسان في حياته من ميلاده إلى مماته، يقول الله عز وجل:[ فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة مخلقة وغير مخلقة، لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا](الحج:5). ويقول كذلك:[ الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، يخلق ما يشاء، وهو العليم القدير](الروم:54).

 

هكذا جاءتنا الأخبار من الوحي عن أصل خلق الإنسان، وعن مراحل تكونه في بطن أمه، وعن مراحل حياته كيف تنتقل به من ضعف ثم لقوة ثم لضعف وشيبة حتى يلقى ربه. ولكن لما حاول الإنسان أن يتجاهل الوحي ويتمرد عليه في بعض الأحيان، وهو المصدر الحقيقي، خرج إلينا بعد أن فكر وقدر، ثم فكر وقدر، ثم نظر، ثم عبس وبصر، بنتيجة مفادها أن أصل الإنسان “خلية هبطت من بعض الكواكب إلى الأرض، ثم نمت فيها فكانت حيوانا رديئـا في أبسط شكل، ثم تغيرت الأرض بفعل بعض المؤثرات الطبيعية، فاضطر هذا الحيوان المخلوق لتغيير معيشته، فتبع ذلك تغير في صفاته، ثم استحال مع طول الزمن وكثرة المؤثرات المختلفة إلى أحوال فارق فيها جنسه الأول، ثم ارتقى إلى قرد على مبدأ النشوء والارتقاء الذي فتنوا به، ثم مرت عليه ملايين السنين فارتقى إلى حيوان آخر هو بين القرد والإنسان.. ثم انقرض هذا الحيوان الواسطة بدليل عدم العثور عليه في آثار الأحياء، ولعل انقراضه كان على مبدأ الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح كما يقولون. ومن ذلك الحيوان الواسطة المفقود ارتقى الإنسان إلى ما هو عليه الآن[9].

 

المبحث الثاني: تكريــــــم الإنســـان

مطلب مفهوم التكريم:

الحديث عن تكريم القرآن للإنسان هو حديث عن موقع الإنسان في هذا الكون، هو حديث عن أصل الإنسان، هو حديث عن منهج تكريم الإنسان. الحديث عن تكريم الله عز وجل حديث عن ربنا الكريم وكيف أفاض من كرمه على هذا الإنسان فجعله مكرما، مكرم الأصل، ومكرم الفرع، فقال الله عز وجل:[ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا](الإسراء:70).

 

الكرم.. جماع الخير كله، فالكرم ليس هو الجود.. ولكن الكرم ضد اللؤم، الكرم جماع الصفات الحميدة كلها، والكريم هو المتصف بتلك المحامد اتصافا يجعلها ظاهرة فيه ظهورا جليا، هكذا يحدد أهل اللغة الكرم.. والتكريم جعل الشيء المكرم كريما في ذاته.. أي نفيسا، والله عز وجل حين قال:[ ولقد كرمنا بني آدم]، خاطب الإنسانية بتعبير اليوم، وبني آدم بتعبير القرآن أفاد أمرين:

– أفاد تكريما لهؤلاء الذين تناسلوا من آدم عليه السلام إلى قيام الساعة، ذكورا كانوا أو إناثا.

– وأفاد من تكريمهم أيضا أنهم قد تناسلوا من آدم، وآدم قد كُرم من قبل في الانطلاق.. وذلك ما جاء على لسان إبليس –نعوذ بالله منه- حين قال:[ أريتك هذا الذي كرمت علي ، لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا](الإسراء:62). هذا الذي كرمت علي إشارة إلى آدم عليه السلام حين أمر الله عز وجل الملائكة أن يسجدوا له[10].

 

مطلب مظاهر التكريم:

وتتجلى بعض مظاهر هذا التكريم الإلهي للإنسان في كونه:

– خلقه الله بيده: قال الله تعالى:[ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي].  [ص:75]. وفي هذه الآية ” تنبيه على أن هذا الخلق ليس عاديا من قبيل كن فيكون، ولكنه خلق له خصوصية، هي أن الله باشره بيده، فهذا تنويه بنفاسة هذا الإنسان وهذا المخلوق[11].

 

– سواه وعدله: يقول الله عز وجل:[ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك](الانفطار:6). ويقول أيضا سبحانه:[ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم](التين:4).

– نفخ الله فيه من روحه: قال الله تعالى:[ إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي](ص:72). ففي أصل الإنسان شيء من روح الله يرفعه إلى أن يكون عبدا لله تعالى، صالحا لقيامه بمهمة الخلافة في الأرض وعمارتها.

– علمه الله من علمه: قال الله تعالى:[ وعلم آدم الأسماء كلها]. وقال:[ الرحمان علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان](الرحمن:1-2). وقال أيضا سبحانه وتعالى:[ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم](العلق:3).

– أسجد الله له ملائكته، قال الله تعالى:[ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا، إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين](البقرة:33).

– جعله الله خليفة في أرضه: قال الله تعالى:[ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة](البقرة:30).

– سخر الله له الكون وما فيه: يقول الله عز وجل:[ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا](البقرة:29). ولا شك أن هذا التسخير من عظيم نعمة الله على الإنسان، يقول الله تعالى: [وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الله لغفور رحيم](النحل:18).

 

فعلى الإنسان أن يعلم ويعلم غيره من بني الإنسان أن من حقه الشرعي الإلهي الإنسانية والكرامة وإباء الضيم. هذه الكرامة في الدنيا باعتباره من بني آدم، وهناك الكرامة الكبرى يوم لقاء الله تعالى بالخلود في جنات النعيم جزاء كسب الإنسان في الدنيا. فالأرض وخيراتها لبني آدم خلقت. وخلق ابن آدم للكرامة عند الله إن لم تستعبده شهواته، ولم تفتنه الدنيا.

 

المبحث الثالث: سيــادة الإنســــان

  مطلب التسخير:

الله تعالى بعد أن خلق الإنسان أمده بكل ما يقيم لحياته استقرارا، ويعطي لنسله دواما واستمرارا، إذ سخر له هذا الكون كله، بسمائه وأرضه، بشمسه وقمره، ببره وبحره، بنباته ودوابه وشجره، بكل ما فيه لخدمته. يقول الله جز وجل يعدد على الإنسان نعمه:” ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة”(لقمان:20).

ويقول الله تعالى:[ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون. وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرؤوف رحيم. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون. وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر، ولو شاء الله لهداكم أجمعين. هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون. ينبت لكم الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم يذكرون. وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا، وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون. وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وأنهارا سبلا لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون. أفمن يخلق كمن لا يخلق، أفلا تذكرون. وإن تعدوا نعمة لا تحصوها، إن الله لغفور رحيم](النحل:5-18).

 

إن أهم ما يلفت القرآن نظر الإنسان إليه من أمر هذه النعم المسخرة له، إثبات حقيقتين اثنين:

الحقيقة الأولى: أنها لسان ناطق وبيان قاطع أن هذا الكون من صنع صانع وتدبير مدبر، وأنها عنوان جلي على وجود المكون لهذا الكون، وعلى أنه متصف بمقتضى ذلك بكل صفات الكمال والجمال والجلال.

الحقيقة الثانية:” أن جل ما يراه- الإنسان- حوله من أشياء الكون ومظاهره، مسخر من قبل الله تعالى لخدمته، وتدبير أسباب عيشه، وتحقيق شروط رفاهيته وأمنه… وأن أكثر هذه المكونات خاضع للتطوير والتحوير حسب ما يقتضيه السير مع مصلحة الإنسان. وأن الله تعالى قد أقام بين الإنسان والكون علاقة تدور مع التعبير القرآني في ثلاث كلمات وهي: التسخير، والتذليل، والتمكين. وهذه الكلمات في اللغة تعبر عن أبلغ معاني الإخضاع  والإخدام.

 

غير أن الله تعالى الملك الوهاب جلت قدرته قد استثنى جملة من الظواهر الكونية، وأكد للإنسان أن هذه الطائفة المستثناة باقية وستبقى بعيدة عن أن تطولها يده، وهي مستعصية عن أسباب التغيير أو التطوير.

من ذلك ظاهرة الموت التي جعلها الله تعالى قضاء مبرما في حق كل حي، وليس له أي سبيل للتحرر منه أو القضاء عليه.

ومن ذلك ما قد قضاه الله تعالى لحكمة يعلمها من حجب حقيقة الروح عن مدارك الإنسان وعلمه. ومن ذلك السنة الإلهية في سير الحياة الإنسانية من ضعف إلى قوة فضعف وشيبة.

ومن ذلك القانون الإلهي الذي أخضع به الإنسان الحاجة الماسة إلى نبت الأرض وقطر السماء وضروع الأنعام.

ومن ذلك قانون حركة الكواكب والأفلاك، فإن الإنسان لا يستطيع أن يغير شيئا من نظام الشمس أو القمر أو الأرض مهما أوتي من علم، ومهما ابتغى إلى ذلك من سبيل.

   مطلب التعمير:

فإذا أدرك الإنسان العلاقة بينه وبين هذه المكونات المحيطة به، وأيقن أن الله تعالى ما أقامها إلا لخدمته وتحقيق مصالحه، فإن القرآن ينبهه إلى حقيقة أخرى مفادها أن لا ينخدع بها أو يعرض عنها، فيضعها فوق مرتبتها الحقيقية أو دونها، بل يستعملها استعمالها الهادف إلى عمارة الأرض[12].

إن من تجليات سيادة الإنسان في هذا الكون قضية التسخير الكوني التي ذكرنا ينضاف إلى ذلك قضية أخرى وهي الاستيعاب المعرفي للكائنات، أي أن الإنسان هيأه الله تعالى بوسائله الإدراكية أن ينقل العالم الخارجي في مواصفاته الكمية إلى عالمه الداخلي في سبيل التصور، فيصبح هذا الكائن الصغير حاملا في ذاته لذلك العالم الكبير. فتحصل له بذلك القيومية والإشراف، قال الله تعالى:[ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا](البقرة:31).

 

فهذا التسخير الكوني وهذا الاستيعاب المعرفي لكائناته ساعدا الإنسان على عمارة الكون بما يتلاءم والمهمة الأساسية لخلافته في الأرض، وجعلا عنده في النفس الشعور بالقرابة من الكون والوفاق معه من غير خوف ولا عداء، ومنحا له أيضا المناخ الضروري لانطلاق قدراته وإقباله على الكون فاعلا ومستثمرا. يقول الله عز وجل:[ الذي جعل لكم الأرض مهدا، وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون](الزخرف:10)[13].

 

 

– أحمد شوقي إبراهيم، الروح والنفس والعقل والقرين، ط:4 يونيو2008، شركة نهضة مصر  للطباعة والنشر والتوزيع، ص:11.[1]

– أميرعبد العزيز، الإنسان في الإسلام، ط:2، 1986، دار الفرقان مؤسسة الرسالة بيروت، ص: 13. [2]

– أخرجه مسلم.[3]

– زاد المسير في علم التفسير، 1/62.[4]

– أخرجه البخاري ومسلم.[5]

– رواه مسلم. [6]

53– فؤاد علي مخيمر، منهاج الله في هداية البشر، سلسلة مكتبة المسلم العصرية، طباعة ونشر المؤسسة العربية الحديثة للطبع والنشر والتوزيع، ص:50-53.

– رواه البخاري ومسلم.[8]

عز الدين ماضي أبو العزائم، إنسان المؤمنين وإنسان الملحدين، ط1 سنة 1993، دار الكتاب الصوفي، ص:8.[9]

– الشاهد البوشيخي، مظاهر تكريم الإنسان في القرآن الكريم، ص:9-12.. [10]

– نفس المرجع: ص:13.[11]

58 محمد سعيد رمضان البوطي، منهج الحضارة الإنسانية في القرآن، ط3 سنة 1998، دار الفكر دمشق سورية، ص:88-90.

59– عبد المجيد النجار، خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، دار الغرب الإسلامي فيرجينيا أمريكا، ط2 سنة: 1993، ص:58، 59.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.