منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ما أحوجنا إلى ربيع من الحياء ونحن في فصل الصيف!|سلسلة خطبة الجمعة

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

ما أحوجنا إلى ربيع من الحياء ونحن في فصل الصيف!|سلسلة خطبة الجمعة
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، وفق من شاء من عباده لما يحبه ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نعبد إلا إياه، حذر المؤمن من مخاطر الفساد ونهاه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، طوبى لمن اقتدى به ووالاه، وويل لمن أعرض عن شرعه وعاداه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين كان هواهم تبعا لهواه، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى أن نلقاه.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

من استحيا غض بصره، ومن غض بصره حفظ فرجه، ومن حفظ فرجه ضمن الجنة، والرسولﷺ يقول فيما روى البخاري: «مَنْ يَضْمَنْ لِي ما بين رجليه، وما بين لِحْيَيه أَضْمَنْ له الجنة»؛ فما أحوجنا إلى الحياء نقي بها أنفسنا ضد فساد فصل الصيف الذي ساد في البر والبحر! وما أحوجنا إلى إحياء حق الحياء الذي قتلته شر قتلة شواطئ الفجور ونوادي الخمور! وما أحوجنا إلى الحياء الذي كبدته شوارعنا خسائر فادحة! وما أحوجنا إلى الحياء وقد أقبرته المواقع ووسائل الإعلام في واقعنا! وما أحوجنا إلى زرع بذور الحياء في قلوبنا لتؤتي أكلها في معاملاتنا! وما أحوجنا ونحن في فصل الصيف إلى ربيع من الحياء نزبل به الجفاء من أخلاقنا والجفاف من إيماننا!

يكفي الحياءَ شرفا أنه صفة من صفات الله تعالى يقول النبيﷺ فيما روى أبو داود: «إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر»، ويقولﷺ فيما روى أبو داود والترمذي وابن ماجه: «إن الله تعالى حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين»، والحياء أيضا صفة من صفات النبيﷺ روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: «كان رسول اللهﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها»؛ أي: من الفتاة البكر في بيتها، هذا يوم كانت الفتاة العذراء تستحيي في خدرها، قبل أن تغزو المواقع وأفلام الغرام والهوى عرضها وشرفها.

والإيمان ينقسم إلى شعب وأقسام، والحياء شعبة من الإيمان كما قالﷺ؛ فهو خلق كريم من أخلاق الإسلام، يقولﷺ فيما روى ابن ماجة: «إن لكل دين خلقا، وإن خلق الإسلام الحياء»، ويقولﷺ فيما روى البخاري: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، وفي رواية مسلم: «الحياء خير كله»، وهو مراتب: أعلاها الاستحياء من الله تعالى، وهو مقام المراقبة والإحسان؛ كما قالﷺ: «الله أحق أن يستحيا منه»، وقد عرف لنا الرسولﷺ الحياء الحقيقي فقال فيما روى الترمذي: «استحيوا من الله حق الحياء… أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من اللّه حق الحياء»؛ فالحياء الحق أن يحفظ المسلم نفسه بجميع جوارحه وحواسه، فلا يستعملها إلا في الحلال؛ فالبطن هو القطب الذي تدور عليه بقية الأعضاء من القلب والفرج واليدين والرجلين، وتنظيم الحركة فيها لا يتم إلا بالحياء، وحفظ الرأس عبارة عن التنزه عن الشرك والرياء والتكبر، فلا يضع رأسه ساجداً لغير الله، كما لا يرفعه تكبراً على عباد الله، فإذا صلحت العقيدة في الرأس صلحت الجوارح المتعلقة به.
والإنسان لا يخاف من الله إلا بالحياء، ومن فقد الحياء فقد جزءا من إيمانه وتقواه، فيكون إلهه هواه، يشبع غرائزه دون حدود ولا قيود، يفعل ما يشاء ويقترف ما يشتهي، وفي هذا يقولﷺ فيما روى البخاري: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»، ورحم الله من قال:

إذا لم تخش عاقبة الليالي * ولم تستحي فاصنع ما تشاء
يعيش المرء ما استحيا بخير * ويبقى العود ما بقي اللحاء

وفي غياب الحياء صرنا نسمع كثيرا من الأشياء اليوم قد تسمت بغير أسماءها؛ فقد سميت الرشوة إحسانا، وسميت الربا فائدة، وسمى الغش مهارة تجارية، والتبرج تقدم وحضارة، والسخافة ثقافة، والخمر مشروبات روحية، وجريمة الزنا سموها حرية شخصية وعلاقات رضائية، والقائمة طويلة؛ وإلى هذا يشير النبيﷺ إذ يقول فيما روى أبو داود وابن ماجه: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها».
والعلاقات الرضائية هي التي تخرج لنا هذا اللقب الغريب العجيب الأمهات العازبات والاسم الحقيقي الزانيات والعاهرات، وحملهن ينتهي إلى أمرين كلاهما مر؛ إما إلى جريمة الإجهاض، أو إلى معاناة الضياع.

وهؤلاء الذين يرتكبون أكبر جريمة ضد الإنسانية وهي عمل قول لوط؛ حيث يسمحون لأنفسهم بزواج الذكر بالذكر وزواج الأنثى بالأنثى، فغيروا لهم الاسم أيضا فسموهم: المثليين أو “كِفْ كِفْ” وهذه عملية منظمة من أجل انقراض البشر؛ فهل يلد الذكر من مثله؟! وهل ستحمل الأنثى من الأنثى؟! إنهم القوم المسرفون العادون الجاهلون يقول الله تعالى: {‌أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ} ويقول سبحانه: {‌أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ} ويقول سبحانه: {‌أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ تَجۡهَلُونَ}…

وبناء عليه فاحذروا وانتبهوا لأولادكم وبناتكم؛ بل انتبهوا لأنفسكم وحافظوا على إنسانيتكم فإن ذلك هو عين الحفظ لإسلامكم؛ فإن الفساد في العالم قد ساد…

أقول ما تسمعون وأستغفر لي ولكم، ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ ومن الأشياء التي تغير معناها عندنا هذا الحياء نفسه؛ لقد غاب الحياء الحقيقي عن واقعنا، فأصبح الحياء لدى البعض منا ألا يراه الناس وهو يرتكب منكرا، ألا يراه أحد وهو يختلس مالا، وألا يعرف الناس أن زوجته أو بنته هي تلك التي تجوب الشوارع متبرجة، وتزور الشواطئ متجردة؛ لقد أصبح الحياء عندنا بضاعة كاسدة، ومن مخلفات الآباء والأجداد، وأصبح الناس يستحيون من الحياء ويخجل أحدهم إذا قيل له: إنك تستحيي، ومن العيب عندنا أن تطلب المرأة لنفسها زوجا في النكاح الحلال، ولكن ليس من العيب أن تعرض جسمها عاريا في المواقع وفي الشواطئ أمام أعين فساق السفاح في الحرام!

ألا فاتقوا الله عباد الله؛ وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.