منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 كيف يزكي التاجر تجارته؟ | سلسلة خطبة الجمعة

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

 كيف يزكي التاجر تجارته؟ | سلسلة خطبة الجمعة
الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

الحمد لله الذي شرع لنا ممارسة الأعمال والأخذ بالأسباب، وفرض في الأموال الزكاة بالمقدار والنصاب، فحصَّل من أداها الأجر والثواب، ونال من ضيعها العتاب والعقاب، وأشهد أن لا إله إلا الله طهر الأموال بالزكاة في محكم الكتاب، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الأوَّاب، صلى الله وسلم عليه وعلى الآل والأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الحساب.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

كثير من الناس في هذه الأيام يخرجون زكاة أموالهم، ليس لأنها مرتبطة برأس السنة أو بعاشوراء كما يعتقد البعض؛ بل الزكاة مرتبطة بتمام السنة في أي شهر كان، ولكن لما كان أجدادنا يبدؤون تجارتهم في رأس السنة بقيت الزكاة مرتبطة بها، وهي ركن من أركان الإسلام، تطهر القلوب وتزكي النفوس؛ والله تعالى يقول: *خُذۡ ‌مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا*؛ والأموال التي تجب فيه الزكاة ثلاثة أنواع:

  • النوع الأول: الثروة الفلاحة من كل منتوج فلاحي يصلح لأمرين:

1) اللاقتيات؛ بحيث يكون مادة غذائية يمكن للإنسان أن يعيش بها.

2) الادخار؛ بحيث لا تنتهي صلاحيته بمرور الأيام ولا يفسد بطول الأزمان.

  • النوع الثاني: الثروة الحيوانية

ولا تجب إلا في الأنعام من الإبل والبقر والضأن والمعز.

  • النوع الثالث: العملات من الدراهم وما يتبعها من الثروة التجارية

واليوم نقف عند النوع الثالث زكاة التجارة؛ لنتعلم كيف يزكي التاجر؟

التاجر باعتبار الزكاة في المذهب المالكي صنفان:

  • الصنف الأول: التاجر المحتكر

وهو الذي يمسك عنده السلعة المنقولة كالمواد الغذائية أو الثابتة كالعقار- منتظرا انتعاش السوق، فهذا لا يزكى إلا عند ما يبيع سلعته مرة واحدة، ولو بقيت عنده سنوات، وهكذا كان أغلب تجار العقار؛ بحيث تبقى عنده بقعة أرضية مثلا سنوات يحتكرها منتظرا انتعاش السوق، فهو يزكي إذا باع مرة واحدة.
ويجب التنبيه هنا إلى أن حكم الاحتكار نوعان: هناك احتكار مرفوض لأنه حرام؛ وهو احتكار سلعةٍ الناسُ في حاجة إليها حتى يرتفع ثمنها، وهناك احتكار مفروض على التجار إذا كان في سلعة لا يريدها أحد ولا يحتاج الناس إليها.

  • الصنف الثاني: التاجر المدير

الذي يدير البيع والشراء في السلعة أكثر من مرة في السنة أو في الشهر أو في اليوم مثل المواد الغذائية فطريقة أداء زكاته تمر عبر العمليات التالية:

  • العملية الأولى

يقوم برصد ما لديه من السلعة الموجودة تحت يده، يحسبها بثمن البيع لا بثمن الشراء، وذلك بأن يزيد على ثمن الشراء قسطا من الربح المقبول نسبة معينة مثلا: (2 % أو 3 أو 5) حسب رواج تجارته، وكل تاجر محترف يعرف قيمة ذلك.

  • العملية الثانية

يقوم برصد الديون التي له على الناس إذا كانت للتجارة، ولم تكن على معسر لا شيء عنده، ولا على منكر لم يعترف بها، فيضمها إلى ما تحصل لديه من مجموع السلعة، أما إذا كانت الديون من القرض الحسن فلا تزكى عند المالكية إلا بعد قبضها لمرة واحدة ولو بقيت عند المدين سنوات؛ وكذلك دين التجارة إذا كان على منكر أو معسر يزكيه إذا قبضه مرة واحدة، لأنه قبل القبض كالعدم

  • العملية الثالثة

ما تحصل لديه من مجموع العمليتين يضيف إليه النض أو الناض؛ والنض هو الربح الحاصل من إدارة التجارة الموجود تحت يديه؛ سواء توفر عنده في صندوق الحفظ (الكوفرفور) أو في الحساب البنكي، دون أن يعتبر من ذلك ما كان قد صرفه على نفقته أو نفقة أهله.

  • العملية الرابعة

ينقص مما تحصل لديه من العمليات الثلاثة الديونَ التي في ذمته والتي حان أجلها بحيث يدفعها لصاحبها في الشهر الذي يخرج فيه الزكاة، ولا ينقص منه التي لم يحن أجلها بعدُ؛ لأنه يوجد عندنا تجار يديرون الملايير، ويعيشون في رفاهية فارهة؛ ولكن إذا جئت تسأل عن الديون التي عليه تجدها قد أحاطت بكل ممتلكاته، فلو باع كل ما يملك وأضاف عليه نفسَه ما أدى نصيبها ولا بلغ نصيفها.

والفلاح الذي يشتغل بالفلاحة من أجل التجارة في المنتوجات الذي لا زكاة فيها؛ فإنه يزكي زكاة التاجر؛ مثل أصحاب فلاحة الخضر والفواكه والعسل والخروب (تيكيدا)؛ فهؤلاء هم تجار فيزكون كما يزكي التاجر سواء بسواء، والله يهدينا إلى سواء السبيل.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ لقد حدد النبيﷺ النصاب في الفضة بمائتي درهم؛ أي ما يعادل اليوم (4.000 درهم) تقريبا. أما الذهب فقد حددﷺ نصابه بعشرين دينار؛ أي: ما يعادل اليوم تقريبا (50.000 درهم).

والتقدير بالفضة أولى (4.000 درهم) لأسباب منها:

• أن الأحاديث الواردة في نصاب الفضة أكثر وأصح، وأما الواردة في نصاب الذهب فهي أقل، وفوق ذلك فلا تخلو من مقال يجعلها ضعيفة.
• أن التقدير بالفضة أحوط وأبرأ للدين؛ بحيث يزكي كل من يملك (4.000درهم) فما فوق؛ بينما التقدير بالذهب فيه الشبهة والشك والريب؛ والاحتياط في الدين أمر مطلوب؛ وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم: في الحديث المتفق عليه: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، وقال صلى الله عليه وسلم فيما روى الترمذي وصححه: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»؛ أي: إذا شككت في شيء فدعه وابتعد عنه؛ ثم كذلك القاعدة: “من شك في ركن بنى على اليقين”، واليقين الذي لا شك فيه هنا هو الأخذ بقيمة الفضة.

وبناء على ما سبق؛ فإن كل من يملك (4.000 درهم)؛ سواء من العملة أو من التجارة ودار الحول وهو عنده طيلة السنة بالتمام والكمال؛ فتجب عليه الزكاة ومقدرها ربع العشر أي: (2.5 بالمائة).

وقد يقول قائل: من يملك (4.000 درهم) لا يعتبر في الواقع غنيا؛ بل هو فقير من الفقراء؛ فمن يقول بذلك فلا يعدو أن يكون غبيا!؟

وأقول في الجواب لهذا: من يملك (4.000 درهم) طيلة السنة ولم يحتج إليها ولم يأخذ منها شيئا فهو غني عنها بأمور أخرى؛ فتجب عليه زكاتها، وعلاوة على ذلك؛ فهل من يملك نصاب الذهب وهو (50.000 درهم) هو غني في الواقع؟ بل هو أيضا فقير من الفقراء؛ فلا يحقق له: لا مسكنا ولا عملا ولا حتى ثمن مركب لائق.

ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.