منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خمسة مفاتيح للتعامل مع الأبناء في فترة الحجر الصحي

خواطر في زمن الكورونا (5) ـ د. ابتسام زاروق

0
اشترك في النشرة البريدية

مع الحجر الصحي المفروض على نصف سكان الأرض بسبب تفشي جائحة كوفيد 19، وجدت الأسر نفسها أمام نمط عيش مختلف تماما عما اعتادت عليه، وبدا أن عملية التأقلم ليست بالهينة خصوصا لدى الأسر التي يتواجد فيها أطفال ومراهقون. فما هي مفاتيح التعامل مع الأبناء في هذه الفترة الحرجة؟ وما هي السبل التي تضمن عدم الغرق في مشاكل معهم؟

خفض مستوى التوقعات والانتظارات:

مع إغلاق المدارس، وانطلاق عملية التعلم عن بعد، اعتقد الكثير من الأباء والأمهات أن هذه هي الفرصة السانحة لأبنائهم من أجل التزود بالعلم وتخصيص وقت أكثر للدراسة، خصوصا بالنسبة لمن تنتظرهم امتحانات إشهادية. حتى الأباء والأمهات أنفسهم ممن اضطروا للتوقف عن أعمالهم بسبب الحجر الصحي وقعوا في منزلق التخطيط الخيالي المبالغ فيه الذي يتوقع فيه المرء أنه بإمكانه في هذه الأيام إنجاز كل ما هو عالق من أعمال وتحقيق كل الأهداف المؤجلة بسبب أعباء الحياة اليومية. وواقع الحال يقول أنه رغم توفر الوقت لكل من هو خاضع للحجر الصحي، إلا أن الأجواء النفسية التي تسمح بمزاولة العمل والدراسة غير متوفرة، فالغالبية العظمى تعيش في ظل قلق وتوتر وخوف وتوجس مما ستأتي به الأيام المقبلة. لذلك يتوجب على الوالدين ألا ينتظروا من أبنائهم قضاء ساعات اليوم كلها في الدراسة، وكأنهم في مرحلة استعدادات عادية للامتحانات. فالمرحلة ليست عادية، والأسئلة التي تعصف بأذهان الأبناء ليست اعتيادية، وللخروج من هذه المتاهة وجب التسلح بالمفتاح الثاني.

الحوار والبوح من أجل زرع الأمل:

خلال هذه الفترة التاريخية التي نحياها، يجب أن يكون الحدث التاريخي الذي يسعى إليه كل والدين هو فتح باب الحوار مع الأبناء. فكلنا يعلم أن مشاغل الحياة أبعدت الكثير من الآباء والأمهات عن أبنائهم وخلقت هوة واسعة في التواصل. لذلك فإن فترة الحجر الصحي تعطي لكل أب وأم مشتاقان لربط الوصال مع أبنائهما، فرصة لبداية صفحة جديدة وتأسيس علاقة مبنية على الحوار. المقصود بالحوار هنا ليس ذاك الحوار الذي اعتدنا عليه من تبادل لتفاصيل الأحداث اليومية، وإنما هو حوار الروح مع الروح، حوار البوح بالأسرار، حوار سبر أغوار النفس. ذاك الحوار الذي يسمح للوالدين بالاطلاع على مخاوف أبنائهم خلال هذا الوباء. ذاك الحوار الذي يؤسس لبوح لا يخاف فيه الطفل أو المراهق من اللوم أو العتاب أو السخرية.

المزيد من المشاركات
1 من 2

الحاجة للحوار العميق مع الوالدين أو مع أحدهما موجودة دائما لدى الأبناء، ولكنها في هذه الفترة الحرجة أكبر وأكبر، فالطفل أو المراهق يميل لتهويل الأمور وتوقع الأسوأ. لذلك فهو محتاج وإن لم يعرف للتعبير عن ذلك سبيلا إلى من يستمع إليه، إلى من يزرع الأمل في داخله. وهذه المهمة الأولى للآباء والأمهات في هذه الأيام: فتح قنوات التواصل مع الأبناء وتشجيعهم على التعبير عن مخاوفهم وإخراجهم من حالة الإحباط، وزرع الأمل والثقة بالله عندهم.

التشارك في الواجبات والهوايات:

من السبل التي تقرب بين أفراد الأسرة التشارك في القيام بنشاط واحد. قد يكون هذا النشاط مصنفا في خانة الواجبات، كالتشارك في ترتيب المنزل وإعداد الطعام، أو يمكن أن يكون ضمن الهوايات، كالتشارك في قراءة كتاب أو لعب لعبة. التشارك هنا لا يعني فقط تقاسم الأعباء، وممارسة نفس النشاط في نفس الوقت، وإنما التشارك الحقيقي الذي يحول نشاطا ما مهما كان نوعه إلى فرصة حقيقية للتقارب الروحي والتعبير عن مكنونات النفس. فمثلا إعداد طبق معين مع طفل هو فرصة للضحك والتعلم وتعبير الأم عن حبها لطفلها، والمشاركة في قراءة كتاب ما هي فرصة للنقاش وفتح باب التساؤل والخلاف في الرأي. لذلك يحز في النفس أن الكثير من الأمهات يرفضن دخول الأطفال للمطبخ بدعوى أنهم يثيرون فيه الفوضى ويحولون تنظيفه إلى مهمة شاقة أكثر مما هي عليه أصلا، ويدمي الخاطر أن القراءة المشتركة تتحول إلى فرصة لانتقاد المستوى اللغوي للطفل أو المراهق، و الاستهانة بقدرته على النقاش والاستخفاف بآرائه.

إن التشارك في الأعباء وفي أوقات الترفيه إن تم بالشكل الصحيح فهو السبيل الذي سيسمح بإعادة الحياة لقنوات التواصل بين الوالدين والابناء ويفتح المجال للأرواح بأن تتقارب وتتألف.

فسح مجال للحرية للأبناء:

خارج الأوقات التي تخصص للدراسة أو للتشارك في القيام ببعض الأنشطة، يجب على الآباء فسح مجال للحرية للأبناء للقيام بهواياتهم، حتى وإن كانت تلك الهوايات لا تحظى بإعجاب الآباء. فأغلب الاباء لا يحبذون قضاء أبنائهم لوقت طويل في مواقع التواصل الاجتماعي، وينتقدون تعلق أبنائهم بالألعاب الالكترونية ويتمنون لو أن وقت فراغ أبنائهم يخصص لحفظ القران والمطالعة. غير أن هذا الجيل من الأطفال أو المراهقين متعلق بالشاشات مهووس بالعالم الرقمي. والحكمة تقتضي التسليم بهذا الأمر ومحاولة تقنينه فقط لا تضييع العمر في محاربته، لأنها حرب خاسرة لن يجني فيها الأباء والأمهات سوى اتساع هوة البعد واللاتفاهم مع الأبناء.

استحضار حقيقة منسية: الأبناء نعمة من الله.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

في غمرة الانشغال بمشاكل الابناء، والتهمم بأحوالهم، والتعب من أجل تلبية طلباتهم، يغرق الوالدين في الشكوى من أبنائهم وينسون أنهم نعمة من أكبر النعم التي من بها الله عليهم. هذه الحقيقة المنسية يجب أن يستحضرها كل أب وأم خصوصا في هذه الأيام التي يطرق فيها الموت باب كل بيت ويهدد المرض كل إنسان. إن كل دقيقة يقضيها الأنسان حاليا مع أبنائه فلذات كبده يجب أن تكون مطبوعة بالامتنان للخالق على نعمته. على كل لحظة في هذا الحجر الصحي أن تتحول لمناسبة للتعبير عن المحبة والحنان اتجاه الأبناء واتجاه كل شخص عزيز على النفس. على كل أب يعتبر أن وقته “يضيع” مع أبنائه بدل أن يستغله في إتمام أعماله العالقة، تصحيح نظرته للأمور وإعادة حساباته. وعلى كل أم تستثقل القيام بواجباتها المنزلية، وترى أنها تعيقها عن صلواتها وأذكارها أن تستغفر ربها وتجدد نيتها وتحقق معنى العبودية لربها وهي في غمرة الانشغال بتلبية طلبات أسرتها.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.