منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أعظم خسارة أن تكون الجنة عرضها السموات والأرض وليس لك فيها مكان!؟ |سلسلة خطبة الجمعة

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني

0

أعظم خسارة أن تكون الجنة عرضها السموات والأرض وليس لك فيها مكان!؟ |سلسلة خطبة الجمعة
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
الحمد لله جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نزلا، ويسر المكلفين للأعمال ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مؤمن بمقتضاها قولا وعملا، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله دعا إلى دين لا نَبغِي به بدلا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ما دام الإنسان ينشد في هذه الدنيا عملا وأملا…

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته…

إن أعظم خسارة للإنسان المسلم في هذه الدنيا ليست في ضياع ماله وثروته، ولا في مرض ينال من جسده وصحته، ولا في موت أحد من أهله وأفراد عائلته، ولا في دراسة لم يحقق منها نجاح مهمته، ولا في منزل ضاق عن استيعاب أثاثه وأسرته، ولا في حادثة سير هشمت أجزاء من سيارته؛ ولا في مشاكل نالت من أغراضه، ولا في حوادث زادت من أمراضه، ولا في عيوب شوهت من أعراضه.

إن أعظم خسارة للإنسان المسلم ليست في كل ما يشبه هذه الأمور التي تعد من الابتلاءات التي بنيت عليها الحياة الدنيا؛ إذ الدنيا مبنية على الابتلاءات بالمصائب والفتن؛ يقول الله تعالى فيها: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}، ويقول سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}…

فما هي إذن أعظم خسارة إنسان غادر الدنيا؟

أعظم خسارة أن تكون الجنة عرضها السموات والأرض وليس لك فيها مكان!؟

أعظم خسارة أن تكون الجنة واسعة بهذا الشكل العظيم ولم تستطع -أنت أيها الإنسان- أن تحجز لك موطئ قدم منها!؟

أعظم خسارة أن تكون في الجنة منازل فخمة «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» ولم تتمكن من أن تقتني لك منها منزلا أو تكون لك فيها منزلة!؟

يقول الله تعالى فيها: {سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، ويقول سبحانه في آية أخرى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}؛ خسارة –والله- أن أكون مسلما ثم أضيع على نفسي فضل الله العظيم في الجنة!؟

نعم هناك مسلمون لا يدخلون الجنة بداية، ولكن ربما يدخلونها نهاية؛ فمن هم هؤلاء المسلمون الذين لا يدخلون الجنة!؟

لقد كشف لنا الرسولﷺ عن مسلمين ارتكبوا جرائم ووقعوا في محرمات فحالت بينهم وبين دخول الجنة إذا لم يتوبوا منها قبل أن يموتوا؛ ومن هؤلاء الذين لا يدخلون الجنة رغم أنهم مسلمون من يرتكب جرائم لها علاقة بأمراض القلوب والعقيدة، أو جرائم لها علاقة بأعراض الأخلاق والسلوك والمعاملات، أو جرائم لها علاقة بأغراض الأموال والممتلكات والمأكولات؛ جرائم تتعلق بـ :
(أمراض القلوب، وأعراض الأخلاق، وأغراض الأموال).

  • أولا: الجرائم المتعلقة بأمراض القلوب:

– منها المتكبر المتجبر الظالم المعتدي على الحقوق، الذي يحتقر الناس وينظر إلى غيره نظرة استعلاء وازدراء؛ روى الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبيﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: يا رسول الله؛ إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة؟ قالﷺ: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطَر الحق، و غمط الناس»، أي الكبر هو رفض الحق واحتقار الناس؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.

– ومنها المصدق بالسحر والشعوذة والمؤمن بهما؛ روى ابن حبان أن النبيﷺ قال: «لا يدخل الجنة… مؤمن بسحر…» وفي رواية «مصدق بالسحر»، وما أكثر المشعوذين والمشعوذات اليوم؛ موجودون في كل حي، بل لهم فضائيات خاصة، ومواقع في شبكة الأنترنيت المتخصصة؛ فكل من أخبرك بالغيب سواء بفتح الكتاب أو ما يسمى عندهم بالاستنزال، فهو ساحر مشعوذ، وكل من كتب لك طلاسم فيها جداول وكلمات غير مفهومة، فهو مشعوذ، وكل من كتب لك وصفة فيها بخور، أو طلب منك ذبيحة على قبر فلان أو فلانة، أو ديكا أسود أو أحمر أو غير ذلك، فهو مشعوذ سارق. وكل من يكتب في يد المرأة أو صدرها أو رجلها فهو مشعوذ فاسق، وكل من يدعي قراءة الكف أو كشف الطالع للمحبة أو الكراهية أو قراءة الأبراج فهو مشعوذ ساحر؛ وكل من ادعى لك تيسير رزقك وجلب الزبائن لدكانك، فهو مشعوذ إنما يجلب لك الزبانية، وييسر من جيبك رزقه، فإذا ذهبت إلى أمثال هؤلاء، وصدقت بما يقولون فقد حرمت على نفسك الجنة.

  • ثانيا: الجرائم المتعلقة بأعراض الأخلاق:

– منها قاطع الرحم؛ روى البخاري ومسلم أن النبيﷺ قال: «لا يدخلُ الجنةَ قاطع رحم» أي الذي لا يصل رحمه؛ والمراد بالرحم: الأقرباء من ناحية الأب والأم؛ ومعنى صلة الرحم: الإحسان إليهم وزيارتهم وتفقد أحوالهم والسؤال عنهم، ومساعدة المحتاج منهم، والسعي في مصالحهم على قدر الإمكان إذا احتاجوا وإن قطعوك.
– ومنها الذي يؤذي جيرانه ويسيء إليهم ويضيع حقوقهم؛ روى الإمام مسلم أن النبيﷺ قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه».
– ومنها النساء المتبرجات المتسكعات، في الشوارع والساحات، اللاتي وصفهن النبيﷺ بالكاسيات العاريات؛ روى الإمام مالك في الموطأ أن النبيﷺ قال: «نِساء كاسيات عاريات مائلات مُميِلات، لا يدْخُلْنَ الجنة…».
– ومنها العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال في هيتها ولباسها، والديوث الذي لا يبالي من دخل على أهله، والذي يقبل لبنته أو زوجته الخبث من الزنى وما يؤدي إليه من التبرج والخلوة وغير ذلك؛ جمع النبيﷺ ذلك فيما روى النسائي فقال: «ثلاث لا يدخلون الجنة: العاق والديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث».
– ومنها النمام؛ روى البخاري ومسلم أن النبيﷺ قال: «لا يدخل الجنة قتات»؛ والقتات هو النمام الذي يفسد العلاقات بين الناس بالنميمة.

  • ثالثا: الجرائم المتعلقة بأغراض الأموال:

– منها المنان بما أعطى؛ أي: الذي يساعد المحتاجين بماله ثم يفتخر ويتكبر عليهم بذلك، كما لا يجوز أن تكون نمّاما بالشر، كذلك لا يجوز أن تكون منّانا بالخير، ومدمن الخمر؛ روى النسائي أن النبيﷺ قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى»، وفي حكم الخمر كل ما يزيل العقل من المخدرات بأنواعها وأشكالها.
– ومنها آكل الحرام؛ روى الحاكم في المستدرك أن النبيﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ من سحت، وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به» والسحت هو الحرام؛ سواء كان حراما لذاته كالخمر والخنزير، أو حراما لمعاملته مثل ثمنهما أو الربا أو الرشوة أو الاختلاس وغير ذلك من كل ما يعد من أكل أموال الناس بالباطل.
– ومنها الجوّاظُ والجَعْظَرِيُّ والعتل؛ روى أبو داود أن رسولُ اللهﷺ قال: «لاَ يْدخُلُ الجنة الجَوَّاظ، ولا الجَعْظَرِيُّ…»، ورُوي عن ابن عباس مرفوعًا: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: الجواظ والعتل والجعظري»؛ ومعاني هذه الثلاثة متقاربة؛ إذ كل منها يدل على الفظاظة وغلظة القلب، والله تعالى يقول: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}؛ إلا أن الجواظ هو: الجَمُوع المنوع أي: البخيلُ الذي أشرب في قلبه حب المال، فلا يؤدي حقوق ماله من الزكاة وغيرها، وإنما يجمع ويمنع، أما الجعظري فهو: الذي يعامل كل من له علاقة به المعاملة السيئة؛ من قرابته وجيرانه وأهل بيته، ومثله العتل: الشرير الذي لا يعرف الخير لغيره؛ يقول الله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العلمين…
أما بعد فإذن -أخي المسلم- كأني بالنبيﷺ يوظف الجنة ونعيمها في عملية الإصلاح فيقول لكل واحد منا: إذا كنت مؤمنا مؤديا لواجباتك في دينك ودنياك أهلا بك في الجنة؛ ولكن لا تكن متكبرا، ولا مؤمنا بالسحر، ولا قاطع رحم، ولا عاقا لوالديك، ولا ديوثا، ولا نماما بالشر، ولا منانا بالخير، ولا مدمن خمر، ولا آكل حرام، ولا جواظا، ولا جعظريا، ولا عتلا.

هذا يعم الرجال والنساء معا؛ أما بخصوص النساء علاوة على ما سبق يقول النبيﷺ للمرأة خاصة: أهلا بك في الجنة؛ لكن لا تكوني من الكاسيات العاريات، ولا من المترجلات المتشبهات بالرجال.
وهذا ليس معناه أن هؤلاء لا يدخلون الجنة نهائيا؛ لأن النبيﷺ قال فيما روى الشيخان: «أتاني جبريل فبشَّرَني، أنَّه مَنْ مات من أمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بالله شيئاً دخل الجنةَ…، وإن زنى وإن سرق»؛ بل معناه لا يدخلون الجنة حتى يؤدوا عقوبة ما ارتكبوا من هذه الجرائم في النار، إذا لم يتوبوا منها قبل أن يموتوا، وهذا هو معنى قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}. لا يدخلون الجنة في البداية؛ ولكن سيدخلونها في النهاية…

قال ابن حبَّان رحمه الله في صحيحه: “هذه الأخبار كلها معناها: لا يدخل الجنَّة، يريد جنَّة دون جنَّة، القصد منه الجنة التي هي أعلى وأرفع، يريد: مَن فعل هذه الخصال أو ارتكب شيئاً منها حرَّم الله عليه الجنَّة أو لا يدخل الجنة التي هي أرفع، التي يدخلها مَن لم يرتكب تلك الخصال؛ لأن الدرجات في الجنان ينالها المرء بالطاعات، وحطّه عنها يكون بالمعاصي التي ارتكبها”.

وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: “هو مؤول… على تحريم الجنة بحالة مخصوصة، كالتخصيص بزمن، كما يقال: إنه لا يدخلها مع السابقين”(1)؛ أي: لا يدخلون الجنة بداية، وربما يدخلونها نهاية.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…


(1) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد(2/ 234).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.