منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جنايات الأنانية على الفرد والجماعة

1
اشترك في النشرة البريدية
الفهرس إخفاء

شغل موضوع الأنانية، باعتبارها سلوكا إنسانيا راسخا ومثار جدل، مساحة واسعة من التناول من مختلف التخصصات الدينية والعلمية؛ خاصة علم النفس وعلم الاجتماع. وتم التطرق إليه بمقاربات مختلفة ركزت بعضها على الجوانب النفسية المتحكمة في هذا السلوك في حين سلط غيرها الضوء على أبعاده الاجتماعية مبرزا أسبابه وتجلياته ومخاطره على الفرد والجماعة. أما المقاربات التي درست الموضوع من زاوية دينية فقد سعت لتصنيف السلوك أخلاقيا وفق المعايير الشرعية ومن تم إصدار حكم عليه. ولا يريد هذا المقال أن يكون تكرارا مملا لما سبق من دراسات، وهي كثيرة ومتنوعة كما سبقت الإشارة إليه، لكن حسبه أن يتناول الموضوع في سياق العمل الدعوي الإسلامي المنظم للتنبيه لمخاطر تفشي هذا السلوك والتطبيع معه.

وقد حرص غالبية علماء التربية وفقه السلوك إلى الله وكذا فقهاء الدعوة الاسلامية على توضيح خطورة الأنانية وملحاحية تفريغ الوسع في التطهر منها والتنزه عنها، خاصة بالنسبة لمن يتصدى لتربية الناس وتوجيههم وقيادتهم. يقول الإمام عبد السلام ياسين: “وإن القضاء على الأنانية التي تستعبد الفردَ لِهوى نفسه أو لِهوى غيره لَمَطْلبٌ أساسي”[1].

ـ فما هي الأنانية؟ وما تجلياتها في سلوك الفرد؟

ـ ما هي مخاطرها وأسبابها؟

ـ كيف يمكن علاجها والتخلص منها؟

المزيد من المشاركات
1 من 24

           I  / تعريف الأنانية:

عرف معجم اللغة العربية المعاصرة الأنانية بقوله: “مصدر صناعيّ من أنا: أثرة وحبّ الذات مع عدم التفكير في الآخرين وهي ضدّ الإيثار “الأنانيّة تتنافى والتعاون مع الآخرين”. فهذه الخصلة تجعل المرء عاجزا عن تقييم العالم بموضوعية بل ينظر إليه أساسا من زاوية مصالحه الخاصة ومنافعه الشخصية. كما عرفتها بعض الاتجاهات في علم النفس بأنها تمثل نوعا من حب الذات، والمقصود به الحالة التي تغلب فيها على الفرد دوافعه ورغباته الذاتية دون النظر إلى رغبات أو مصالح الآخرين، ومن ثم تتعارض مع الروح الاجتماعية حتى لو اتسع نطاقها، وصبغت اتجاه فريق من الأفراد[2]. فالأنانية في هذه الحالة لا تتخذ بعدا فرديا فقط بل قد تسم سلوك جماعة من الأفراد أيضا.

أما من الزاوية الأخلاقية فقد اعتبرت الأنانية صفة خسيسة تطبع السلوك الإنساني وتبعده عن معياره الأخلاقي، لأجل ذلك عبر القرآن الكريم عن الأنانية بالأثرة واعتبرها سلوكا مشينا مستوجبا للعقوبة. وقد ورد في ذم الأثرة الكثير من الآيات القرآنية، منها قول الله تبارك وتعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، (سورة النازعات الآيات: 37 – 39)، وقوله جل وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى  بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾،)سورة الأعلى، الآيات من 14 الى 19(. والأثرة من الاستئثار ويقصد به الانفراد بالشيء، ومنه حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «فو الله ما أستأثر بها عليكم، ولا آخذها دونكم»، (رواه مسلم). وأضاف الإمام عبد السلام ياسين معنى قرآنيا آخر للأنانية وهو الاستكبار يقول: “ويعبر القرآن عن الأنانية بلفظ الاستكبار، فما من قوم كذبوا الرسل وعَتوْا عن أمر الله إلا كان دافعهم الاستكبار. هذا الاستكبار الجاهلي يستند أكثر ما يستند على القوة والمال، ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾”[3].

 

       II. تجليات الأنانية في سلوك الأعضاء:

       للأنانية تمظهرات كثيرة في سلوك الفرد والجماعة وما يهمنا في سياق هذا المقال هو حصر أبرزها لدى الفاعلين في العمل الدعوي الجماعي. ومن أهم هذه التجليات التي اتفق حولها كثير من المهتمين ما يأتي:

   1- تضخم الأنا :

فالشخص الأناني ينظر  باستمرار إلى نفسه نظرة مضخمة بحيث يعمل سرا أو جهرا على إبراز ما يعتقده محاسن في شخصيته ويتحدث عن بطولاته وإنجازاته وتاريخه ويحرص على أن يعرفها الجميع ويشيدوا بها. وهذا هو عين الغرور؛ فالأناني يعتبر نفسه ـ صراحة أو ضمنا ـ أفضل من غيره ويبالغ في تقدير مواهبه وخصائصه؛ فهو في نظر نفسه على صواب دائما وغيره على خطأ، وهو الحاضر  باستمرار أما الباقي فهو غائب، وأفكاره ومقترحاته هي المختارة والناجعة، وهو الأكثر فهما والأقدر على الفعل لأجل ذلك تجده يفتي في كل شيء. هذه النظرة المتعالية إلى الذات تسقط الشخص في فخ التكبر والاعتقاد بأنه يستحق التفضيل في المعاملة وكل من لا يستجيب لنرجسيته تلك فهو في مرمى النقد والإدانة ولا يستحق مكانته.

       2- اعتبار العمل الدعوي الجماعي مطية لتحقيق المجد الشخصي أو المصالح الذاتية:

الأصل في هذا العمل الاخلاص لله تعالى والتجرد من كل حول وقوة ونسبة الفضل لله تعالى ثم لأهل الفضل وعدم السعي للانتفاع الدنيوي من أي جهد يبذله المرء في هذا السبيل. فغاية الدعوة هداية الناس لطريق الحق والعمل على إقامة مجتمع العمران الأخوي الذي تسوده الفضائل وتنمحي منه الرذائل وفي مقدمتها الأنانية. غير أن من المصائب التي ابتلي بها العمل الدعوي أن تتصدر المشهد فيه فئات من الناس يكون همها الأساس إبراز الذات وتحقيق مجد شخصي وسمعة ومكانة اجتماعية أو سياسية أو علمية أو غيرها على حساب الدعوة ومتطلباتها وأخلاقها. ومنهم من يُسخِّر الدعوة ومؤسساتها وعلاقاتها لقضاء مآرب شخصية وجلب منافع مادية ذاتية. وهذا خرم خطير ومنزلق وعر سقط فيه الكثير من الناس.

       3- الحرص على البروز والظهور وترميز الذات على حساب الجماعة والأعضاء الآخرين:

فالأناني مفتون بالبروز ومبهور بحب الشهرة، إذ كلما سلطت عليه الأضواء كان في سعادة وانتشاء وكلما غابت عنه شعر بالضيق وأظهر التبرم من كل شيء. لأجل ذلك يسخر كل شيء لإثارة الانتباه إليه والإعجاب به.

       4 الفتور في أنشطة وأعمال الدعوة والحيوية في ما له صلة بالمنافع الشخصية:

يرتب الشخص الأناني أولوياته على أساس أسبقية مصالحه الذاتية مما يجعل إيقاع عمله، إقبالا وإدبارا، محكوما بهذه القاعدة: كلما كان انتفاعه الشخصي من العمل كبيرا كلما كان إقباله عليه جديا وقويا والعكس صحيح. فمعيار الاختيار هنا ذاتي ولا علاقة له بمصلحة الدعوة أو غاياتها. ويوضح الإمام المربي عبد السلام ياسين رحمه الله هذا الأمر بقوله: “إذا طغت حوافز الأنانية على سلوك الإنسان ارتكس سلوكه إلى خمول ونكوص عن المسؤولية الاجتماعية والسياسية. وقد رأينا كيف يشجب الداعي القدوة حوافز البطنة والأثر والسمعة الزائفة عند علماء السوء خدمة الطاغوت”[4]. ولا يقتصر الأمر على العمل بل يطال أيضا عملية التشاور؛ إذ يعمل الأناني على ترجيح كل رأي أو اقتراح يخدم مصلحته ويدفع في اتجاه تبنيه ويشوش على الآراء الأخرى دون مراعات أولوية الدعوة ومصالحها. بل الأخطر من ذلك اتهام أصحاب الآراء المخالفة لتقديره بأشنع التهم والتأليب عليها سرا أو جهرا، خاصة إن كان هؤلاء من المؤدبين والمتواضعين من الإخوان أو ممن هم أقل درجة منه في المسؤولية أو منافسين محتلمين له فيها.

       5- تهميش الكفاءات المخالفة وتحطيم رمزيتها:

بما أن الأناني مهتم بالأساس بإظهار ذاته على حساب الجميع فمن خصاله عدم الاعتراف لذوي الفضل بفضلهم والتكبر عليهم. والكبر في ميزان الشرع “بطر الحق، وغمط الناس”، أي: رد الحق، واحتقار الناس. فمعيار  ترميز الأشخاص عند الأناني هو قربها منه وخدمتها لطموحاته وليس كفاءتها في خدمة الدعوة أو درجة نفعها لها.

       6- الدفاع عن النفس بالباطل وتبرير كل شيء:

وعدم الرضوخ للحق والرضا به إلا إكراها، فضلا عن فرط الحساسية للنقد من أي مصدر كان سواء كان موضوعه حقيقيا أو وهميا.

      III. مخاطر الأنانية على الفرد والجماعة:

تتعدد المخاطر المحدقة بالفرد والجماعة جراء سيادة خلق الأنانية في سلوك الأعضاء والقادة وتتنوع حسب الحالات والوضعيات. فهذا السلوك المشين غير اللائق بمن يتصدى لدعوة الناس إلى الإسلام وقيمه، بله بمن يعرض نفسه دالا على الله ومربيا على السلوك إليه، يتهدد الأفراد في حياتهم ومعادهم فيفسد عليهم دنياهم وآخرتهم، كما يهدد العمل الدعوي بالاندحار والفشل في تحقيق غاياته في هداية الناس وجلب الخير لهم. وقد عملت في هذا المقال على التركيز على أفدح هذه المخاطر  ومنها:

1ـ بالنسبة للفرد:

* التعرض لغضب الله ونقمته وبطلان كثير من الأعمال لفساد النية وخراب القصد:

إن الغاية العظمى من كل عمل تعبدي أو جهادي هي نيل رضى الله عز وجل والفوز بالقبول عنده جل وعلا، ولذلك شروط أساسية في مقدمتها إخلاص النية وتحرير القصد من كل غاية غير ابتغاء وجه الله الكريم. والأنانية هي التعبير الجلي عن فساد النية، إذ إنها تجعل كل عمل موجها لخدمة منافع الفرد وتحقيق مصالحه وليس نيل رضى الله عز وجل مهما صرح المرء وأعلن وفي ذلك والعياذ بالله استجلاب لغضب الرب تبارك وتعالى ومفسدة للعمل وإحباط لأثره وحرمان من أجره وفضله. ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: “جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، و الرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله ھي العليا فهو في سبيل الله”. كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأتي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه ثم ألقي في النار”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه “أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ رجلٌ يريدُ الجهادَ وهو يريدُ عرَضًا من الدُّنيا فقال رسولُ اللهِ صلىَّ اللهُ عليه وسلَّم لا أجرَ له فأعظَم ذلك النَّاسُ وقالوا للرَّجلِ عُدْ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلعلَّك لم تُفهمِه فقال الرَّجلُ يا رسولَ اللهِ رجلٌ يريدُ الجهادَ في سبيلِ اللهِ وهو يبتغي عرَضَ الدُّنيا قال لا أجرَ له فأعظم ذلك النَّاسُ وقالوا عُدْ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال له الثَّالثة رجلٌ يريدُ الجهادَ وهو يبتغي عرَضًا من الدُّنيا فقال لا أجرَ له”. (أخرجه أبو داود وأحمد  وابن حبان). وعند النسائي “أنه سئل صلى الله عليه وسلم: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له. فأعادها ثلاث مرار يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شيء له ثم قال: إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغى به وجهه” .

       *ـ ظلم النفس وحرمانها من الفضل والخير:

تمنع النيات الفاسدة والطموحات الدنيئة الشخص الأناني من أن يغرف من الخير والفضل الذي أودعه الله في الصالحين فتضخم الذات يولد  لديه نفورا من الآخرين واستعلاء عليهم مما يؤدي به إلى حرمان نفسه وغيره. كما أن الأنانية تقف سدا منيعا أمام الارتقاء الخلقي والسلوكي والجهادي، يقول الإمام ياسين رحمه الله: “الأنانية المستعلية أو المتمتعة. يعوق أصحابها عن اقتحام العقبة امتلاء مما هم فيه وطلب المزيد مما هم فيه. قوم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس.”[1] ويضيف أيضا: “على مستوى الفرد يكون الاستكبار والأنانية حجابا مظلما وجدارا سميكا يمنعه من اقتحام العقبة لخلاصه”[2].

       *ـ اتباع سيرة أئمة الأنانية والتشبه بهم:

في الإصرار على سلوك طريق الأنانية اقتداء بمن عرّض القرآن بهم واعتبرهم أئمة الضلالة وقائدي التمرد على الحق خلال التاريخ البشري مما جعلهم هدفا لغضب الله ونقمته وعبرة لمن يعتبر. وقد ذكر القرآن الكريم نماذج مختلفة من هؤلاء وسرد لمحات من سيرتهم ونبه إلى مئال اختياراتهم وتبعات أفعالهم، ومن أبرز هؤلاء:

*- إبليس اللعين الذين أسس لمقولة الشر ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ / (سورة الأعراف، الآية 12).

*- فرعون الذي تضخمت عنده أنانيته لدرجة التأله على الخلق ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ / (سورة النازعات، الآية 24.).

*- قارون الذي أعجب بكسبه ومهارته وأنكر فضل الله عليه ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾/ (سورة القصص، الآية 78).

*- النمرود الذي طغا وتأله وأعطى لنفسه الخسيسة سلطة الحياة والموت: ﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ / (سورة البقرة، الآية 258).

*- الظالم لنفسه صاحب الجنتين الذي التفت إلى ما في يده وأعرض عن ربه: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾/ (سورة الكهف، الآية 34).

*- سبب لسقوط العضو من الجماعة:

وقد يكون هذا السقوط بقرار تنظيمي بسبب انتفاء أهلية الفرد للعمل الدعوي الجماعي ومقتضياته ولتحمل المسؤولية وتكاليفها ولأخلاق الدعوة وقيمها. وقد يكون تساقطا تلقائيا حين لا يجد الشخص الأناني بغيته من العمل الجماعي ولا يتمكن من تحقيق طموحاته ويتعثر مسار مصالحه الشخصية. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “فكل من تشم منه رائحة الاستكبار بوجه من الوجوه فليس بعد منا. نجعل ذلك ناقضا لأهلية العضوية في الجماعة. وبعد القومة نجعله ناقضا لأهلية تولي أمور المسلمين”[3].

   2ـ على مستوى الجماعة:

      تترتب على استمرار وجود الأنانية في سلوك الأعضاء مخاطر تتجاوز فرديتهم لتطال المشروع الدعوي برمته وتتضاعف هذه الأخيرة حين لا يتطهر القادة من هذه الخصلة الدنيئة ومن أهم عناصر الخطورة:

       *- الجناية على المشروع الدعوي برمته:

خاصة حين يتمكن الأنانيون من تولي مسؤوليات توجيهية أو حساسة في التنظيم الدعوي. فحين تشيع الأثرة وتسيطر الأنانية في تنظيم دعوي ما يكون مهددا بانحلال عِقده وانفصام عراه. فتركيز هؤلاء في هذه الحالة ينصرف لخدمة الأهواء والطموحات الشخصية وصناعة الأمجاد الفردية على حساب قيم المشروع وثوابته وغاياته. فالأنانية مصدر لفشو القدوة السيئة في الصف الدعوي وهي أيضا سبب لذهاب البركة وسيادة الأهواء وكل الخصال السيئة.

        غياب التطاوع وفشو التنازع وكثرة العداوة والخصومة:

حين تسود الأنانية وتسيطر الأثرة وتطفو إلى السطح ينتشر التنازع وتظهر الخصومات وقد يتحول الأمر إلى عداوات بين من يفترض فيهم التشبع بأخلاق الإسلام العظيمة والعمل على نشرها في الناس. كما يغيب التطاوع والتياسر المفترض في العمل الدعوي المبني أساسا على التطوع لفعل الخير وهذا من أخطر مهددات وحدة التنظيم ومن أهم أسباب انفراط عقده ومدخل رئيس للهزيمة أمام أعدائه. يوضح الإمام ياسين رحمه الله هذه القضية بقوله: “امتحان الطاعة الكلية قبل لقاء العدو، فإنه ما لم يغلب ويقهر عدو الأنانية المتمنع على الطاعة لأولي الأمر لا سبيل لغلبة العدو. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾. عصوا الأمير فانتفت عنهم قابلية الجهاد”[4].

       إهدار الكفاءات:

تعتبر التصرفات الأنانية، خاصة تلك التي تصدر من قبل القيادات، من الأسباب الرئيسة في تهميش الكفاءات وإهدار الطاقات التي يمكن أن تنتفع بهم دعوة الله ويكونوا رصيدا مهما في قوتها ومددا لها.

جرأة أعداء المشروع الدعوي على اختراق لحمته ونسف معاقد قوته:

يستمد المشروع الدعوي قوته من مصدرين أساسيين، أولهما شدة ارتباطه بشرع الله حبا وامتثالا وخدمة بإخلاص وتفان ثم قوة التحام الحاملين له فيما بينهم تحابا وفداء وإيثارا. وقد ركز أعداء الدعوات على مر التاريخ البشري على محاولة إحداث اختراق في هذين العنصرين الأساسيين. فإبليس وأعوانه من الإنس والجن يعملون دون كلل لبث الوهن في علاقة المؤمنين بدينهم وشرع ربهم من خلال إثارة مكامن الهوى والشهوة في القلوب وشغل العقول بالشبهات والفتن. كما لا يألون جهدا في بث الفرقة في الجسد الدعوي الواحد من مداخل متعددة وأخطرها بوابة الأنانية المستعلية فيضربون على وتر الرغبة في تحقيق المجد الشخصي واستثارة شهوة الظهور وإبراز الذات.

        IV. أسبابها:

يعد حب الذات أمرا فطريا في الإنسان؛ فما من كائن حي إلا ويحرص على الاستجابة لحاجات ذاته حفاظا على بقائها وانتفاعا منها في الحياة. لكن حين يطغى هذا الحب على كل حب آخر وحين يتحول إلى تقديس للذات وتقديم لها على القيم والفضائل فهذا موطن الخلل وعلة الإدانة وهو ما يسمى الأنانية. ولهذه الظاهرة أسباب متعددة نفسية وتربوية واجتماعية، وقد اخترت أن أذكر منها ما يأتي:

       1- انحرافات نفسية ناتجة عن سوء التربية:

فكثيرا ما يتعرض الطفل لسوء التربية مما يترك ترسبات في شخصيته تؤدي إلى ظهور انحرافات سلوكية ومن نماذج هذه التربية السيئة:

*-  القسوة على الأبناء بالضرب والتأنيب والتحقير .

*- حرمان الطفل من الأشياء التي يحبها أو يراها عند الآخرين .
*- عدم تعويد الأبناء على التسامح فيما بينهم، وتعويدهم على الانتقام .

*- عدم تربية الأبناء على خدمة غيرهم من الناس وإيثارهم على أنفسهم.
*- اختلال علاقة الأبوين بعضهما ببعض، من حيث غياب روح التسامح والتغافل والتعاون والإيثار والاعتراف بالفضل وحسن المعاملة .
*-  التمييز بين الأبناء في المعاملة بحيث يتم تفضيل بعضم عاطفيا أو ماديا.

       2- غياب التربية الإيمانية أو ضعفها:

حين لا تكون أولوية العمل الدعوي الحرص على إرساء دعامات التربية الإيمانية وترسيخ الأخلاق الإحسانية يتحول إلى تنظيم تعبوي أرضي لا هوية إيمانية له وهو ما يجعل الطريق معبدا لسيادة الأهواء وتمرد النفوس وعربدة الطباع السيئة. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “الشيطان له مأوى في داخل كياننا، له عش، له حلفاء. تخبث النفس حين لا تتزكى ولا تتطهر، فيجد الشيطان فيها ركنا ممهدا، أو تنجس بالكفر والنفاق فكلها ظلام وكلها مملكة إبليس، ويحالف الشيطان نوازع الشهوانية والغضبية العدوانية الأنانية في الإنسان، ويستغلها ليمارس أشغاله”[5]:

       3-  حبّ الدّنيا والانشغال بالشّهوات:

حيث تحجب هذه الأحوال الشيطانية عن المؤمن يقظته القلبية وتحول دون اتعاظه وتوبته من تصرفاته السيئة. فالقلب الغارق في أهوائه والسابح في ظلمات شهواته لا يعتبر ولا يفتح مجالا، إلا أن يشاء الله، لنزول صاحبه من برجه العاجي الذي رسمه لنفسه ومعاملة الناس بالتواضع وحسن الخلق. فحب الدنيا والحرص عليها هو رأس كل خطيئة؛ حب الدنيا بما يعنيه من تعظيم للذات وعبادة لأهوائها واستسلام لنزواتها.

         V. علاجها:

      في العمل التربوي الجهادي يجب أن يكون التخلص من الأنانية والتطهر الدائم من تبعاتها هدفا أساسيا وأولوية قصوى، وأذكر هنا بمقولة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “وإن القضاء على الأنانية التي تستعبد الفردَ لِهوى نفسه أو لِهوى غيره لَمَطْلبٌ أساسي”[6].     لكن هل الأمر سهل وهين وهل يتحقق بيسر في زمن وجيز؟ لا شك أن هذا التطبيب يشغل حياة المؤمن والمجاهد على وجه الخصوص؛ فتغيير الطباع عملية شاقة وفطم النفس عن عاداتها هدف يتحقق تدريجيا طيلة حياة الانسان وهو مسار صاعد ومتعرج يقتضي صبرا ومصابرة وتربية على يد الصالحين وفي جماعتهم. ومما يعين على تحقق مطلب التطهر من الأنانية السلبية التركيز على أمرين أساسيين هما التربية والعدل.

  • التربية:

تعد التربية عملية تغييرية تطويعية للنفس البشرية بطباعها وخصائصها لترقيتها للصورة النموذجية التي يجب أن تكون عليها؛ ففي دلالتها اللغوية تعني التنمية والتقويم والإصلاح. والتربية المقصودة في سياق هذا الموضوع هي التربية الإيمانية الإحسانية التي تجعل الفرد مؤهلا للانتساب لصف الصالحين والمجاهدين من خلال إحداث تغيير عميق في باطن نفسه؛ فهي حسب تعريف الإمام ياسين رحمه الله: “عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان ثم نشوءه فيه وتمكنه ورجولته”[7].

وللتربية شروط أساسية أولها الصحبة الصالحة التي تحتضن العضو وتشرف على ترقيته وتنمية الصلاح في شخصيته وتخليصه من أنانيته المستعلية؛ “فالصحبة تربي الفرد من أنانيته وتفتح له قابليات الاندماج في الجماعة.”[8]. أما ثاني هذه الشروط فهو ذكر الله تعالى ذلك أن “قمع الأنانية الطاغية يكون على مستوى التربية بذكر الله وصحبة المؤمنين.”[9]؛ الذكر بكل مشمولاته قراءة للقرآن وذكرا بالقلب واللسان وإقامة للصلاة.

في حضن الصحبة الصالحة والجماعة المجاهدة يتم التركيز باستمرار على تربية الأعضاء ـ في كل مستويات السلم التنظيمي ـ على الغيرية؛ ومعناها التضحية بالمصالح الشخصية لأجل مصلحة الغير. فالأبوان يضحيان بصحتهما وراحتهما ووقتهما ومالهما في سبيل تلبية حاجات أبنائها وتحقيق مطالبهم. وقد أثنى الله تعالى على أهل الإيثار، وجعلهم من المفلحين، فقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الحشر الآية: 9). وورد عن النبي ﷺ قوله لأنس ابن مالك: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” (حديث متفق عليه)؛ قال الإمام النووي رحمه الله : “قال العلماء: معناه: لا يؤمن الإيمان التام ، وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة”. ومما يزكي هذا المعنى وينتصر له الحديث النبوي الذي أورده الحافظ ابن حبان بلفظ  ” لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير” ( صححه الألباني في صحيح الترغيب). ويقول الإمام ياسين رحمه الله: “توازن الشخصية المؤمنة المحسنة يُنْسَجُ على منوال المعادَلة بين ضبط النفس وإنصاف الغير. إن كان ضبط النفس بلجامِ الشرع شرطا لرقِيِّ الإنسان في مراتب الإحسان فهو في نفس الوقت عطاء جانبي، يضْمنُ كفَّ الأذى عن الناس، ويضمن نهوض المؤمن لصد العدوان والظلم عن الغير، ويضمن إيصالَ النفع إليهم بدافع إحساني تَبَرَّأَ صاحبُه من الأنانية والشهوانية والغضبية.”[10].

ومن أهم ركائز التربية على الغيرية، التربية على المحبة والخدمة. فالحب في الله وخدمة الناس يمثل القوة القاهرة التي تذيب الأنانيات وتقمعها، لأجل ذلك يجب تعويد المؤمنين والمؤمنات على الخدمة محبة وإيثارا، يقول الإمام: “فبالمحبة تنكسر الكبرياء، وتنكسر أيضا بالجلوس على البساط في مجالس الإيمان وخدمة المؤمنين”[11]. ويقول أيضا: “الحق الذي يتواصى عليه المؤمنون ويتناصحون به هو التفاني في خدمة الجماعة مقتحمين عقبة الأنانية، يحبون إخوانهم ويواسون، وبذلك يستحقون الجنة لانهم أحبوا فآمنوا، ومن لا يحب لا يؤمن”[12].

  • بناء العمل الدعوي على أسس العدل:

لا مناص من قيام العمل الدعوي الجهادي على مبدأ العدل خاصة في اختيار من يرشح ويتولى المسؤوليات في التنظيم؛ فلا يحرم منها أهلها ولا تعطى لمن تبث أنه يعمل على الوصول إليها تحقيقا للقاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله، أَمِّرنا على بعض ما ولاّك الله، وقال الآخر مثل ذلك، فقال النبي ﷺ: إنا والله لا نولِّي هذا العمل أحداً سأله، أو أحداً حرص عليه،( حديث متفق عليه). فلا مكان للمحاباة والعلاقات الشخصية وغيرها من الأمراض التي تكرس الوهن وتبث الفرقة بين الأعضاء وتُفقد الثقة في المشروع الجهادي وترسي قيم الزبونية وتفتح الباب لسيادة الأنانية وعربدة الأهواء؛ فهذا كله يتنافى مع مبادئ الإسلام وأخلاقه ومقاصد العمل الدعوي الجهادي وغاياته بل يكون سببا للطعن في شرعيته.

VI. على سبيل الختم:

هل تقتضي محاربة الأنانية في سلوك الأفراد الانزواء والبعد عن التأثير والفعل وعدم العمل على التألق وبناء المشروع الشخصي في العمل الدنيوي والجهادي؟

مبرر طرح هذا السؤال في خاتمة هذا الموضوع التخوف من حصول سوء فهم في التعاطي مع قضية الأنانية. فديننا الحنيف لم يحرم على المسلم طلب حظه من الدنيا والعمل على التفوق في مجالاتها المختلفة والانتفاع من الخيرات التي قسم الله لكل مخلوق نصيبه منها. كما لم يمنع الاسلام المُتدَينَ من البروز والرمزية، بل إنه أمر مطلوب بالنسبة لمن يتصدى للدعوة الاسلامية لأنه قنطرة إلى قلوب الناس ومعبر إلى عقولهم. والانزواء عن الخلق والانغلاق على النفس دونهم ـ لغير المضطر ـ دليل ضعف في الشخصية واختلال في فهم مقاصد الدين وغاياته. فالمسلم الناجح في الحياة والمتألق في مجالاتها هو الذي تحقق عنده الفهم السليم للإسلام وهو الأكثر قابلية لخدمته بشكل أفضل. لكن الضابط الذي يجب أن يُحتكم إليه في هذا السياق هو إخلاص النية وتحرير القصد من الغايات الدنيئة والأهداف الخسيسة التي فيها إشباع لغرور النفس واستجابة لنزوات الهوى. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة التوبة الآية 105).

[1] ـ  عبد السلام ياسين، العدل الاسلاميون والحكم، مطبوعات الأفق، الطبعة الأولى 2000، ص64.
[2] ـ الموسوعة العربية، المجلد الثالث، الصفحة 708.
[3] ـ عبد السلام ياسين، الاسلام غدا، مطابع النجاح، المغرب، 1973، ص48. [4] ـ عبد السلام ياسين، مجلة الجماعة، العدد الثالث، ص26. [5] ـ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الطبعة الثانية، 1989، ص19. [6] ـ عبد السلام ياسين، الاسلام غدا، مرجع سابق، ص 632. [7] ـ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، مرجع سابق، ص 320. [8] ـ المنهاج النبوي، ص110. [9] ـ عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج، الطبعة الأولى، 1989، ص 66. [10] ـ عبد السلام ياسين، العدل، مرجع سابق، ص64. [11] ـ  المنهاج النبوي، ص:55. [12] ـ الاسلام غدا ص53/54. [13] ـ عبد السلام ياسين، رسالة في المنهاج النبوي، مجلة الجماعة، العدد السابع، ص 23. [14] ـ عبد السلام ياسين، الاحسان، الجزء الثاني، مطبوعات الأفق، الطبعة الأولى 1998، ص 318. [15] ـ الاسلام غدا، ص632. [16] ـ الاسلام غدا، ص 828.

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. sahbani يقول

    بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا سيدي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.