منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أخلاق المشترك الإنساني من خلال نوازل الونشريسي

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

تعددت مظاهر القيم الاجتماعية في كتب النوازل عموما، لأن هذه الكتب تبين بوضوح جوانب متعددة من المجتمعات التي ترصدها، في كتاب المعيار المعرب للونشريسي صورة واضحة عن مجتمع المغرب والأندلس، في هذا المقال نرصد مجموعة من المظاهر المرتبطة بتعايش مجتمعات الغرب الإسلامي مع غيرهم من معتنقي الديانات الأخرى.

نقصد بالتعايش، وجود نوع من القبول والتعاون والتعارف و « تطبيع العلاقات » والامتزاج .. بين المسلمين باعتبارهم أغلبية وباعتبار دولتهم دولة مسلمة، وبين اليهود والنصارى باعتبارهم أقلية، وهو مظهر واضح لمدى تحلي المسلمين بما يسميه الدكتور أحمد الفراك[1]: أخلاق المشترك الإنساني.

نشير إلى أن الفترة التي نعالجها هي الفترة التي أُلّف فيها الكتاب، وهي نهاية القرن الخامس عشر الميلادي أي: خروج المسلمين النهائي من الأندلس.

 

1ـ حرية العبادة:

المزيد من المشاركات
1 من 14

ورد في المعيار أنه : « يباح لكل طائفة منهم (اليهود) بناء بيعة واحدة لإقامة شعائرهم، وإذا انتقلوا في بلاد الإسلام من بلد لآخر جاز لهم إحداث كنائس في موضع استقرارهم … »[2]، هذه الفتوى توضح أن الطوائف من غير المسلمين كان لهم الحق ببناء ما يسعهم من أماكن عبادتهم، لإقامة شعائرهم الدينية، وإحداثها كلما انتقلوا من بلد لآخر، هذه الحرية في العبادة، تجلت أيضا في مظاهر أخرى، إذ أنه « إذا طلب منهم اليمين حلفوا بما يعظمون وحيث يعظمون »[3] ، بل إن الحفاظ على حريتهم في العبادة بلغ إسقاط حد الردة عنهم إن ثبت أن إسلامهم كان خوفا، فقد جاء في فتوى ابن تاشفين أن الذين أسلموا خوفا يقبل إسلامهم، وإذا رجعوا عن الإسلام لهذا السبب يعذرون ” إذ لا ملامة عليه (من رجع إلى النصرانية ) في أن يفر من الظلم بالخديعة والتلاعب[4] كما أن محاكماتهم كان يفتح لهم المجال أن تكون عند قضاة أهل دينهم فقد جاء في فتوى وجهت إلى أبي العتاب، أن يهوديا ادعى أن عمه حبس عليه جنة، وقام نزاع حول هذه الجنة فأفتى ابن العتاب أن لليهودي الحق إذا أراد رفع دعواه على عميه ومحاكمتهما إلى حكم أهل دينهم[5].

 

2ـ التملك وحرية التصرف فيه:

مما أورده الونشريسي في المعيار: « .. يهودي اشترى دارا في درب ليس فيه إلا المسلمون…فآذى الجيران بشرب الخمر وفعل مالا يجوز…فأجاب المفتي: يمنع الأذى وما وصف من شرب الخمر وفعل مالا يجوز، دون إخراج المشتري اليهودي[6]، فهذا رغم إذايته لجيرانه لم يُجز المفتي إخراجه من بيته الذي اشتراه وهو من ضمان حقوق الملكية، كما أن من مظاهر حرية التصرف في الممتلكات، الوقف، وقد ورد في كتاب المعيار « جواز وقف غير المسلم من الأحباس سواء كانت على أهله وأهل ملته، أو على غيرهم من المسلمين، ولا يجوز التعدي عليها بالبيع أو الشراء أو البناء أو بأي شكل من أشكال التعدي، ويلزم من فعل ذلك إزالته… »[7]

ويتضح من الفتوى التشديد على عدم جواز التعدي على أملاك غير المسلمين وأوقافهم، والإلزام بإزالة أي ضرر لهم حال وقوعه.

 

3ـ القيام نحوهم بواجبات الجوار :

ومن الفتاوى المؤكدة لهذه القيمة الخلقية: « رجل بجواره يهودي، قد ربِّيَ معهم، فربما جاؤوه في حاجة، أو عرضت له إليهم حاجة، وربما مشى في طريق ملاصقة لهم، فيجري بينهم حديث وابتسام، وكلام لين… فأجاب رحمه الله: .. أما جارك من أهل الذمة، فيستقضيك حاجة لا مأتم فيها فتقضيها له فلا بأس، أما لين قولك له إن خاطبك فإن لم يكن فيه تعظيم له ولا تشريف، ولا ما يغبطه في دينه، فلا بأس إذا ابتليت به، وأما إن سلم عليك فالرد عليه أن تقول: وعليك، ولا تزد »[8]

وفي طيات هذه الفتوى نلمس أيضا ضرورة الاحتراز من تعظيم غير المسلمين تعظيما قد يكون مدخلا للاستلاب و « الغبطة في الدين ».

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

4 ـ احتفالهم بأعيادهم ومناسباتهم:

يؤكد ذلك سؤال ورد على أبي الأصبع عيسى بن محمد التمبلي “عن ليلة يسميها الناس الميلاد، ويجتهدون لها في الاستعداد، ويجعلونها كأحد الأعياد، ويتهادون بينهم صنوف الأطعمة وأنواع التحف، ويترك الرجال والنساء أعمالهم صبيحتها، تعظيما لليوم، ويعدونه (يغدو به) رأس السنة”[9].

كما أورد الونشريسي أيضا أخبارا عن إقامة حفل العنصرة بإجراء الخيل والمباراة. وعدد بعض عادات كانت تقوم بها النساء في هذا اليوم الذي صار عطلة متبعة. وذكر أيضا أن الناس كانت تعظم السبوت والآحاد وتترك العمل فيهن[10]

وقد « سئل القاضي أبو عبد الله بن الأزرق، عن اليهود يصنعون رغائف في عيد لهم، يسمونه عيد الفطر، ويهدونها إلى بعض جيرانهم من المسلمين، فهل يجوز قبولها منهم وأكلها أو لا؟فأجاب:”قبول هدية الكافر منهي عنه على الإطلاق نهي كراهة »[11]، ومن اختياره الكراهة على التحريم دليل على التخفيف في مسألة قبول هدية غير المسلم.

 

 خاتمة:

بلغ التعايش بين المسلمين وغيرهم ببلاد الغرب الإسلامي درجة تعلم لغتهم والحديث بها، ففي المعيار فتوى يسأل فيها صاحبها عن رأي الشرع في من حلف بالعجمية أو طلق بها زوجه[12] كما كان لهم الحق في بيت مال المسلمين نفقة على من افتقر منهم[13] ؛ وفي كتاب المعيار للونشريسي فتاوى كثيرة نستشف من خلالها أن التعايش بين المسلمين وغير المسلمين كان حاصلا بدرجة كبيرة، فلغير المسلم حقوق دينية واقتصادية وثقافية، مصانة غير منقوضة، وهو ما يوضح بجلاء تميز الشريعة الإسلامية ومراعاتها لمقتضيات المشترك الإنساني.

[1] أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين بتطوان

[2] المعيار ج 2 ص 214/216

[3] المعيار ج 10 ص 309/310

[4] الونشريسي، ج 8 ، ص 63

[5] الونشريسي، ج7 ، ص . 439

[6] الونشريسي، ج.8، ص. 737

[7] المعيار ج 7 ص 59/60

[8] المعيار ج11 ص 301

[9] نفسه، ص. ج. 2،150-151

[10]  الونشريسي، ج. 11، ص. 92، 151-152

[11] المعيار ج 11 ص 111

[12] الونشراسي، ج. 2، ص. 56-60.

[13]  الونشريسي، ج. 8، 62

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.