منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ردود تنويرية على منكري الفلسفة الغيبية

0
الفهرس إخفاء
ومما تقر به الأفهام البيبة والفطر السليمة أن لله تعالى نواميسا خاضعة لإرادته وتدبيره، منها أنه ربط بين فساد الانسان في الأرض واستحقاق العقاب سواء في الآجل أو العاجل، وهو ما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الروم: 41)، فقد ظهرت معاصي الله تعالى في كل مكان من برّ وبحر بذنوب الناس، وانتشر الظلم فيهما فاستحقوا عقوبة بعض أعمالهم التي عملوا ومعصيتهم التي عصوا كي ينيبوا إلى الحقّ، ويرجعوا إلى التوبة، ويتركوا معاصي الله ويقادوا للجنة انقيادا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (عَجِبَ اللَّه مِن قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ)،[5] ففي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بأنَّ اللهَ يَعجَبُ مِن قومٍ يدخُلونَ الجنَّةَ في السَّلاسلِ، بمعنى يجرون إليها جرا في الدنيا ترغيبا بالنعم والعطايا أو ترهيبا بالمكاره والبلايا، بما اقتضته سابقة علم الله تعالى وجرت عليه خاتمتهم بالحسنى.

من المعلوم عند العرب قديما وحديثا المثل الشهير: “كل إناء يرشح بما فيه ” [1] فالفاضل لا يصدر منه إلا الفضل، والخير لا يصدر منه إلا الخير، والبار لا يصدر منهم البر، وغيرهم بما فيهم ينضحون.

وإن الناظر في ما جرت عليه أقدار الله تعالى اليوم على العالم بأسره من تربص وتخوف، بلغت به قلوب الكثيرين الحناجر وزلزلت الأقدام وانهارت جرف الاقتصاد وسكنت صخائب الحياة، لا لشي إلا لكائن مجهري يحمل المنايا، لا تدركه الأبصار المجردة، وهو يدرك من البشر قتلى وسقام، ويخلف أرامل وأيتام، حتى توقفت الخبرة البشرية والعلوم الانسانية، وأشهرت الخضوع والاستسلام، ونظرت إلى حل من السماء يرام، وتنفست الصعداء بتباشير الترياق المنتظر جميع الأنام، لكل هذا لا بد من حديث وكلام.

ولذلك انبرى في هذه المرحلة العصيبة من الوجود الانساني على الأرض الكثير من علماء الأمة الاسلامية وفضلائها الأخيار، للتذكير والتطمين والوعظ والاتعاظ من جهة، والتحفيز على العمل الميداني والبحث المخبري من جهة أخرى وفق الامكان المتاح، لتحقيق النفع العام للإنسان حيثما كان.

ومما وجب التذكير به دون استحياء من عتاب أو وجل من انتقاد، أمام هذا المصاب الجلل، عملا بقوله تعالى: (وَذَكِّر فإنّ الذَّكْرىَ تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ) (الذاريات: 55) لينتفع أهل الايمان بالله،[2] ويتعض أقوام آخرون وتتفتح عقولهم وقلوبهم ليسلكوا سبيل الحق، ويلتحقوا بصف الموحدين العابدين طوعا لا كرها، قلت مما يجب التذكير به مما هو من صميم الاعتقاد المنزل من رب السماء، أن هذا الفيروس المجهري خلق من خلق الله، وإن نسب الصنع للانسان بشكل من الأشكال، أو قل إن شأت بلغة القرآن هو جند من جنود الله تعالى يشد به عضد من يشاء ويسلطه على من يشاء من خلقه، فقد قال الله تعالى: ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ) (المدثر:26). وقال أيضا: (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ) (الصافات:173).
 ولا شك أن هذا مما يؤمن به المسلمون إيمانا راسخا، ويعتقدونه يقينا قاطعا، فأهل الايمان هم أهل الظفر والنصر والفلاح.
المزيد من المشاركات
1 من 69
 وإذا قلنا بهذا، فإننا لم نأت في ذلك بجديد، ولم نبتدع بدعة في الدين، وإنما غايتنا أن نبين للجاهل ونذكر الغافل ونقيم الحجة باعتبارنا مسلمين مأمورين بالتبليغ، أومجتهدين في الدين أو مفتين فيما استجد على الناس من نوازل، أو موقعين عن رب العالمين بتعبير ابن قيم الجوزية رحمة الله عليه، وذلك عملا بما هو من صميم نصيبنا من الارث النبوي المشار إليه في حديث صاحبه عليه أزكى الصلاة والتسليم (إنَّ العُلَماءَ ورَثةُ الأنبياءِ)[3]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً)[4].
والعلم الشرعي يفرض البيان وقت الحاجة، فتأخيره عنها لا يجوز، بيان يجلي أهم مداخل العلاج الشافي الوافي، بناء على توصيف دقيق، قد يكون مدخلا من مداخل خروج الانسانية من هذه الجائحة وغيرها إن استمر الانسان في غيهآ وتمادى في الفساد والاستبداد والطغيان.
ومما تقر به الأفهام البيبة والفطر السليمة أن لله تعالى نواميسا خاضعة لإرادته وتدبيره، منها أنه ربط بين فساد الانسان في الأرض واستحقاق العقاب سواء في الآجل أو العاجل، وهو ما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الروم: 41)، فقد ظهرت معاصي الله تعالى في كل مكان من برّ وبحر بذنوب الناس، وانتشر الظلم فيهما فاستحقوا عقوبة بعض أعمالهم التي عملوا ومعصيتهم التي عصوا كي ينيبوا إلى الحقّ، ويرجعوا إلى التوبة، ويتركوا معاصي الله ويقادوا للجنة انقيادا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (عَجِبَ اللَّه مِن قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ)،[5] ففي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بأنَّ اللهَ يَعجَبُ مِن قومٍ يدخُلونَ الجنَّةَ في السَّلاسلِ، بمعنى يجرون إليها جرا في الدنيا ترغيبا بالنعم والعطايا أو ترهيبا بالمكاره والبلايا، بما اقتضته سابقة علم الله تعالى وجرت عليه خاتمتهم بالحسنى.

ومن باب المسلمات الشرعية والمقدمات التنويرية الاعتراف بفضل البيان النبوي وحضوره الألمعي في بيان أصل الداء اعتبارا وانتهاء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم تظهرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ إلا ظهر فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكنْ في أسلافِهم)[6]، فدل ذلك على أن ظهورُ الأمراضِ والابتلاءاتِ في الأُمَمِ هو نَوعٌ من العُقوبَةِ التي يَضرِبُ اللهُ عزَّ وجلَّ بها الناسَ إذا كَثُرَ فيهم الفسادُ والمعاصي، عقوبة ليس المقصود منها الانتقام بل التطهير والتزكية للعصاة من الأنام.

وإذا كان الحضور الغيبي قويا في تفسير الظواهر الكونية عموما، فهذا لا يعني قطعا الركون إلى الرهبنة دون الأخذ بالأسباب، فهذا لا يقول به مسلم و لايقبله به عاقل، ومن التوجيهات الربانية للانسان في هذه الأرض وجوب التوكل على الله، باعتبار التوكل عبادة من صنوف العبادات، بل صفة توجب محبة الله تعالى لصاحبها حيث قال عز من قائل: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159).

ومع هذا الاعتماد الغيبي على الله، لا بد من الأخذ بالأسباب الأرضية، ومن الأسباب المنجية من البلايا معرفة عللها، وصرف العقول في إيجاد أدوائها. وبالتالي وجب البحث وتحصيل العلم بشتى فنونه، وطرق ما أوصده الجهل من أبواب، لتحقيق التوجيه النبوي في وجوب التداوي حيث جاء في الحديث المحمدي: ( تداوَوْا عبادَ اللهِ فإنَّ اللهَ لَمْ يضَعْ داءً إلَّا وضَع له دواءً )[7]، ليبذل أهل الفن الوسع قاصدين الخير والنفع حتى تزول الغمة وتنتفع الأمة.

ويشهد التاريخ قديما وحديثا على إسهام العلماء المسلمين في علوم مادية وصنعات تخصصية أفادوا بها البشرية جمعاء.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

وهذا لعمرك هو حق التوكل، اعتمادا على الله أساسا وأخذا بالأسباب توازيا، وفي ذلك قال ابن رجب الحنبلي: التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله – عز وجل – في استجلاب المصالح ودفْع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وكلة الأمور كلها إليه، وتحقيق الايمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه. [8]

وما دامت سنة الله اقتضت أن يميز الخبيث من الطيب، وأن يزهق الباطل بالحق إلى قيام الساعة، فقد تلقف الموحدون هذه الاشارات الربانية، وتمثلوها في التعرض لقضاء الله من هذا الوباء، واستشعروا أهمية التوبة باعتبارها أول الطريق للخلاص، قرعا لأبواب السماء وتضرعا لمن بيده مقاليد الأشياء، وعبروا عن ذلك مبنا ومعنى، فرادى وجماعات.

أمام هذه الهبة الايمانية التلقائية، والرجوع الطوعي لله تعالى ومحاسبة للنفس، ثارت ضغينة أعداء الدين وضعاف الايمان الحاقدين وقليلي المعرفة الجاهلين أو المتجاهلين.

وزاد من غيهم ما أشارت إليه المنابر الاعلامية من ارتفاع منسوب التدين عند المسلمين، فتربصوا بالهفوات الفردية حينا والجماعية أحيانا، والصادرة من بعض الجهلة والغوغائيين الذين لا ينضبطون لا بعقل ولا بشرع ولا بقانون. مما مكن للمتربصين فرصا لتوجيه سموم أقلامهم طعنا وتشكيكا في التوابث الشرعية للأمة تارة، وتسفيها وازدراء لها تارة أخرى، كما دأبت عليه عادتهم ونطق به غلهم وجرى به قلمهم كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

لكن ما يثلج الصدر ويسكن الفؤاد ويريح الروح أنهم شرذمة يعدون على رؤوس الأصابع، خبر المسلمون عدائهم ومحاربتهم لدين الله تعالى الراسخ في النفوس، وعافت الفطر السليمة أفكارهم المسمومة المدسوسة، وأكل على ترهاتهم وأباطيلهم الدهر وشرب، حتى نسي التاريخ لهم وجودا، لولا كبوة التخلف العلمي الذي يعيشه المسلمون بتخطيط أجنبي جائر وتنفيذ داخلي خائن، اتخذه أولئك مطية لنفث سحرهم الخبيث وحسدهم الدفين.

وإن الدخول في مستنقع نقاش من لا نية صادقة له للحوار بحثا عن الحقيقة بأبعادها الفلسفية والشرعية والانسانية عموما، يعد ضربا من الجنون وجهادا في غير معركة واحتطابا بليل وإحياء لأرض موات، خاصة إذا تلبسوا بلبوس الدين زورا وبهتانا واختبأوا وراء ذريعة الاجتهاد ظلما وعدوانا، وصدق الله إذ يقول فيهم (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ)( النحل:21-26).

اللهم لا شماتة، وصلى الله على نبيه الأمين الحمد لله رب العالمين.


[1] – في مجمع الأمثال للميدانيّ – رقم 3159

[2] – جامع البيان في تفسير القرآن – الطبري

[3] – أخرجه أبو داود (3641) واللفظ له، والترمذي (2682)، وابن ماجه (223)، وأحمد (21715)

[4] – أخرجه البخاري في صحيحه، رقمه 3461

[5] – أخرجه البخاري في صحيحه، رقمه 3010

[6] – أخرجه ابن ماجه (4019)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (4671)، والحاكم (8623) باختلاف يسير، وصححه الأباني صحيح الجامع الرقم 7978

[7] – أخرجه ابن حبان في صحيحه، الرقم 6061

[8] – جامع العلوم والحكم ص 409

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.