منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حَجْرٌ، وحجَرُ قَبْرٍ..(قصة قصيرة)

إبراهيم الطاهري

1
اشترك في النشرة البريدية

 عاد سلام الذي بلغ أشده وبلغ أربعين سنة..، عاد من عمله بعدما قضى يوما كاملا يجول الأزقة والدروب..، عاد إلى بيته وهو منهك القوى.. نزع عنه لباس العمل، استحم كعادته، ثم تمدد على الأريكة، أخذ جهاز تحكم التلفاز، وصار يبحث عن قناته الإخبارية المفضلة، ريثما تُعِدُّ زوجته وجبة اللمجة كي يَسُدَّ بها رمق جوعه..

أوقفته نشرة إخبارية قبل وصوله إلى القناة التي كان يبحث عنها.. لقد أثار انتباهه ذلك الشريط الأحمر القابع أسفل الشاشة، شريط كان يشير إلى أخبار وإحصائيات عن وباء فيروس كورونا المنتشر عبر دول العالم، تأمل فيه قليلا وكان مولعا بقراءة كل ما يراه بالعربية والفرنسية أيضا.. فهو حاصل شهادة الإجازة في اللغة الفرنسية منذ سنوات خلت..

قرأ سلام ما قرأه، ثم تأفف..، سرعان ما غير المحطة على أمل أن يجد شيئا ينسيه هم العمل.. وغلظة بعض الزبناء الذين كانوا لا يجدون سواه بديلا، وكذلك كان يظنهم هو.. لقد كان يمتهن بيع السمك بأنواعه المختلفة.. يجول دروب وأزقة المدينة العتيقة بدراجته النارية الكبيرة الحجم ثلاثية العجلات ذات المبرد الأبيض الضخم، كان قد اقتناه بمساعدة من إحدى جمعيات المدينة..

وهو على حالته تلك أمام التلفاز، دخلت زوجته خديجة وهي تحمل بين يديها ما أعدته من مأكولات.. سألته عن يومه كيف كان، أجاب وهو في هدوء تام-وذلك ما عُرف عنه عند أفراد عائلته والجيران-يوم كباقي الأيام..؛ جري هنا وهناك، ومحاولة إرضاء الزبناء وتلبية طلباتهم..

أردفت خديجة قائلة: كان الله في عون الجميع، الحياة صعبة للغاية، وها هي تزداد صعوبة بفعل هذا الوباء الذي حل بالعالم بين عشية وضحاها دون سابق إنذار.. وصار يحصد في الأرواح، ولا يميز بين صغير أو كبير؛ ذكرا كان أو أنثى، غنيا أو فقيرا.. لقد أحاط بالمدن، ولم تسلم منه القرى ومناطق الجبال.. لُطفك يا الله.. تابعت حديثها، وهو ينظر إليها تارة وإلى التلفاز تارة أخرى، واللقمة بين يديه، وكأس الشاي أمامه، تابعت حديثها وقالت: سمعت في أخبار اليوم أن الدولة ستعلن في وقت قريب جدا عن بدأ حالة الطوارئ الصحية، وقد أسموا هذا بالحجر الصحي، أجابها قائلا: أي تقييد حركة الخروج.. فلا خروج إلا للضرورة القصوى.. وفي هذه الأثناء ظهرت على شاشة التلفاز شخصية(..) ذات منصب رفيع في الدولة؛ يظهر ذلك من خلال لباسها الرسمي، شرعت في إخبار المواطنين بما اتخذته الجهات المعنية من إجراءات احترازية تجنبا لتفشي الوباء الذي صار يهدد حياة الناس في كل بقاع المعمور..

المزيد من المشاركات
1 من 49

لا خروج إلا للضرورة القصوى، وبإذن موَّقَّع من عون السلطة أو من ربِّ العمل.. ويستثنى من ذلك بعض التجار وبائعي بعض المواد المعيشية الضرورية.. هنا تحدث سلام إلى زوجته التي ذُهلت لـِمَـا سمعت، تحدث إليها وقال مبتسما: ألم أقل لك ..؟ لا خروج يعني؛ لا خروج.. ثم تابع كلامه متسائلا: وهل يا ترى السمك من المواد الضرورية؛ ربما سيستغني عنه المواطنون، وعن أي سمك نتحدث وهو لا يصل إلى مدينتنا إلا بعد ليالي وأيام..

سرحت خديجة تفكر في المستقبل..، تساءل نفسها عن مصير زوجها الذي يعمل بكد وبصبر النمل من أجل كسب قوت عيش حلال؟ ولم يمض على زواجهما إلا أشهر قليلة.. دُيُون العرس لم تكتمل بعد..، صاحب الكراء لا يسأل عن حالهم إلا عند نهاية الشهر.. أسئلة كثيرة أخرجتها من عالمها إلى عالم آخر كانت لا ترجو السفر إليه ولو بالمجان..

مرر سلَّام يده أمام عينيها وخاطبها قائلا: هيه يا زوجتي العزيزة أراك عبرتي الحدود دون الحاجة لتذكرة سفر.. ودون أخذ إذن من زوجك حتى.. فيما تفكرين؟ أهو الطفل الذي سيحل ضيفا علينا قريبا؟ تنبهت وقالت في حسرة: أفكر فيك، أفكر في نفسي، أفكر في عموم الكادحين أمثالك.. أفكر في أصحاب المصير المجهول.. أجابها بهزله المعهود: ما شاء الله على السيدة الوزيرة، ينقصك الميكروفون فقط..

نظرت إليه وضحكت ثم قالت: كنت سأصير كذلك لولا أنك لم تستعجل خطبتي وطلب يدي للزواج من والدتي على حين غرة، وكانت يتيمة الأب لا يتجاوز عمرها الثلاثين..

قامت لتتمة باقي أشغال البيت، وبقي هو متكئ في مكانه.. وهنا راوده نفس شعور زوجته، تساءل مع نفسه وقال: ترى هل سنعود للبطالة من جديد بعدما قضينا فيها عمرا ليس بالقليل؟ أما وقد كان الأمر هينا لأنني كنت أعزبا فردا، أما الآن فأنا مسؤول عن بيت، وزوجة، وربما قريبا سأكون مسؤولا عن طفل ذكر أو أنثى، من يدري..؟

نام تلك الليلة على أمل الاستيقاظ على واقع أجمل.. رنَّ منبه الهاتف، قام من فراشه، توضأ وأدى فريضته كالمعتاد.. تناول فطوره، وهيأ نفسه للخروج وكله عزم وإرادة.. توجه صوب سوق الجملة الكبير الخاص ببيع الخضر والفواكه والسمك..

وصل أخيرا.. وجد أن الأمور على ما هي عليه كالمعتاد، لكن أضيفت لها إجراءات صارمة لم تكن من ذي قبل.. سلطات عمومية، وأطقم شبه طبية، تنظيم، تظهير، وتعقيم.. نظافة مغرضة.. ومع ذلك فقد تنفس الصعداء واطمأن قلبه لما رآه.. على الأقل سيستمر في عمله ولو إلى حين…

ظل يشتغل ما يقارب الشهر.. وفي كل يوم يزداد الأمر تعقيدا؛ ها هو في الزقاق الضيق بعدما أوقفته زبونة تريد بعضا من السمك، تبادلا أطراف الحديث..، علم منها أنها أرملة لا معيل لها وابنها من ذوي الاحتياجات الخاصة.. أشفق لحالها، أعطاها ما استطاعت يمينه.. أرشدها إلى ما يمكنها فعله كي تستفيد من الدعم المادي الذي خصصته الدولة لذوي الحاجة..

وهو يشرح لها الإجراءات التي يجب إتباعها لتلك الغاية، وقف حسن بدراجته الهوائية ذات الطراز القديم وقد جعل وثيقة الإذن بالخروج أمام المقود تحسبا لأي طارئ.. فغياب الوثيقة يعني الغرامة وقد تعني السجن أحيانا.. كانت تجمع بين سلام وحسن علاقة صداقة؛ فهما أبناء حي واحد، لعبا معا، ودرسَا معا أيام المرحلة الإعدادية، إلا أن حسن لم يتمم دراسته.. التحق بمركز للتكوين المهني تخصص حلاقة.. نظر إليه سلام، بادله التحية سأله عن أخباره، ووضعه، وحال أسرته، خاصة وأنه أُجْبر على إغلاق صالونه الخاص بالحلاقة بقرار من السلطات جراء فعل الجائحة..

هنا حسن بدأ يدعو بالويل والثبور.. ويقول: لم نعد قادرين على الاستمرار.. مصاريف الكراء على ضربين البيت والصالون.. زد على ذلك مصارف الماء والكهرباء والمعيشة من طحين وزيت وسكر و و و.. ثم تابع كلامه قائلا في حسرته: وأضف إلى ذلك كله.. سكت.

تدخل سلام قائلا: أضيف إليه ماذا يا حسن؟

رد حسن قائلا: مصاريف الهاتف الذي ابتلينا به مرغمين، فولدي أيمن لا تكفيه ورقة نقدية من فئة عشرين درها في الأسبوع كي يتمكن من متابعة دروسه عن بعد، فهذا العام مقبل على اجتياز امتحان البكالوريا، أما إكرام وسارة فلا حظ لهن مما يطبل له الإعلام صباح مساء.. كل تلاميذ الطور الابتدائي يستفيدون من دروسهم عن بعد، وأنَّا لهم ذلك، في التلفاز الذي يَبُث درسا في دقائق معدودات، أم عبر المنصات الرقمية التي استفادت منها شركات الاتصال فقط؛ تنخر العظم وتنهش اللحم..

هنا قاطع سلام حديثه وقال: كنت للتو أخبر الخالة رحمة عن طريقة الاستفادة من الدعم الذي خصصته الجهات المعنية.. ضحك حسن وضرب أخماسا في أسداس وقال: الدعم.. عن أي دعم تتحدث يا سلام، لقد أرسلنا رسائل عديدة إلى ذلك الرقم الذي زادنا وباء إلى وباءنا.. قدمنا شكوانا دون جدوى، آه يا سلام لقد ذهب أصحاب الدثور بالدعم والأجور، فصرنا نسمع أن كثيرا من أولئك أصحاب البطون العامرة قد استفاد من كل شيء..، وما زال يستفيد وربما سيبقى.. ضاربا عرض الحائط من هم مثلنا..

في هذه الأثناء رنَّ هاتف سلام.. أخرج الهاتف من جيبه، وإذ بالمتصل زوجته خديجة، قال في نفسه عساه خيرا لم تتصل في مثل هذا الوقت من ذي قبل.. حرر خط الاتصال وقال: مرحبا خديجة، لم تجبه، سمع صوتا عبارة عن أنين.. أصيب بالذهول والرعشة، أقلع بدراجته النارية دون أن يخبر حسن بشيء، لم يمهل الزبون الذي اشترى منه كيلوغرامين من السمك أن يدفع له المقابل..

في تلك اللحظة، ركب دراجته وصار يطوي الأزقة والدروب طيا، كان لا يرى شيئا يمر من أمامه أو بجانبه، فقد خيمت صورة زوجته على عينيه.. بدأت الأفكار السلبية تراود ذهنه، ترى ماذا حدث لخديجة؟ وما وضعها الآن..؟ كانت المسافة الفاصلة بينه وبين بيته تقدر بربع ساعة تقريبا..

وصل أخيرا إلى الزقاق الذي يقطن فيه..، ركن دراجته النارية بقارعة الزقاق.. ذهب مسرعا وإذ به يجد سيارة الإسعاف قد سبقته إلى عين المكان، صراخ وصخب، جري هنا وهناك.. أعوان السلطة، الجيران، رجال لُفَّت أجسادهم بلباس أبيض لا يُظهر من معالمهم شيئا، كانت وجوههم مقنعة تماما، أشياء توحي بهول الكارثة..

أمور كان يراها سلام على شاشة التلفاز فقط، كان يراها يوميا..، لكنه لم يفكر بتاتا أنه سيعيشها بالصوت والصورة.. باب بيته مشرع.. ها هي خديجة تخرج محملة على ناقلة وقد غطي جسدها بالكامل بنفس اللباس الذي يرتديه الطاقم الطبي الذي هرع إلى عين المكان، وُضعت على متن سيارة الإسعاف، ثم أطلقت سفارة الإنذار وغادرت بأقصى سرعة.. ذهبت خديجة إلى عالم المجهول، الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود.. فهل يا ترى ستخرج خديجة من هذا العالم؟

في هذه اللحظة الحزينة جثا سلام على ركبتيه ووضع يديه على رأسه، لم يتحكم في دموع عينيه..، ربَّاه خديجة زوجتي ذهبت، لم تخرج من البيت بدوني مذ زواجنا، لا يعقل.. أنا السبب فيما حصل، يا ليتني كنت مكانك يا خديجة، يا ليتني مت قبل هذا.. أحس سلَّام بيد أثقلت كتفه، التفت إلى الخلف وإذ بمساعد طبيبي يسأله: هل المريضة من أقاربك؟ فأجاب نعم هي زوجتي.. تابع المساعد طرح أسئلته على سلام، سأله عن نوع عمله؟ فقال أنا بائع سمك، تأسف المساعد.. ثم قال مع نفسه ربما ستحل الكارثة بالمدينة كلها..، ربط الاتصال بباقي زملائه، أخبرهم بتفاصيل الأمور..، سرعان ما وصلت سيارة إسعاف أخرى، هذه المرة ستأخذ سلام إلى المجهول الذي ذهبت إليه زوجته، لقد كان السبب فيما آلت إليه بحكم عمله ومخالطته لعدد من الناس يوميا..

أجريت له فحوصات طبية على الرغم من أنه لم تظهر عليه أعراض المرض قبل.. لكن توضح بعد نتائج الفحص أنه مصاب بفيروس كورونا.. وُضع في غرفة العزل تحت العناية المركزة.. حُرم من زيارة أهله وجيرانه.. الكل مرغم بالالتزام بالحجر الصحي ..

في هذه الآونة خديجة تصارع الوباء فقد تبين أنها مصابة، وأن إصابتها بليغة بفعل ضعف مناعتها.. استمرت الأيام.. استيقظ سلام على خبر وفاة زوجته، وقد تماثل هو للشفاء بعد مرور أسبوعين من الحجر والعلاج..

عاد إلى البيت منفردا.. ذهبت خديجة إلى غير رجعة رغم مجهودات الأطباء، صار البيت مظلما، ملابسها، رائحتها، صور عرسهما، أحلامها.. كل شيء بقي إلا هي.. وبقي سلام يؤنب ضميره.. وصورة زوجته لا تفارق خياله، ها هو في بيته ملتزم بالحجر الصحي الذي قد يبقى فيه إلى الأبد وإن رفع عن بقية الناس..

 

 

 

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. Hamza aziz يقول

    سلمت يمينك أخي الفاضل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.