منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأوقاف رابط عقدي بين المغاربة وأرض فلسطين

الدكتورة فاطمة سويطط

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الذي اختار مما خلق بقعا وجعلها مقدسة، ورفع قدرها وأمر بالدفاع عنها، والصلاة والسلام على من أسري به إلى المسجد الأقصى المبارك الذي تشد إليه الرحال.

عشق المغاربة أرض الإسراء منذ زمان، وتنافسوا في إبراز ذلك الحب السرمدي للأقصى وقبة الصخرة، فكانوا يشدون إليه الرحال، وكان الحجاج المغاربة يقصدون بيت المقدس ومسجده للتبرك وتأسيا بقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: ” ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، والمسجد الأقصى ” [1] يقول عبد الهادي التازي:” فعلا ارتبط تاريخ المغاربة بالقدس والخليل منذ الأيام الأولى التي اعتنقوا فيها الإسلام… ولهذا فقد شدتهم نفس الأواصر التي شدتهم إلى كل من مكة والمدينة، وكان جل حجاجهم يمرون بفلسطين، عند مقفلهم من الحج، ليتمتعوا برؤية مسرى الرسول – صلى الله عليه وسلم- ويحققوا الأجر في الرحلة إلى ثالث الحرمين”[2]

فقضية المسجد الأقصى خصوصا وقضية فلسطين عموما هي قضية عقدية روحية، لا يمكن أن تفصل عن وجدان المغاربة، الذي ازداد قوة وارتباطا ببيت المقدس وأرض فلسطين بوجود باب وحارة المغاربة، عرفانا لهم لما أبلوه من البلاء الحسن في الذود عن حرمة بيت المقدس، وهي من الأوقاف التي خصوا بها دون غيرهم من الشعوب العربية الإسلامية، وقفا خاصا موثقا برسم تحبيس نقله المؤرخ المغربي عبد الهادي التازي تحت عنوان وقفية حي المغاربة من لدن الملك الأفضل، المتوفي عام 622هـ سجلت بعد وفاته بنحو أربع وأربعين سنة، وأعيد تأكيدها سنة 1400هـ جاء فيه:” يشهد من أثبت اسمه وشهادته آخر هذا المحضر، أنهم يعرفون جميع الحارة المعروفة المسماة بحارة المغاربة الكائنة بالقدس الشريف… ويشهد شهوده أن هذه الحارة المعينة، أوقفها السلطان الملك الأفضل نور الدين علي بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي على جميع طائفة المغاربة على اختلاف أوصافهم وتباين حرفهم، ذكورهم وإناثهم، كبيرهم وصغيرهم…”[3]

كما أنشأ المدرسة الأفضلية وأوقفها على مدرسي وطلبة المذهب المالكي الذين كان لهم حضور بارز في القدس الشريف، وتعرف أيضا بمدرسة القبة لاشتمالها على قبة كبيرة في وسطها تميزها على باقي البنايات الموجودة.

ونظرا لتشبت المغاربة بأولى القبلتين، وأرض الإسراء، فقد كانت قوافل العلماء وطلاب العلم تحج إلى بيت المقدس لنشر العلوم الشرعية من جهة، والاستفادة من علماء فلسطين المقيمين والوافدين عليها من كل بقاع العالم الإسلامي من جهة أخرى، هذا بالإضافة إلى قوافل التجار المغاربة الذين كانوا يجمعون بين الحسنيين، ربح مادي يروجون من خلاله لمنتجات وطنهم الأم المغرب، وربح معنوي يغنمون به من زيارة الأماكن المطهرة والمقدسة من وطنهم الثاني فلسطين، ولتيسير المقام لكل هؤلاء أوقف بعض المغاربة الذين كانوا يترددون على فلسطين أوقافا عامة على المغاربة الوافدين إليها، ومن أشهر المحبسين الشيح والعالم علي المجرد المصمودي المغربي، يقول الاستاذ والمؤرخ عبد الهادي: “وقف وحبس وسبل وتصدق وحرم جميع الثلاثة الدور الموجودين كذا بحارة المغاربة مع جميع ما يعرف بهم وينسب إليهم…. وجميع الزاوية التي أنشأها بأعلى حارة المغاربة… وقفا صحيحا من جنس المغاربة وعلى الواردين من المغاربة لبيت المقدس الشريف”[4] وكانت أوقافه محبسة على المغاربة سواء المقيمين أو عابرين.

المزيد من المشاركات
1 من 12

والشيخ الفقيه أبو مدين شعيب المغربي المالكي هو أيضا كانت له صدقته الجارية في تحبيس ملكين كانا له في فلسطين، الأول قرية تعرف بقرية عين كارم من قرى مدينة القدس الشريف والثاني إيوان وهو عبارة عن عقارات ذات منافع مختلفة، وقد أوقف الانتفاع بهما للمغاربة المقيمين والوافدين ما تواجدوا بالديار الفلسطينية، وإذا انقطع تواجدهم يعود الانتفاع إلى المغاربة المقيمين بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وهنا يظهر الارتباط العقدي الوثيق بين علماء المغرب وأرض الإسراء، فوثيقة التحبيس تظهر بجلاء شغفهم بالمسجد الأقصى وفلسطين.

ومما اعتنى به الملوك المغاربة منذ القدم ارسال المصاحف وتوقيفها على المسجد الأقصى المبارك، جاء في مجلة دعوة الحق المغربية: ” وكان ملوك هـذه الدولـة أنفسهم ينسخون المصاحف بخط أيديهم ويبعثونها لمكتبات الرحاب المقدسة تعبيرا عن تعلقهم بها، فلـم يكن قدس من الأقـداس في الحجاز أو فلسطيـن خلوا من مصحف بخط يد هؤلاء الملوك. واستمرت صلـة الدولـة المغربية بعد ذلك بتلك الرحـاب الشريفة ليس فقط لما تتمتع به من قدسيـة، ولكن لأن المغاربة كانوا يتعلقون بها ويعتبرونها جسورا بين بلادهـم وبين منبع الرسالـة ومنزل الوحـي “[5].

وكان للمرأة المغربية حضورها البارز في أوقاف بيت المقدس، حيث تنافست مع اخيها الرجل في دعم تواجد المغاربة في فلسطين، وخلدت اسمها في سجلات أحباس المغاربة بالديار الفلسطينية، ومن بين هؤلاء المحبسات أذكر السيدة فاطمة بنت محمد بن علي المعروفة بأم سعود، التي اشترت دارا كانت تعرف بالقبو الروماني وأعادت ترميمها وبناءها، واوقفتها على عجائز المغاربة المقيمين هناك، والسيدة مريم بنت عبد القادر التي أنشأت دارا في حارة المغاربة وأوقفتها في سبيل الله، واشترطت أن يشترى منها مدخول إجارتها الخبز وتوزيعها مجانا على فقراء المغاربة المقدسيين[6].

ورغم ما تعرضت له معظم أوقاف المغاربة بالأراضي الفلسطينية من هدم وطمس للمعالم من قبل الاحتلال الصهيوني الذي عاث ويعيث بالأراضي الفلسطينية فسادا واستبدادا، سيظل المغاربة أوفياء لمدينة القدس والأقصى يحبونها ويدافعون عنها ويبلغون مظلوميتها للعالم أجمع، ويورثون حبها للأجيال اللاحقة، ردا لبعض الجميل على احتضان ومحبة الفسطينيين للمغاربة عبر قرون من لزمان، اعترافا من أولى القبلتين بما قدم المغاربة من أرواح وأموال وعلوم لتضل القدس شامخة عصية على كل المعتدين، وستظل حارة وباب المغاربة شاهدة على هذا الارتباط العقدي والروحي الذي تتوارثه الأجيال، لتبقى القضية الفلسطينية حية في القلوب حتى يتحرر المسجد الأقصى من قبضة الصهاينة والمتصهينين، وترد الحقوق المظالم لأهلها حين يأتي وعد الآخرة.


[1] – صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاه الطبعة الأولى 1422هـ، باب حج النساء: 3/19

[2] -القدس والخليل في الرحلات المغربية، عبد الهادي التازي، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والتعليم والثقافة الإسيسكو 1418/1997 ص: 11

[3] – المرجع السابق ص: 83.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

[4] – القدس والخليل في الرحلات المغربية: ص:84

[5] – مجلة دعوة الحق المغربية العدد 232 نونبر من سنة 1983.

[6] – ينظر مركز المعلومات الوطني الفلسطيني: وفا، محور الجالية المغربية بفلسطين تحت عنوان: أوقاف حارة المغاربة.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.