منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأخلاق في الفلسفة

0
اشترك في النشرة البريدية

 مقدمة

تتعالى في زمن التردي الذي نعيشه، نداءات تدعو إلى تخليق المجتمع، وهي نداءات مشروعة مروءة وإنسانية، واجبة شرعا ، تنال مشروعيتها باعتبار أن للأزمة الأخلاقية والقيمية آثار وخيمة على الإنسان عموما، على الأسرة والمجتمع والدولة، وباعتبار أن نداء الأخلاق، نداء رباني نبوي. والأخلاق في زمننا الحاضر على الخصوص مما يجب أن نعكف على تحصيله أفرادا وجماعات، إذ لا يستقيم التواصل والاتصال بين الناس، ولا تنتظم العلاقات داخل المجتمع دون الأخلاق ووازعها وضوابطها  وتوجيهاتها ؛ فإذا انعدمت حل الخراب وذهبت الأمم، وقد صدق الشاعر إذ قال :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

هذا المقال يتناول الموضوع في شقه النظري الفلسفي، ننظر من خلاله إلى ماهية الأخلاق في الفلسفة قديما وحديثا.

 

 1 ـ فلسفة الأخلاق عند أفلاطون (347 ق م)

المزيد من المشاركات
1 من 14

يرى أفلاطون أن “إنقاذ الغرقى وإطعام الجائعين ونصرة المظلومين هي قيم خيرة، لأن الخير مفهوم كلي وليست الأفعال المذكورة إلا تمثلات ومظاهر له”[1] يقول الدكتور مصطفى بنحمزة :” قد صور أفلاطون حالة (الاستواء الخلقي) بمثال العربة التي يجرها جوادان يمثل أحدهما انفعالات سفلى ويمثل ثانيهما انفعالات عليا، ويقود العربة حوذي هو العقل يحاول أن يضبط سير العربة وينظر إلى عالم المثل. وحالة الاستواء الخلقي هي الحالة التي ينجح فيها الحوذي في ضبط الانفعالات لكي تسير العربة سيرا متزنا..”[2]

ومن هنا يمكن تلخيص فلسفة أفلاطون للأخلاق بأنها حالة التوازن والانسجام بين انفعالات الخير والشر داخل النفس البشرية .

يضيف أفلاطون في انتباه ملفت لعلاقة هذا التمثل الفردي بالأخلاق الفاضلة بواجب الدولة “أن الشخص الفاضل الذي يلتزم مثل الأخلاق هو بالضرورة مواطن صالح، وهو لا يوجد إلا في دولة ذات نظام سياسي صالح تتوفر فيه مقومات الصلاح في الدولة، ولذلك تحدث أفلاطون عن مواصفات الدولة الصالحة وعن المجتمع الصالح وأفرد لذلك كتابه الجمهورية »[3].

 

2 ـ الأخلاق في فلسفة أرسطو (322 ق م)

كتب أرسطو كتابا في الأخلاق هو عبارة عن رسالة لولده ، وهو كتاب اعتبره د عبد الرحمن بدوي في تصديره له،  أهم كتب أرسطو في الأخلاق[4] .

اهتم أرسطو بمعنى الخير والسعادة، وأكد أن الخير هو غاية جميع أعمال الناس، وأن الخير الأسمى هو تحصيل السعادة التي هي الغاية الأسمى، التي تطلب لذاتها لا لغيرها .

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

وخلال استعراض أرسطو للأخلاق التي أسماها فضائل جزئية ” تحدث عن الشجاعة والعفة، والسخاء والكرم، وتحدث عن كبر النفس، وعن الحلم ..”[5] وبعد أن اعتبر السعادة غاية للخير فقد تحدث عن الوسيلة إليها وهي الفضيلة الثانية وهي مشابهة لقوى النفس فلذلك تستفاد منها، ومن ثم وجب الاعتناء بإصلاح النفس، وكما أن من يعالج العيون من الأطباء لا يتمكن من ذلك إلا بعد معرفته بأحوال العين، ومن يعالج الجسم لا يتمكن من العلاج إلا بعد معرفته بأحوال الجسم، فكذلك لا يتمكن من يريد تحقيق الفضيلة من ذلك إلا إذا علم أحوال النفس[6]

وعند أرسطو تقسيم للفضائل إلى فضائل فكرية كالحكمة والفهم والعقل وهي تكتسب بالتعلم، وفضائل خلقية مثل العفة وهي تكتسب بالتعود.

وعلى نفس النهج في ربط الأخلاق الفردية بأخلاق الدولة والمجتمع، اهتم أرسطو ببحث الأخلاق السياسية لأن الفضيلة في اعتباره “لا تمارس إلا من خلال وجود مجتمع يحكمه نظام سياسي يقوم على الفضيلة السياسية”[7] ولهذا السبب ألف كتابا آخر مستقلا هو كتاب السياسة، والذي يقول فيه ” إن الخير السياسي يتمثل في تحقيق العدل الذي هو المنفعة العامة، ووسيلته هي المساواة أمام القانون »[8]

 

3 ـ الأخلاق عند ديكارت (ت 1650)

يسمى رينيه ديكارت أبو الفلسفة الحديثة، وقد كان يعتبر الأخلاق قمة العلوم حيث “صور الفلسفة على أنها شجرة جذورها الميتافيزيقا وجذعها الفيزيقا والفروع التي تخرج منها هي العلوم التي ترجع إلى ثلاثة أصناف كبرى، هي الطب والميكانيك والأخلاق. وبهذا تكون الأخلاق في نظر ديكارت هي قمة العلوم وخلاصة عطاء الفلسفة.”[9]

كما يسمي ديكارت الأخلاق ب”الأخلاق المؤقتة”، وهي القواعد الضرورية التي لا بد منها لاستبقاء سلامة المجتمع ريثما يتأتى بناء مذهب أخلاقي متكامل. وتتلخص تلك القواعد الضرورية في :

ـ طاعة قوانين البلاد، والتزام عوائدها، والتزام الدين خصوصا[10]

ـ أن يكون الشخص أكثر تصميما في أعماله تجنبا للتردد.[11]

ـ أن يغالب نفسه ليغير من رغباته فيعمد إلى تغيير النفس لا إلى تغيير النظام العام.[12]

 

4 ـ الأخلاق عند إيمانويل كانط (ت 1804)

يقول جون جاك روسو:” إن قيمة الإنسان ليست في وضوح ذكائه فحسب، بل أيضا في نبل عاطفته وعمق شعوره الروحي” [13] ولقد كان كانط من المعجبين بمقولته والمتأثرين بأفكاره، ويقوم المذهب الأخلاقي عنده على محورية ما يسميه “الإرادة الخيرة”، ” فإذا كان الفهم والذكاء وملكة الحكم وما سواها من مواهب العقل خصائص خيرة خليقة بأن يطمح إليها الإنسان، فإنها يمكن أن تكون أيضا سيئة بالغة السوء والضرر إذا لم تكن الإرادة التي عليها أن تستخدمها إرادة خيرة.”[14] وقد التقط الدكتور بنحمزة من هذا التقاء فكرة الإرادة الخيرة مع ما قرره الإسلام من أن الأعمال بالنيات وأن العبرة بالمقاصد والغايات[15]

كما أنه يربط الأخلاق بداعي القيام بالواجب، وأسسه على معنى الالتزام “فحين يترك فرد السرقة مثلا لأنه يتعاطف مع الناس أو لأنه يخاف من العقاب، أو لأجل حماية سمعته أو لغير ذلك من الاعتبارات، فإن ذلك كله لا يسمى فعلا أخلاقيا، لأنه ليس صادرا عن اقتناع بأن ذلك الترك هو مقتضى الواجب”[16].

 

خاتمة

كتب الباحثون كثيرا وصنفوا في النظرية الأخلاقية مستندين على آراء فلسفية، رافضين أحيانا صلة الدين بالأخلاق، غير معتبرين الأخلاق ذات منشأ ديني، وهي من الآراء التي أثارت ولا تزال تثير شبهات، ليس الهدف منها سوى تحييد الدين عن مجال التربية والتعليم، وبالنتيجة علمنة المجتمع وتغريبه، ولنحن اليوم أحوج ما نكون، من جهة، إلى بيان القصور في « تنزيل » وتفعيل هذه التوجيهات الفلسفية الأخلاقية ـ على الرغم من أهميتها ـ ، وفضح كيف يستغل عدد من المغربين الفلسفة وآراءها لضرب الدين فقط وإدامة « الصراع » معه، لا يتعدون ذلك إلى إنتاج قيم إيجابية والتمكين لها والدعوة إليها في سلوك السلطة ومضامين المدرسة وقوانين الأسرة ..، ومن جهة أخرى نحن بحاجة لإبراز النظرية الأخلاقية الإسلامية، وإثبات هذه الصلة بين الشريعة والأخلاق والقيم، وتفنيد الشبهات وردها، والأخلاق في الإسلام تنال أهميتها الكبرى من كونها تتعدى التنظير إلى الممارسة، بل إنها تعتبر نفاقا ومذمة أخلاقية كل قول لا يطابقه عمل..

 

[1] العقل الأخلاقي العربي د. محمد عابد الجابري ص 160

[2]  مقاربات في المسألة الأخلاقية د.مصطفى بنحمزة ص 33

[3] المصدر نفسه، ص 35

[4]  كتاب الأخلاق لأرسطو ص4

[5] مقاربات في المسألة الأخلاقية ص 38

[6] كتاب الأخلاق لأرسطو ص 81

[7] مقاربات في المسألة الأخلاقية ص 40

[8]  السياسات لأرسطو ترجمة أوغوسطينوس باربرة البولسي ص 150.

[9]  مقاربات في المسألة الأخلاقية ص 44

[10]  مقال في المنهج ص 38

[11]  مقال في المنهج ص 40

[12]  مقال في المنهج ص 41

[13] الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع  د سيد محمد بدوي ص 90

[14]  تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق ص 38

[15] مقاربات في المسألة الأخلاقية ص 48

[16]  مقاربات في المسألة الأخلاقية ص 50

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.