منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التخطيط الاستراتيجي التربوي خطواته، مبادئه، خصائصه

اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

أصبح التخطيط الاستراتيجي في عصرنا الحالي ضرورة تفرض نفسها في جميع المجالات، لما له من نتائج إيجابية في تطوير عمل المؤسسات والرفع من مردوديتها وتجاوز العقبات التي تعترضها.  ويبقى التخطيط التربوي الاستراتيجي من أصعب عمليات التخطيط، ذلك لتعامله مع أحد الظواهر الإنسانية الأكثر تعقيدا وهي الظاهرة التربوية وما يرتبط بها. لأن هذه العملية تعنى بأعمق ما لدى الإنسان: ثقافته وتكوينه الفكري. لذلك على المتصدر لهذه العملية أن يكون على دراية شاملة وعميقة بكل ما يتعلق بها.

فما المقصود بالتخطيط الاستراتيجي التربوي؟ وماهي خطواته؟ وماهي مبادئه وخصائصه؟

1- في المفهوم:

التخطيط في اللغة جاء بمعنى “التسطير”، يقول الخليل في معجم العين: “والتخطيط كالتسطير، وتقول: خططت عليه ذنوبه، أي: سطرتها”[1]. وجاء أيضا بمعنى “التقدير المحكم الدقيق”[2] جاء في رسالة ابن الليث من هارون الرشيد إلى قسطنطين قوله: “فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقينَ، الَّذِي خَلَقَ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ ضَعِيفٍ ذَلِيلٍ، خَلْقًا صَوَّرَهُ بِتَخْطِيطٍ، وَقَدَّرَهُ بِتَرْكِيبٍ”[3].

المزيد من المشاركات
1 من 17

اصطلاحا: تعددت تعريفات المفكرين لمفهوم التخطيط وتنوعت بتنوع صور وأنماط استخدامه. لكن يمكن القول تقديرا بأنه أسلوب علمي عملي مقصود، لتحقيق نتائج مستقبلية منشودة.

أما الاستراتيجية فهي مصطلح يوناني قديم ارتبط بفن الحرب وقيادة الجيش لتحقيق الانتصار. ثم اتسع مضمون المصطلح واقتحم جميع المجالات حتى أضحى سيمة للتفكير العالي المستوى، لتحقيق غايات كبرى.

والتخطيط الاستراتيجي: “هو جهد منظم يهدف إلى اتخاذ قرارات أساسية وإجراءات تحدد ماهية المؤسسة، وماذا تفعل؟ ولماذا تفعل ذلك؟ من خلال التركيز نحو المستقبل”[4] ومنه فالتخطيط الاستراتيجي التربوي هو امتداد لمعنى التخطيط الاستراتيجي مع ربطه بالمجال التربوي. وبالتالي يعرف كونه: “العملية التي يتم من خلالها وضع إستراتيجية بعيدة المدى لنظام التعليم أو المنظمة التعليمية، ووضع الخطط التي تضمن أقصى استخدام ممكن للموارد المتاحة حاليا لتحقيق الأهداف الإستراتيجية”[5]

2- خطوات التخطيط الاستراتيجي التربوي:

لا يذكر المفكرون والمخططون خطوات إستراتيجية خاصة بالمجال التربوي، وإنما اتفقوا على خطوات عامة ينبغي أن يتبعها كل من أراد أن يمارس التخطيط الاستراتيجي في أي مجال. وهذه الخطوات على اختلاف في الترتيب هي:

أولا: الجاهزية أو التحليل الاستراتيجي:

قبل الشروع في التخطيط الاستراتيجي لا بد من تقويم المؤسسة والعاملين فيها، من حيث مدى جاهزية المؤسسة للتخطيط على مستوى المالي والتحتي، وكذا مدى قابلية أعضائها وقدرتهم على تكثيف الجهود وتركيز الانتباه والاستمرارية. “هذه الخطوة تساعد المؤسسة على معرفة مدى جاهزيتها للتخطيط ومتطلباته وخطواته الأساسية”[6].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

ثانيا: إعداد الرؤية والرسالة:

الرؤية: لا بد للمؤسسة أن تصوغ رؤية تحدد من خلالها المستقبل الذي تنشده، فالرؤية الاستراتيجية هي التي “تحدد المسار الرئيسي الذي تتبناه المنظمة لتحقيق رسالتها وأهدافها على المدى الطويل والقصير في ضوء ظروف بيئتها العامة”[7]

الرسالة: الرسالة عبارة عن شرح أكثر تفصيلا وتحديدا لمضمون الرؤية وتحمل في مضمونها الأهداف والوسائل والمميزات التنافسية وغالبا ما تأخذ الرسالة الصيغ الإجرائية والعملية بحيث تجيب عن الأسئلة الحرجة”[8].

ثالثا: أهداف الاستراتيجية، الواضحة:

بعد تحديد الرؤية والرسالة يأتي الدور على صياغة المقاصد التي ترغب وتطمح المؤسسة في بلوغها. وهذا ما يسمى بالأهداف الاستراتيجية، وهي “حالة وسيطة مطلوبة لترجمة الرسالة والرؤية إلى قياسات محددة بتسلسل منطقي وفق اعتبارات تحققه”[9]. ولا بد أن يكون الهدف محدد وقابل للقياس ويمكن تحققه ومرتبط بوقت محدد.

رابعا: تحديد القيم:

إن كثير ممن كتبوا عن التخطيط الاستراتيجي وما يتعلق به خصوصا شق الخطوات لم يدرجوا مسألة القيم كخطوة من خطواته. فللقيم أهمية كبيرة في الخطط الاستراتيجية، بحيث يؤدي التغافل عن تحديد قيم موحدة إلى زوبعة من المشاكل بل إلى فشل هذه الخطط من أساسها. فالقيم هي “مجموعة المعتقدات التي تكون بمثابة الميثاق الأخلاقي للمؤسسة…وتعد قواعد إرشادية وإطارا سلوكيا يعبر عن نظرة المؤسسة وفلسفتها وأسلوب تعاملها مع المجتمع والموظفين”[10].

خامسا: اختيار الاستراتيجية وتطبيقها:

أ- الاختيار الاستراتيجي: هو قرار اختيار بديل من بين البدائل الإستراتيجية الذي يمثل أفضل رسالة المنظمة (المؤسسة) وأهدافها الإستراتيجية ويتضمن القرار التركيز على بعض بدائل منتخبة، والقيام بتقويم تلك البدائل وفقا لمجموعة من الأدوات التي تساعد في اعتماد البديل الإستراتيجي الأكثر ملائمة”[11]. وهناك من يرى بأنه “وضع المشاريع والبرامج التفصيلية التي تترجم الأهداف وآليات تحقيق اعتمادها”[12].

ب- تطبيقها: أي تطبيق الاستراتيجية من خلال صياغة خطط تنفيذية متكاملة من حيث الإجراءات والتدابير والزمكان والمسؤوليات.

سادسا: المتابعة والتقييم:

تهدف هذه المرحلة إلى تتبع المشكلات المختلفة التي تظهر أثناء التنفيذ، ودراستها لاتخاذ ما يلزم لحلها، بحيث يمكن القيام أحيانا ببعض التعديلات في الخطة على ضوء ما تم تنفيذه فعلا. وتعد هذه الخطوة المقياس الذي يمكن أن نقيس من خلاله مدى تحقق الاستراتيجية في أهدافها ومدى نجاعة وسائلها المحددة سلفا.

3- مبادئ التخطيط الاستراتيجي التربوي:

تباينت آراء المفكرين والمهتمين بالتخطيط التربوي الاستراتيجي في تحديد مبادئه، فتجد من يحدد مبادئ معينة يدرجها غيره ضمن الخصائص، وتجد آخر يضع المبدأ ثم يكرره في إدراجه ضمن الخصائص[13]. لكن يمكن إجمال أهم مبادئ التخطيط التربوي الاستراتيجي التي تم الاتفاق عليها في:

أولا: مبدأ الشمولية والتكامل:

يكمن مبدأ الشمول والتكامل في التخطيط التربوي الاستراتيجي من خلال:

  • شمول وتكامل الخطة في عناصرها بحيث لا “معنى لخطة تربوية تذكر الأهداف وتغفل عن وسائل تحقيقها، أو تذكر الوسائل وتهمل كيفية توفيرها. فالخطة التربوية الناجحة تعطي لكل عنصر من عناصرها الأهمية[14].
  • شمول وتكامل مكونات وأجزاء العمل التربوي وعملياته، فلابد من أن “تشمل الخطة كافة أجزاء أو مجالات العمل التربوي (معلمين؛ تلاميذ؛ هياكل؛ نوادي؛ …) المتعلقة بالأهداف التي وجدت من أجله”[15].

ثانيا: مبدأ الواقعية:

تتجلى واقعية الخطة التربوية في معرفة واقع النظام أو المؤسسة التربوية من حيث الموارد البشرية والمادية المتاحة وكذا العلاقة مع مختلف المجالات والمؤسسات، وذلك لمعرفة مدى قابلية هذه الخطة للتنفيذ.  فإذا غابت الواقعية عن الخطة وحلت محلها الخيالية، اصطدم منفذوها مع واقع تغيب عنه الشروط الضرورية للتنفيذ، وبالتالي سيكون مصيرها الفشل.

ثالثا: مبدأ المرونة:

ويقصد به بأن تكون الخطة “قابلة لمراجعة خط مسيرها، والتدخل في أي وقت ومكان للتعديل أو الحذف أو الإضافة كلما دعت الضرورة لذلك. لمواجهة الظروف الطارئة والاحتمالات المتوقعة وغير المتوقعة”[16].

رابعا: مبدأ الاستمرارية:

إن تغير الظروف والمطالب من عصر إلى آخر يحتم على التخطيط التربوي الاستراتيجي أن يؤسس على قاعدة الاستمرارية، وكذلك لارتباط النظام التربوي بمختلف العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإقليمية والدولية. ومنه ينبغي أن يكون التخطيط التربوي سلسلة عمليات متكاملة ومتداخلة تؤدي كل منها إلى الأخرى مع مراعاة ظروف العوامل المذكورة حاضرا ومستقبلا.

خامسا: مبدأ المستقبلية:

يعطي التخطيط التربوي الاستراتيجي أهمية كبرى للمستقبل، من خلال تحديد المشكلات المتوقع ظهورها أثناء تنفيذ الخطة، ووضع طرق للتغلب عليها عند ظهورها، وكذلك من خلال ما يتيحه المستقبل من فرص يمكن الاستفادة منها.

4- خصائص التخطيط التربوي الاستراتيجي:

أولا: كونه طويل المدى:

أي أنه مرتبط ارتباطا وثيقا بالزمن بحيث “تصل آماده الزمنية عادة إلى 10 أو 15 سنة، تبعا لطموح وتطلعات القائمين عليه، وما يتوفر لهم من قدرات وإمكانات وتبعا لنوع التعليم ونطاق امتداده الجغرافي، وفي الظروف المحيطة به”[17].

ثانيا: كونه تجريبيا:

أي لا بد من تحليل البدائل وتجريبها لاختيار أفضلها.

ثالثا: كونه تفكيرا فلسفيا:

فهو تفكير وتأمل في المستقبل “إذ لا بد للإدارة العليا والعاملين في المنظمة، وفي جميع المستويات التنظيمية من الاقتناع بفوائد التخطيط التربوي الاستراتيجي وأهميته، وممارسته في جميع أنشطة المنظمة، وهذا لا يتم إلا من خلال اعتماد التخطيط الاستراتيجي التربوي كفلسفة ومنهاج حياة”[18].

رابعا: الهيكلة:

أي كون التخطيط التربوي الاستراتيجي عملية “منظمة تسعى لتأسيس الأهداف الأساسية والاستراتيجيات التربوية، وتطوير الخطط التفصيلية لتنفيذ تلك الاستراتيجيات التربوية وصولا لتحقيق أهداف المنظمة وأغراضها الرئيسية”[19].

خاتمة

يتضح من خلال ما ذكرنا أن التخطيط التربوي الاستراتيجي عملية عقلية منظمة وقاصدة، تعبر عن منهج منظم في التفكير بأسلوب وطريقة يؤديان إلى بلوغ الأهداف المنشودة بدرجة عالية من الاتقان.

 

[1]  معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، كلمة تخطيط.

[2] نفس المرجع

[3]  رسالة محمد بن الليث من هارون الرشيد إلى قسطنطين: تح: خالد محمد عبده، النافذة، القاهرة، 2006م. 15

[4]  د. زياد محمد ثابت، تنظيم وتنفيذ وتقويم ورشة عمل لعشرين مديراً حول “التخطيط الاستراتيجي”، وكالة الغوث الدولية دائرة التربية والتعليم مركز التطوير التربوي، نشاط رقم 1.B.8.18.6، ص 5

 

[5]  صالح أحمد عبابنة، التخطيط التربوي المعاصر، دار المسيرة-عمان، ط 2015 ص 253.

[6]  المرجع السابق، ص235

[7]  محمد بن يوسف النمران العطيات، إدارة التغيير والتحديات العصرية للمدير، دار حامد، الطبعة الأولى، عمان، الأردن، 2006، ص 138.

[8] صالح أحمد عبابنة مرجع سابق، ص242

[9]  طاهر محسن منصور الغالبي، وائل محمد صبحي إدريس، الإدارة الإستراتيجية، دار وائل، الطبعة الأولى، الأردن، 2007 ص: 221

[10] صالح أحمد عبابنة مرجع سابق، ص238

[11] زكريا مطلك الدوري، الإدارة الإستراتيجية، (دار اليازوري، عمان، الأردن، 2005 ) ص: 122

[12]  صالح أحمد عبابنة مرجع سابق، ص244.

[13]  أنظر كتاب التخطيط التربوي المعاصر، لصالح أحمد عبابنة، مرجع سابق، الفصل التاسع.

[14]  د. لخضر لكحل، د. كمال فرحاوي، أساسيات التخطيط التربوي النظرية والتطبيق، المعهد الوطني لتكوين مستخدمي التربية وتحسين مستواهم- الجزائر، 2009، ص 28.

[15] التخطيط التربوي المعاصر، ص 256

[16]  المرجع نفسه، ص 257

[17]  المرجع نفسه، ص 255

[18]  ص 266

[19]  ص 267

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.