منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفقر المنسي أول فتنة تبعد العبد عن السير إلى الله

0
اشترك في النشرة البريدية

تأملات في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال سبعا، هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمره)[1].

1- الفقر المنسي:

معظم الناس يكره الفقر، والفقر نوعان مادي وروحي، فإذا اجتمعا على الإنسان فغالبا ما ينسيانه ذكر الله وعبادته، ويقعدان به عن العمل الصالح، ويشغلانه بهموم معيشته فقط، بل يسوقانه في كثير من الأحيان إلى جحود نعم الله، وقد يتحول إلى حاقد على المجتمع فيرتكب مجموعة من الانحرافات كالسرقة والنهب. وقد يتطور التأثير إلى الكفر كما قال الإمام علي رضي الله عنه: “كاد الفقر أن يكون كفرا”، وقال أيضا: “لو كان الفقر رجلا لقتلته”.

وقد استغرب أبو ذر موقف الساكت الجائع حيث قال كيف لا يشهر سيفه من لا يجد القوت في بيته. والفقر من هذا النوع فتنة كبرى وتشغل صاحبه فلا يبالي بما يحدث حوله، ولا يعير اهتماما للقضايا المهمة، ولهذا قال الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله لا يسلك في أذن الجائع إلا صوت يبشر بالخبز[2]، ونحن في عصرنا صار الفقر يمشي على رجليه ولم يعد على مستوى الأفراد بل عم معظم البشرية فالمجاعات نراها رأي العين في كثير من الدول ولم يعد الإنسان يفكر في عون أخيه الإنسان ورغم  ذلك فالفقر في حد ذاته ليس عيبا، لكونه مدرسة تخرج منها الأنبياء عليهم السلام، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان يمر عليه الشهر والشهران ، ولا توقد النار في بيته، ولا يجد ما يأكل سوى التمر والماء،فعن عائشة رضي الله عنها قلت لعروة: (ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم إلى الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار قلت يا خالة ما كان عيشكم؟ قالت الأسودان؛ التمر والماء)[3] وقد أثنى الله عز وجل على الفقراء المهاجرين الذين قامت دولة الإسلام على أكتافهم بقوله: “للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون”. (الحشر:8). وهذا لا يعني أن نطلب الفقر، بل نقاومه بالوسائل المشروعة عن طريق الكد والسعي لكسب لقمة العيش، فالذي يسعى على عياله يحبه الله فعن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب الحليم  المتعفف ويبغض البذيء السائل الملحف)[4].

وقد شرع الإسلام مجموعة من التدابير للقضاء على الفقر منها الزكاة والمقصود منها إغناء الفقير، والصدقة والقرض والتعاون على البر والتقوى. وسبق وأن محي الفقر زمن عمر بن عبد العزيز، حيث أمر لكل فقير بمبلغ من بيت مال المسلمين، فلما لم يبق فقير، أمر لكل شاب يرغب في الزواج بمبلغ من المال، فلما أغنى الناس، أمر بنثر الزرع على رؤوس الجبال لتأكل الطير، حتى قيل: “لقد أغنى عمر الناس”، كما قيل أيضا: “أصبح الذئب يحرس الغنم في عهد عمر”، فسئل عن هذا الأمر، فقال: “أخلصت ما بيني وبين ربي فأخلص الذئب ما بينه وبين الغنم”. وقد تضاعف عدد الفقراء فتحتم علينا مساعدتهم والأخذ بأيديهم، كي نكون ممتثلين لقوله عز وجل” إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون” (النحل : 90).

المزيد من المشاركات
1 من 11

2- الغنى المطغي:

حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنى المطغي باعتباره ثاني أخطر فتنة بعد الفقر المنسي وقد بين الله عز وجل في كتابه بقوله “إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى” (العلق:7). وقص علينا الحق سبحانه قصة قارون، الذي طغى بما عنده من مال ومنع الفقراء منه فكانت النتيجة أن خسف الله به وبداره الأرض كما بين لنا سبحانه سبب هلاك الدول والأمم من خلال قوله سبحانه “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا” (الاسراء:16). وهذه سنة ماضية إلى يوم القيامة وما نلحظه من دمار في معظم بلدان العالم مرده إلى الاستكبار والطغيان بالثروة ، فقد أبيدت شعوب، ودمرت دول، وحتى الدول “العظمى” بدورها تعرضت لهذا الدمار في الحربين العالميتين الأولى والثانية، والذي ينبغي الإشارة إليه أن المال هم مال الله وجعله  لفعل الخيرات والإنفاق على العيال، وعلى النفس في حدود المعقول، قال الله عز وجل: “وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه”. (الحديد:7). وقال سبحانه: “وآتوا من مال الله الذي آتاكم”. (النور:33).

وتبث في التاريخ أن هناك من لم يطغه ماله مثل سيدنا سليمان عليه السلام، ومثل سيدنا إبراهيم عليه السلام، كما تبث أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى واديا من الإبل لأعرابي فأسلم لقاء صنيعه، وقال لقومه: “أسلموا يا قوم، لقد جئتكم من عند من لا يخشى الفقر”. وكلما زكى الإنسان ماله كلما تحصنت ثروته، قال الله عز وجل: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم” (التوبة:104).

3- المرض المفسد:

والمرض المفسد يعرقل حركة كثير من أعضاء الجسد ،لذا رغب رسول الله المسلم في العمل الصالح قبل أن يحل به هذا المرض العضال، والذي أصبح منتشرا في وقتنا انتشار النار في الهشيم، والمرض بهذا الوصف يعوق صاحبه عن فعل الطاعات، وحتى لو فعلها فإن ذلك غالبا ما يتولد عنه عنت ومشقة، وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم في موضع آخر بأن نغتنم خمسا قبل خمس منها الصحة قبل السقم، وها نحن كل يوم نسمع عن وفيات الناس بالسرطان، ونحوه حتى بلغ الأمر ذروته مع فيروس كورونا الذي يحصد آلاف الأرواح، في اليوم والليلة، وصار لزاما علينا أن نفر منه فرار الأسد من المجذوم، وأصبح السبيل الوحيد للنجاة منه هو المكث في البيت واتخاذ التدابير الوقائية من نظافة  وتباعد واجتناب الأماكن المكتظة، وهذه  الأمراض أكبر دليل على صدق نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الذي أخبر أنه سيكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم  وستكون الأمراض والأوجاع التي لم تكن في الأسلاف، كما أرشدنا إلى الوسيلة الناجعة للتعامل مع الطاعون وهي الحجر، وأنه يوشك أن يكون رأس مال المرء غنما يتتبع بها مواقع القطر، ومواطن الكلأ والزرع. ولهذا ينبغي المبادرة إلى فالأعمال الصالحة، ولا يتحسر المرضى إلا على طاعة فاتتهم لما كانوا أصحاء، ولا يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة لم يذكروا الله فيها كما ورد في الحديث.

وكي لا يحمل الكلام على غير محمله فمن الناس من ابتلوا بأمراض مزمنة، لكن همتهم كانت عالية فصبروا على المرض واحتسبوا الأجر عند الله، وخير مثال سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي كان يوعك كما يوعك الرجلان من أمته ، وسيدنا أيوب عليه السلام الذي صبر على المرض سنوات طويلة، . فنسأل الله الشفاء لسائر المرضى، والعفو والعافية ورفع الوباء عن الإنسانية جمعاء.

4- الهرم المفند:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

بمجرد الإصابة بالهرم يفقد الإنسان ذاكرته، ويتعطل دوره في الحياة وقد يصاب بالخرف، “الزهيمر”، ويصير محمولا بعد أن كان حاملا ،وعاجزا بعدما كان قادرا؛ وقد بين الله عز وجل بان الإنسان يؤول إلى ضعف، قال الله عز وجل: “هو الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، يخلق ما يشاء، وهو العليم القدير”. (الروم:53). لهذا أمر صلى الله عليه وسلم باغتنام الشباب قبل الهرم، وقد ورد في الحديث القدسي الذي يخاطب فيه الله عز وجل الشيخ الهرم بقوله: “يا ابن آدم، شاب شعرك، وانحنى ظهرك وضعف بصرك  فاستحيي مني، فإني أستحيي منك”. كما تعوذ صلى الله عليه وسلم من الهرم المفند بقوله (اللهم إني أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر)، وكبر السن بصفة عامة ليس عيبا، إذا أصيب به المرء بعد عمر مليء بالطاعة، فلا يضيع الله أجر من أحسن عملا، فقد قال النبي  صلى الله عليه وسلم: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله)[5]، وأما إن أصيب به بعد سرف في المعاصي، من غير توبة، فتكون الحسرة عظيمة لدى صاحبه، لكونه لا يستطيع تدارك ما فاته، لهذا فالطاعات في الصغر، تحفظ صاحبها في الكبر، فقد شاهد أحدهم رجلا ذا ثمانين سنة، قفز قفزة كأنه شاب في مقتبل العمر، فسأله عن سر قوته فقال: “جوارح حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر”.

5- الموت المجهز:

والمراد به في الغالب موت الفجأة وقد سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال عنه: “راحة للمؤمن، وأخذ أسف على الفاجر”[6]. لأن المؤمن إذا مات استراح من عناء الدنيا ،فما أعد الله في الآخرة خير له، قال: الله عز وجل” والآخرة خير وأبقى” وقال سبحانه: “ورزق ربك خير وأبقى”.

وقد مرت جنازة بالنبي صلى الله عليه وسلم فسأل الصحابة رضي الله عنهم عنها: “أمستريح أم مستراح منه؟” فقالوا ما مستريح وما مستراح منه؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن إذا مات استراح من عناء الدنيا، وإن الكافر إذا مات استراحت منه البلاد، والعباد والشجر، والدواب)[7]. ولهذا فموت الفجأة راحة للمؤمن، بينما يقطع على غير المؤمن لذته ويحول بينه وبين التوبة ويعطل وصيته، وينقله إلى دار الشقاء ولهذا أمر صلى الله عليه باغتنام حياة الإنسان في طاعة الله، حيث قال عليه الصلاة والسلام. (اغتنم خمسا قبل خمس) منها: “حياتك قبل موتك”.

والتوبة تجُبّ ما قبلها فقد ورد في الحديث: (إن الله يبسط يده بالليل، ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)[8]. وترك فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم واعظين، أحدهما ناطق، وهو كتاب الله، وآخر صامت وهو الموت.

6- فتنة المسيح الدجال:

إنها أخطر فتنة على الإنسان وقد أوصانا رسول الله عليه الصلاة والسلام بالتعوذ منها وأنذر أمته فقال: “ما من نبي إلا أنذر أمته  الأعور الدجال”، وأمر من ومرمن أدركه بقراءة فواتح سورة الكهف.

7- الساعة:

الساعة تعني نهاية العالم وقد تحدث عنها القرآن الكريم ولم يفصح عن وقت وقوعها  فقال سبحانه: “يسألونك عن الساعة أين مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها”  (النازعات:41-43). وقد صرف  الرسول عليه الصلاة والسلام السائلين عنها إلى العمل والإعداد لها فقال: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسه)[9].

خـاتمــة:

وختاما فلنحذر من طغيان المال والنفس كي لا يحصل لنا مثل ما حصل للمستكبرين من هلاك في الصحة والذرية والنفوس. ولا ينبغي تسويف التوبة حتى يفاجأ الإنسان بالموت، وقد كثر موت الفجأة في واقعنا. ويبقى العمل الصالح هو لب هذا الحديث النبوي فعليه مدار النجاح في الدنيا والآخرة ولهذا بدأ به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. وحث على العمل الصالح، وذكر هادم اللذات، والإعداد للساعة بدل السؤال عنها، فقال لمن سأله “متى الساعة؟”: “ما ذا أعددت لها”.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

[1] – رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، حديث رقم: 118.

[2] – الإمام عبد السلام ياسين، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية. الصفحة: 12.

[3] – رواه الإمام مسلم، كتاب: الزهد والرقائق. حديث رقم :42-286.

[4]  – رواه الإمام البزار في مسنده.

[5] – رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

[6] – عن حديث مرة عن ابن مسعود موقوف

[7] – رواه الإمام مسلم، عن أبي قتادة الحارث بن ربعي. حديث رقم: 950.

[8] – رواه الإمام مسلم، عن أبي موسى الأشعري.

[9] – رواه الإمام مسلم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.