منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

آيا صوفيا بين الكنيسة والمسجد في تركيا

0
اشترك في النشرة البريدية

 

مقدمة :

في العاشر من يوليو 2020م وافقت المحكمة الادارية العليا التركية على قرار تحويل متحف  ‘آيا صوفيا’  إلى مسجد ، و خلف هذا القرار ردود فعل متباينة بين غرب مسيحي مستنكر لهذه الخطوة[1] وبين جمهور من المسلمين مرحب وداعم لهذا القرار الجريئ.

فإذا كان المسيحيون بمختلف طوائفهم وكنائسهم الغربية والشرقية قد استنكروا هذا الفعل على اعتبار أن هذا المبنى كان أصله كنيسة مسيحية أرثوذكسية في بداية الأمر، فإننا ـ بغض النظر عن من له الحق فيه ـ  يحق لنا السؤال عن واقع الكنائس في الغرب المسيحي، ليتبين في الأخير أن الدافع الحقيقي وراء ردود الفعل هاته ليس الدفاع عن الوجود المسيحي المنقرض في الغرب كما في الشرق،  وإنما الأمر في مجمله لا يعدو أن يكون عداء واضحا للإسلام المنتشر بإذن الله في قواعد وآفاق كانت إلى وقت قريب حكرا على المسيحيين دون غيرهم.

وإذا كان جمهور المسلمين يؤيد هذه الخطوة، فهذا ليس انتصارا للدين الإسلامي وتعديا على كاتدرائية مسيحية، وإنما هو إنصاف تاريخي تؤكد كل الشواهد التاريخية عليه، ومنها مافعله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثناء فتحه للقدس الشريف.

المزيد من المشاركات
1 من 21

1ـ آيا صوفيا وواقع الكنائس المسيحية.

وقبل التطرق إلى واقع الكنائس المسيحية في الغرب كما في الشرق يجمل بنا أن نذكر باختصار شديد بأهم المحطات التاريخية لهذه المعلمة الدينية ‘آيا صوفيا’ ، وقد أكدت المصادر التاريخية على مايلي:

ـ بين عام 532م وعام 537م : وبناء على أوامر الإمبراطور الروماني ‘جستنيان الأول’ تم بناء الكاتدرائية القسطنطينية’آيا صوفيا’، واستغرق بنائها حوالي خمس سنوات حيث تم افتتاحها رسمياً عام 537م. وكانت في ذلك الوقت أكبر مبنى في العالم وأول من استخدم قبة معلقة بالكامل.وكانت آن ذاك تنتمي إلى الكنائس المسيحية الأرثوذكسية.

ـ في عام 1204م، تم تحويل الكاتدرائية الأرثوذكسيَّة من قبل الحملة الصليبية الرابعة إلى كاتدرائية  كاثوليكية تحت حُكم الإمبراطورية اللاتينية.

ـ في عام 1261م: عند عودة الإمبراطورية البيزنطية يتم استعادتها إلى كاتدرائية أرثوذكسية شرقية.

ـ في عام1453م: وبعد سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين تم تحويلها إلى مسجد.وتشير بعض الروايات الإسلامية أن السلطان محمد الفاتح اشترى المبنى والأرض المحيطة من مالكيها، ليتمكن المسلمون من أداء الصلاة بها، حيث لم يكن هناك مسجد يقيمون فيه الصلاة آنذاك.

ـ في عام 1935م تم تحويلها إلى متحف إبان حكم ‘كمال أتاتورك’ لتركيا التي تم تحويلها من الخلافة الإسلامية إلى الدولة العلمانية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

ـ في يوليو عام 2020م، ألغى قرار محكمة تركية وضع ‘آيا صوفيا’  كمتحف،  وأمر مرسوم لاحق من رئيس تركيا’ طيب رجب أردوغان’  بإعادة تصنيف ‘آيا صوفيا’ كمسجد.

إن هذا السرد التاريخي الموجز يظهر لنا  بوضوح كيف انتقلت ‘آيا صوفيا’ ـ وعبر حقب تاريخية مختلفة ـ من كنيسة شرقية إلى كنيسة غربية لتعود كنيسة شرقية، ثم لتتحول إلى مسجد، ومنه إلى متحف ، لتعود الآن إلى مسجد.

كما أن هذه التحولات صاحبها تراجع واضح للكنائس المسيحية و في المقابل بروز للمعالم الإسلامية، حيث تؤكد الإحصائيات أن “الذين يؤمنون في أوروبا بوجود إلهٍ في هذا الكون لا يتعدَّون 14 % من الأوربيِّين! والذين يذهبون إلى القُدَّاس مرةً في الأسبوع في فرنسا أقلُّ من 5 % من السكان، و10 % من الكنائس الإنجليزيَّة معروضة للبيع؛ لعدم وجود مصلِّين، وفي جمهورية التشيك لا يذهب للقُدَّاس الأسبوعي إلاَّ 3 % من السُّكان؛ في ألمانيا توقف ” القداس” في 100كنيسة ـ من 350كنيسة ـ.. ولذلك فإن 50 % من الكنائس زائدةٌ عن الحاجة، ومعروضة للبيع، الأمر الذي دفع إلى تحويل الكنائس إلى أغراض أخرى، وهكذا كثيرٌ من الكنائس التاريخيَّة في أوربا قد تحوَّلَت إلى مَلاهٍ ومطاعم يغني فيها المغنون بعد أن تحولت “مذابحها ” إلى أفران” للبيتزا” … “[2]

وهذا الأمر لم يقتصر على الكنائس الغربية بل تعداه إلى الكنائس الشرقيَّة التي عرفت نفس التراجع، وتحول الكثير من المنتسبين إليها إلى الإسلام . فأفضى هذا كلُّه إلى واقعٍ جديد تتحدَّث أرقامُه عن دخول الكنائس الشرقية عصورَ الانقراض!” ويكفي أن نعلم أن فلسطين ـ بلد المسيح ـ ومهد المسيحية قد تناقص تعداد المسيحيين فيها من 20% إلى 1.8% وأن المسيحيين المقدسيين قد باع الكثيرون منهم أرضهم وبيوتهم للصهاينة، وهاجروا إلى بلدان الرفاهية المادية

وفي مصر ـ حيث أقدم كنائس الشرق وأكبر الأقليات المسيحية الشرقية ـ توقع الكاتب والأستاذ القبطي الأرثوذكسي الدكتور ‘كمال فريد إسحاق’ ـ أستاذ اللغة القبطية ـ أن انقراض المسيحيين المصريين خلال مائة عام، وأكد أن نسبة المسيحيين المصريين تقل تدريجيا وذلك لأسباب ثلاثة: أولها: الهجرة إلى الخارج . ثانيها: اعتناق عدد كبير منهم الدين الإسلامي , وثالثها: أن معدل الإنجاب عند المسيحيين ضعيف على عكس المسلمين…

فحسب دراسة حديثة أن ما بين 12 و15 مليون مسيحي عربي في الشرق الأوسط سينخفض عددهم إلى 6 ملايين فقط بحلول عام 2025!!” [3]

فكيف تطالب الكنائس المسيحية ومن ورائها الغرب المسيحي المعادي للإسلام باسترجاع بناية عاشت قرون طويلة في ظل الإسلام كمسجد للصلاة، وهي لم تستطع أن تمنع كنائسها الأصلية من التحول إلى قاعات للرياضة والعروض الفنية الماجنة؟ أليس الأجدر بها أن تحافظ على كنائسها في عقر دارها وتحت سيادتها ؟

ألا يستحي هؤلاء من ردود أفعالهم المنافقة وهم يعلمون أن عددا من مساجد المسلمين في الأندلس والبلقان تحولت إلى بارات ونوادي ليلية، كما تحول مسجد’بابري’ في الهند إلى معبد للأصنام ؟

وَلمِ لم نر ردود فعل مشابهة على ما فعله الصهاينة بكنائس القدس الشريف مهد المسيحية، خاصة بيع ممتلكات البطريركية اليونانية الأرثوذكسية بالقدس الشريف للمستوطنين اليهـود ،التي حولوها إلى دور للعبادة وللأنشطة الثقافية والتعليمية في محيط كنيسة القيامة ؟  ألم تكن من أملاك وعقارات الكنيسة الأرثوذكسية، فباعتها بمئات الملايين من الدولارات للمستوطنين اليهـود؟  فلم التباكي إذن عن ادعاءات سلب كنيسة ‘آيا صوفيا’ من الكنيسة الأرثوذكسية ، أليس المال عند أصحابها أهم من الجدران ومن كل الأوهام التي يروجون لها؟ بل أين كان البابا حينما أُعْلِنَت القدس الشريف عاصمة أبدية لإسرائيل ؟

أم تراهم يحاولون تأكيد التعصب الإسلامي وهيمنته على الديانات الأخرى وكنائسها من خلال استرجاع مسجد آيا صوفيا ؟

لكن مجموعة من الوقائع التاريخية تدحض هذه الادعاءات جميعها وخاصة عند فتح القدس الشريف علي يد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

2ـ فتح القدس الشريف : صورة ناصعة في تعامل المسلمين مع الكنائس المسيحية

تحكي المصادر التاريخية أن ‘أبو عبيدة بن الجراح’ وبناء على توجيهات الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه توجه إلى ‘إيلياء’ ليفتحها بعد  أن حاصرها ، “مما دفع بالبطريك “صفرويتيس” إلى تسليمهم المدينة،لكنه اشترط أن يسلم مفاتيحها إلى الخليفة نفسه، فقبل عمر ذلك” [4]. ونذكر هنا ترجمة  مقتطف من مخطوط تاريخي قديم كتب باليونانية ، ووجده ‘عبد الله التل’ أن قائد  معركة القدس سنة 1948م ، ثم حاكمها العسكري. وجد هذا المخطوط في دير المصلبة في القدس، يؤكد الحدث ويسجل بتفصيل حادث فتح الخليفة عمر بن الخطاب لمدينة القدس ، وهذا نصه : «لما اشتد حصار جيوش المسلمين ببيت المقدس سنة 636م أطل البطريك “صفرونيوس” Sophronius على المحاصرين من فوق أسوار المدينة وقال لهم: إنا نريد أن نسلم ولكن بشرط أن يكون التسليم لأميركم، فقدموا له أمير الجيش، فقال، لا، إنما نريد الأمير الأكبر، نريد أمير المؤمنين، فكتب أمير الجيش إلى عمر بن الخطاب يقول: إن القوم يريدون تسليم المدينة لكنهم يشترطون أن يكون ذلك ليدك شخصيا،فخرج عمر من المدينة قاصدا بيت المقدس، فلما بلغ سور المدينة، وجد نصاراها في استقباله خارج بابها المسمى باب دمشق وعلى رأسهم البطريك صفرونيوس”. [5]  وبعد هذا الاستقبال واللقاء التاريخي الذي تحققت فيه بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بفتح المدينة، خطب عمر بن الخطاب  في تلك الجموع الحاشدة بالقول: “يا أهل إيلياء، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، ليزيل بذلك الغموض الذي  كان مسيطرا  على  أهل البلد حول مصيرهم في ظل الوضع الجديد ،فقد أعطاهم رضي الله عنه  آمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم شريطة أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن”[6]. وهذا الأمان كان وفق شروط حددتها  ‘وثيقة الأمان’ التي عرفت فيما بعد بالعهدة العمرية “بعد ذلك تأتي دعوة البطريك “صفرونيوس” للخليفة لتفقد كنيسة القبر المقدس (كنيسة القيامة) فلبى الدعوة، لتدركه الصلاة وهو فيها، فالتفت إلى البطريك وقال له: ” أين أصلي؟ فقال: مكانك  صل…فقال ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة القيامة فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدا وابتعد عنه رمية حجر وفرش عباءته وصلى”[7]. وبعد أن أقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه عشرة أيام ، ولى على بيت المقدس ‘يزيد بن أبي سفيان’ على أن يأتمر بأوامر ‘أبي عبيدة’، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ المدينة ، وتلبس توبا إسلاميا منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا. وليترك لنا سيدنا عمر بن الخطاب صورة ناصعة عن تعامل المسلمين مع الكنائس المسيحية تتوارثها الأجيال.

خاتمة:

نختم بحديثين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما بشارة نبوية عظيمة تبشر بانتشار الدين الإسلامي ودخوله كل بيت مدر و وبر بعز عزيز أو بدل دليل ، “فعن تميم الداري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر “[8] وكان تميم الداري يقول :” قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذل والصغار والجزية .

وتبشر أيضا بأن ملك الأمة الإسلامية سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها، فعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه قال : قال رسول الله صلى الله عليه “إنَّ  اللَّهَ  زَوى  لي  الأرْضَ ، فَرَأَيْتُ  مَشارِقَها  ومَغارِبَها، وإنَّ أُمَّتي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي مِنْها…” [9]

ـ الهوامش

[1] تعرضت الخطوة لإنتقادات واسعة وشديدة من اليونان وروسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليونسكو ورؤساء الطوائف المسيحيَّة مثل بطريرك القسطنطينية المسكوني وبطريرك الكنيسة الروسية الأرثوذكسية وغيرهم.

[2] محمد عمارة: الفارق بين الدعوة والتنصير ، الاسماعيلية،مكتبة الإمام البخاري للنشر والتوزيع، 2007، ص: 9ـ 10

كما هذه الإحصائيات كانت قبل سنة 2007 م، أما اليوم فقد تغيرت كثيرا.

[3] المرجع نفسه، ص: 13ـ 14 نفس الملاحظة حول الاحصائيات.

[4] غازي اسماعيل ربايعة، القدس في الصراع العربي الإسرائيلي،دار الفرقان للنشر، عمان ط1، 1993م، ص: 20-21.

[5] خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية، عبد الله التل، دار القلم، القاهرة 1964، ص: 127 – 128 – 129.

[6] محمد عثمان شبير،بيت المقدس وماحوله خصائصه العامة وأحكامه الفقهية،مكتبة الفلاح، الكويت ، ط1، 1987م، ص:66

[7]ظفر الإسلام خان، تاريخ فلسطين القديم، 1220ق.م– 1359م.: منذ أول غزو يهودي حتى آخر غزو صليبي، دار النفائس لبنان ، ط. 3، 1981، ص: 140 -141.

[8] أخرجه أحمد رقم ( 16998 ) 4/ 103، والطبراني في مسند الشاميين رقم ( 951 ) 2/79 ، والحاكم في المستدرك رقم ( 8326 ) 4/477 وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، والبيهقي في السنن الكبرى رقم ( 18400 ) 9 / 181،

[9] صحيح مسلم رقم الحديث: 2889

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.