منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 نهاية العالم أم عالم جديد ينتظرنا

0

نهاية العالم كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة خاصة أثناء اجتياح وباء كرونا للعالم بأسره. ولم يبق الحديث منحصرا لدى المتدينين فقط بل تعدى إلى غيرهم من العلمانيين والحداثيين. وهي عبارة تعبر عن لحظة معينة من الزمن يتم فيها تدمير الكون وإفناء البشرية. يشترك في هذه العبارة كل الديانات والفلسفات والأساطير. ويوظف هذا المفهوم في الفن والخيال العلمي. بينما يطلق على الدراسة التي تهتم بهذا المفهوم بــــ”الإسكاتولوجيا” ويقصد به علم الأخرويات أو علم آخر الزمان. كما يتم التعبير عن نهاية العالم بعبارات الأخرى: في الإسلام يوم القيامة، وفي المسيحية رؤيا يوحنا، وفي البوذية المابو.

 

وفي مفهوم نهاية العالم يتم التفريق بين نهاية الكون ونهاية البشرية. فنهاية البشرية يمكن أن تتمّ بسبب بعض النشاطات الانسانية: كالتلوث البيئي، وقلة الموارد الطبيعية، وكثرة الحروب خاصة النووية منها. أما نهاية الكون فهو مسألة ما زالت مفتوحة على عدة سيناريوهات أرجحها الموت الحراري. في الإسلام نجد مفهوم اليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة. أو أحد الأسس الإيمان الثلاثة: الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالعمل الصالح. واليوم الآخر حدث عظيم كما أخبر بذلك القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن تسبقه أحداث تُعلم باقتراب حدوث ساعته وهي عبارة عن علامات وأشراط وإمارات. منها الصغرى والوسطى والكبرى.

 

اليوم وفي عالم يعيش الصراع على أشده، بين مختلف القوى والأطراف، يقف المشاهد على أحداث يومية أليمة تذرف لها العيون وتدمي لها القلوب من شدة هول المصائب والحواصب والويلات، حروب وانفجارات، قتلى وجرحى، تشريد وتهجير، ظلم وقمع، تجويع وتفقير، أمراض وأوبئة. ماذا يقول المشاهد الحائر المغلوبُ أمةً والمهزومُ نفسا؟

يقول: ما دام هذا هو حال العالم كله شرّ فهو إلى زوال، فيعلن بذلك عن نهاية العالم. وتتأكد له النظرة ويصدُق له الحكم حينما يسمع علماء فلك ودعاة دين ومفكرين ومثقفين يشاركونه النظرة والحكم بأدلة علمية وثقافية وأخرى دينية من الكتاب والسنة بذكر الساعة وأشراطها وأماراتها.

كتبت عبارة “نهاية العالم” على الباحث google فوجدت أزيد من 460000 نتيجة. مما يعني أن قضية نهاية العالم أرّقت البشرية كلها وليس الأفراد فقط. وهذا الأرق اعتقد أنه ناتج عن أمرين:

المزيد من المشاركات
1 من 68

– إما عن شدة التعلق بهذا العالم المادي، فهم يخافون زواله لاعتقادهم أنه لا بديل عن هذه الحياة الدنيوية. فما بعدها إلا التراب وانتهى الأمر. فلا بعث هناك ولا حساب ولا جزاء ولا جنة ولا نار.

– وإما لخوفهم من عالم مجهول ينتظر الجميع ليس لهم به أدنى فكرة، أو لهم فكرة ولكنها بضاعة مزجاة. فهم يترنحون بين حقيقة ينتظرون من ورائها الحساب والجزاء، وشكٍّ لا يجدون له القناعة الكافية في عقولهم حتى تطمئن إليه قلوبهم.

بينما المؤمن الشاهد والقائم بالقسط فيشاهد كغيره من المشاهدين ويتألم للأحداث ويستنكر جميع أنواع الإرهاب ابتداء من إرهاب الأفراد وانتهاء بالإرهاب الدولي، ولكن ما يميّزه عن غيره من المشاهدين أمران:

الأول:

أنه يرى الفاعل الحقيقي في كل ما يحدث في العالم ويجري على ساحته هو الله سبحانه وتعالى صاحب الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فهو يفعل في ملكه ما يشاء ويسخر فيه الأحداث كيف يشاء لأمر يريده، هو يعلم الحكمة منه ولا نعلمها نحن. يُبدئ الخلق ويعيده.

 

والثاني:

أنه يؤمن إيمانا صادقا يصاحبه اليقين التام بما أخبرنا به الله ورسوله من أن الدنيا ستنتهي لا محالة عندما يريد الله تعالى ذلك. ولكن قبل نهايتها هناك وعد قرآني ونبوي بمستقبل الإسلام آت إن شاء الله تعالى، وعد من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يتخلف. وأن الذين يتحدثون عن نهاية العالم قبل هذا الخير الموعود به الأمة والذي سيملأ الأرض عدلا وإحسانا، إنما يتحدثون عن نهاية عالمهم هم الاستكباري والاستبدادي، وليس عالم أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآيات والأحاديث عن هذا الوعد الإلهي والنبوي كثيرة. وأكتفي هنا بذكر دليلين:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 12

الأول:

يقول الله تعالى: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء:105-107).

 

والثاني:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن أول دينكم نبوة ورحمة. وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم يكون ملكا عاضا فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله جل جلاله. ثم يكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويُلْقِي الإسلام بِجِرَانِهِ (أي يتمكن في الأرض) في الأرض، يَرْضَى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطر إلا صبته مِدْراراً، ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئا إلا أخرجته”[1].

 

لنضرب على هذا مثلا، فبالمثال تتضح الأمور. نتصور “اليرقانة” (اليسروع) تمثل هذا العالم، الخلايا العاملة داخلها هم الناس العاملون المتحركون في هذا العالم. عندما تصل “اليرقانة” إلى مرحلة “الشرنقة” يبدو للخلايا المكونة للجدار أن الأمر آيل إلى نهاية العالم، وذلك لما يشاهدونه من توقف في العمل ومن موت يحصد بعضها. أما الخلايا الداخلية التي تهيئ للمرحلة القادمة فيبدو لهم زوال ذلك العالم الذي هو “الشرنقة” آذانٌ بميلاد عالم جديد الذي هو “الفراشة”. عالم في أجمل ما يكون صورة وألوانا. لم يعد عالما ضيقا بل رحبا، ولم يبق أرضيا كما كان ملتصقا بالشجرة، وإنما هذه المرة قد تحرّر من الأرض ليكون أرضيا وسماويا في نفس الوقت يطير ويحطّ حيث يشاء.

 

لا أدري كيف غاب هذا الخير الموعود عن دعاة ووعاظ، عوض أن يشنّفوا به الأسماع ويبعثوا به التفاؤل في القلوب بوجود مستقبل قادم زاهر للأمة، فهم يحدّثون الناس فقط عن اقتراب نهاية العالم ودنو قيام الساعة، يستدلون على ذلك بما ورد من الآيات والأحاديث ويؤكدون معانيها بما أعد علماء الفلك من أشرطة في الموضوع عن خراب الكون وتدميره أغلبها عبارة عن سيناريوهات. أرجحها يتوقع فيها العلماء الموت الحراري للكون نتيجة استمرار الانخفاض في كثافة المادة والإشعاع.

 

نحن لا نشك بأن القيامة كائنة وستقع يوما ما لا ريب فيه، وكل من مات قامت قيامته، لكن هذا لا يدفعنا إلى الجلوس وانتظار ذلك اليوم، والزهد في كل شيء، والإحساس باليأس والإحباط أمام واقع مرير يبدو كله شرّ. بل نعمل ونجاهد لغد قريب تشرق فيه شمس عالم الإسلام من جديد بعدما تنقشع هذه الغيوم السوداء التي تغطي عنا الأفق. ليس من الضروري أن أعيش تلك اللحظة المشرقة، إنما المهم هو أن أشارك في إزالة تلك الغيوم حتى تطلع تلك الشمس من وسطها.

أما الذي نشك فيه هو التعمّد في نشر هذه الأحاديث عن نهاية العالم وأشراط الساعة وأهوال القيامة خاصة في أوساط العامة وإشغالها بها ليبقى المجال للمترفين حتى ينهبوا حقّ الفقراء أكثر، ولترك الساحة للمستكبرين حتى يتحكموا في رقاب العباد أكثر.

يقول الله تعالى: [قل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا] (الإسراء:81). صدق الله العظيم.

 

[1]نقله الإمام الشاطبي عن الحافظ البزار رحمهما الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.