منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السّعادة (قصّة قصيرة)

 السّعادة (قصّة قصيرة)/عبد الهادي المهادي

0
 السّعادة (قصّة قصيرة)
بقلم: عبد الهادي المهادي
كانت الشمس تستعدّ لتطلّ على غزّة عندما خرجَ رفقة صديقه يحمل سلاحه وهو يُمنّي النفس بأن يُمنح اليوم شرف قتل جندي عدوّ أو حرق دبّابة. تسلّلا بين الخرائب، وكمِنا بين الأحراش، وهناك قعدا يستلّان من قدميهما الحافيتين بعض الأشواك التي علقت بهما حتى أدمتهما دون أن يكون لهما من الوقت ما يسمح بانتزاعها.
همس لصديقه والبِشرُ ظاهر على مُحيّاه: هذا الفجر زارني جدّي ـ رحمه الله ـ في المنام. كان بكامل زينته، ويضع عطرا فوّاحا، وكانت سبحة صغيرة عتيقة تكرّ حبّاتها بين يديه بسهولة ويُسر. تلك السبحة سبق وأن حدّثني عن تعلّقه الشديد بها، قال بأن عائلته تتوارثها منذ الملك النّاصر، دون أن تفرّط فيها أبدا. احتضنني، ووَشْوَشَ لي بكلام أسكرني دون أن أتبيّن معناه، ثمّ وضع بين يديّ بندقية تبدو من خلال مظهرها أنّها استُعملت كثيرا ولمدّة طويلة دون أن تفقد فاعليتها. قبّل يديّ ثم رحل وهو يبتسم ابتسامة لم أر في حياتي أعذب منها.
كان صديقه ينصتُ إليه بفرح دون أن يُعلّق بشيء، كان يحدّث نفسه بأنّ المرائي المُبشّرة كَثرت هذه الأيام، ولعلّه خير إن شاء الله.
شدّ على يديه، ثمّ انطلقا يبحثان عن موقع مناسب لـ”الصّيد”.
سمعا فوقهما أزيزا يعرفانه جيّدا، كانت طائرُ العدو للاستطلاع، أو طائرة مسيّرة، عَلِما حينها أنّهما مراقبان، ولكنّ هذا الأمر لم يجعلهما يتردّدان أو يتراجعان. التصقا بما بقي من الجدران واقفا وتابعا طريقهما.
فجأة سقطا معا على الأرض؛ لقد أصابتهما الطائرة، وها هو يرى صديقه ملقى على الأرض دون حراك؛ لقد استشهد. وها هو يحسّ بأنّ شيئا ما يتسلّل بهدوء ولطف من بين جوانحه. الآن فقط أدرك أنّ جده كان يدعوه إلى اللّحاق به، ولكن دون أن يُفرّط في كلّ ما يجب القيام به. جروحه غائرة وتمنعه من الحركة. إحساس ما غزاه بأنّ العالم سيتفرّج عليه، تحمّل كلّ الألم، واستجمع كلّ ما بقي معه من قوّة وهوى على الأرض في سجدة كاملة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.