منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تحديات إصلاح نظام التعليم بالمغرب غداة الاستقلال

1
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين .

وبعد,

    لقد كان للمدارس التقليدية في عهد ما قبل الحماية تصورها لفعل التربية، وكانت القاعدة هي حفظ المواد الملقنة بدون فهم أو نقد. أما المدارس الاستعمارية، فلم تكن محررة للفكر ولا جادة في ترسيخ مبادئ البناء العقلي للمعرفة إلا بالنسبة لعدد قليل من الأطفال، فيما صُرف الباقي منهم إلى ما هو مهني لزيادة الإنتاج وتحقيق استقلالهم المادي. لقد كان النظام التربوي العصري القائم على النموذج الفرنسي ظاهرة تشمل الأقلية، إذ كان هدف استيعاب المحظوظين (النخبة) يعتبر فوريا بالنسبة للطبقة الاجتماعية المقربة من القادة القادمين من بلد المستعمِر فيما أجِّلَ الهدف نفسه إلى المدى الطويل بالنسبة للفئة الواسعة التي كل ما كان يُطلبُ منها آنذاك هو المردودية المهنية، لا سيما أنه لم يكن بالإمكان تعميم مدرسة «النخبة» بشكلها الموجود. كان يتعين تحقيق تمدرس الشعب وإيجاد الصيغة التي تتيح الوصول إلى المعرفة.

وبعد الإعلان عن الاستقلال ارتأى المصلحون المغاربة ضرورة توفر المغرب على تعليم مستقل باعتباره وسيلة لتحقيق التقدم والنمو. في هذا الإطار تم وضع عدة مشاريع لإصلاح هذا القطاع، غير أنها شابتها عوائق وتذبذبات مما نتج عنه ظهور أزمة خانقة لا يزال المغرب يتخبط فيها إلى الآن.

المزيد من المشاركات
1 من 30

كان للسياسة التعليمية في المغرب  خلال الاستعمار الفرنسي وبعيد الاستقلال سقفٌ، وهو أن يكون “تحديث المغاربة” في مجال التعليم مرتبطا بتحقيق الأهداف الاستعمارية الفَرنسية، ولا يتجاوزها إلى أبعد من ذلك، فليس المطلوب إذًا تخريجُ طبقات متعلمة واعية، بل مجرد تعليم مختلف الطبقات ليسخروا لخدمة فرنسا، وعليه؛ فإن أي تطوير للوعي يعدُّ مخاطرة كبيرة في سياسة المستعمِر. وصار الحال على ذلك بعيد الاستقلال رغم الجهود الإصلاحية لذاك النظام التعليمي .وهذا يقودنا لطرح التساؤلات التالية . ما الإصلاحات التي طالت النظام التعليمي بالمغرب ؟ ما ابرز التحولات التي عرفهما النظام التعليمي خلال فترة الاستعمار ؟ ما التحديات التي واجهت إصلاح التعليم بالمغرب غداة الاستقلال ؟

المبحث الأول : ضبط مصطلحات الموضوع

العنصر الأول : مفهوم التحديات

عند تتبع مفهوم التحديات لم أجد مفهوماً أو تعريفاً يصلح أن يكون شاملاً وجامعاً لمفهوم التحديات، حيث يوجد العديد من التعريفات المقدمة لهذا المفهوم، وهذا ليس خاص بمفهوم التحديات بل هذا شأن كل المفاهيم والتعاريف في العلوم الاجتماعية, نظراً إلى اختلاف تناول ونظرة كل باحث للمفهوم الذي يبحث فيه. ومن هذه التعريفات ما يلي:

  • التحديات ((هي تطورات أو متغيرات أو مشكلات أو صعوبات أو عوائق نابعة من البيئة المحلية أو الإقليمية أو الدولية))[1].
  • ويرى كتش أن التحدي (( أزمة تنجم عن شئ جديد, ويأخذ صفة المعاصرة, لحين ظهور غيره, يولِّد الحاجة لدى المجتمع, الذي يندفع بها نحو التغلب عليه, ويتطلب تغييراً شاملاً في شتى مناحي الحياة))[2].
  • وهناك تعريف آخر للتحديات مفاده أن التحدي هو ((ذلك الوضع، الذي يمثل وجوده، تهديداً، أو إضعافاً، أو تشويهاً، كلياً أو جزئياً، دائماً كان أو مؤقتاً، لوجود وضع آخر، يراد له الثبات والقوة والاستمرار))[3].

وإذا نظرنا إلى التحدي باعتباره ثقافياً، فانه يمثل تهديداً أو خطراً أو إضعافاً أو تشويهاً، لوضع أو منظومة ثقافية معينة، فيصح أن يطلق عليه لهذا السبب “التحدي الثقافي”، أما إذا نظرنا إلى التحدي باعتباره اجتماعياً فإنه يمثل تهديدا أو خطراً أو إضعافاً أو تشويهاً لمجموعة من القيم أو السلوكيات التي تستند إليها منظومة المجتمع القيمية. وهكذا في جميع الجوانب التي تواجه الأمة فيها التحديات، لكن نوعية التحدي هي التي تحدد حجم الخطر التي تتعرض له هذه الأمة أو ذاك المجتمع، فبعض التحديات تؤثر في كيان الأمة أو المجتمع في الصميم، بحيث يكون تأثير التحدي شاملاً وليس ذا بعد واحد، وهنا لابد أن تكون المواجهة شاملة، أي تكون المواجهة بحجم التحديات وإلا فإنَّ النتيجة سوف تكون اكتساحاً شاملاً.

 

العنصر الثاني : مفهوم الإصلاح

مقالات أخرى للكاتب

إن مفهوم الإصلاح من المفاهيم التي يصعب تحديد دلالتها الاصطلاحية، وذلك لكون المفهوم مرتبط برغبات دعاة الإصلاح وإسقاطهم دلالاته ومعانيه على محتويات ومضامين مشاريعهم ورؤاهم  الإصلاحية للتغيير والنهوض بالمجتمع، لكن هذا لا يمنع من ذكر بعض التعريفات التي قاربت هذا المفهوم من الناحية الاصطلاحية.

إن للإصلاح استعمالات كثيرة ومعاني متعددة، فمرة يراد به التحديث والتطوير، ومرة يراد به النهضة والتمدن وأخرى التغيير والتجديد.

ذهب أبو البقاء الكفوي في الكليات إلى أن الإصلاح هو: “سلوك طريق الهدى، وقيل: استقامة الحال على ما يدعو إليه العقل، والصالح: المستقيم الحال في نفسه”[4].

وقيل: “هو استقامة الحال على ما يدعوا إليه العقل والشرع”[5].

الإصلاح: “تغيير الأحوال من السيء إلى الحسن، ومن الفوضى والمخالفة إلى الالتزام والاستقامة”[6].

وبالتالي يكون الإصلاح تغيراً من الشيء إلى الحسن.

ويتفق الإصلاح مع الثورة بأنهما يهدفان إلى تغيير الأحوال، إلا أن التغيير في الإصلاح لا يعتمد العنف منهجا، ولا الاستعجال طريقا بينما تقوم الثورة على العنف والتغيير السريع[7].

يعرف الدكتور عمار سليم الإصلاح: هو إحداث تغيير نوعي في نمط الاستجابة للمؤتمرات المحيطة بالفرد سواء كانت المؤتمرات داخلية أم خارجية، وهذا التغيير النوعي في الاستجابة يتبعه تغيير في نمط سلوك الفرد وتصرفه حيال المثيرات والمحذورات في الموقف ويتحدد نوع هذا التغيير في نمط الاستجابة وفي نوعية السلوك في مقاييس وقواعد الآداب والسلوك المتبعة في المحبط الاجتماعي[8].

العنصر الثالث : مفهوم التعليم

تنوعت  التعاريف التي عرف بها العلم من الناحية الاصطلاحية, وذلك راجع لاختلاف التصورات ووجهات النظر ومن تلك التعريفات :

قال ابن جني :” لما كان العلم إنما يكون بالوصف به ,والمزاولة له, وطول الملابسة ,صار كأنه غريزة ولم يكن على دخوله فيه ,ولو كان كذلك لكان متعلما لا عالما .”[9]

يذكر ابن جني هنا  العلم بالمعنى الوظيفي للمفهوم ,كون أن العلم يحصل بكثرة الممارسة والبحث حتى يصير الإنسان متعلما ,فيتصف بهذا الوصف.

وعرفه الجرجاني بأنه :” الاعتقاد الجازم  المطابق للواقع .”[10]

وأكد هذا التعريف  التهانوي في كتابه “التوقف على مهمات التعاريف” بقوله : “العلم: الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، إذ هو صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض، أو هو حصول صورة الشيء في العقل والأول أخص. ” [11].والملاحظ إن العلم وان كان  هو إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع ,فهو أيضا صفة تميز بها الإنسان عن غيره ,فهو بذلك موصوف بتلك الصفة .

كما عرف ابن عبد البر العلم بقوله “حد العلم عند العلماء هو ما استيقنته وتبينته ,وكل من استيقن الشيء وتبينه فقد علمه “[12].أعطى ابن عبد البر هنا ضوابط العلم وحدوده ,والمتمثلة في اليقين والاستدلال.

تعريف التعلم: هو تغير في السلوك الإنساني نتيجة للتعليم بوسائله المختلفة، والتعلم عملية تبدأ بدافع فكري أو بحاجة من حاجات النفس الفطرية أو المكتسبة مادية كانت أو وجدانية، يصاحب ذلك عند الإنسان إحساس بحاجته إلى الاستعانة بهدي الله وعونه، هذا الإحساس، مع الاستعانة بهدي الله، يدفعان الإنسان إلى النشاط، وبذل الجهد المناسب من أجل الوصول إلى إشباع الحاجة أو حل المشكلة، أي: من أجل الوصول إلى إشباع الحاجة أو حل المشكلة، أي: من أجل الوصول إلى الفهم، ثم يتعدل السلوك طبقا لهذا الفهم. وهنا نقول: إن الإنسان قد تعلم.

تعريف التعليم :هو عبارة عن سيرورة ,عن عملية ديناميكية نشطة منظمة وهادفة تخضع لأسس معينة وتتفاعل فيها عناصر مرتبطة وفعالة تتمثل في المعلم ,المتعلم,المعارف والمهارات والسلوكات التي تربط بين المحورين ,الارتدادات,والمحيط المادي والمعنوي والاجتماعي الذي تتم فيه العملية التربوية التعليمية [13].

مفهوم تحديات إصلاح التعليم :ويقصد بها الصعوبات والمشكلات التي تواجه رواد الإصلاح في مجال التعليم ,ويسعون للتغلب عليها من اجل تحقيق أهدافه المشودة.

 

المبحث الثاني : كرنولوجيا إصلاح  نظام التعليم في المغرب

يعتبر إصلاح منظومة التعليم في المغرب، مشتلا حقيقيا ومجالا واسعا للتفكير والدراسة، بحكم الوضع المقلق الذي يوجد عليه اليوم. ليس الاهتمام والكتابة في حقل كهذا، مسألة ترف فكري يستبيح الخوض في مواضيع قد تكون في أغلب الأحيان لغرض الإثارة في زمن ومكان محدودين.

إن الخوض في مجال إصلاح منظومة التعليم قبل أن يكون موضوعا للدراسة الأكاديمية، هو مسؤولية سياسية واجتماعية وثقافية، تتطلب حسّا مواطنا، ورؤية دقيقة للمستقبل مبنية على إستراتيجية واضحة تتغيا إصلاح الفرد والمجتمع معا. إنه استثمار في الأجيال وفي مستقبل الأوطان. لهذه الغاية كان دوما حقل التربية والتعليم جزءا لا يتجزأ من الأنساق الفكرية والفلسفية، منذ العهود القديمة إلى اليوم، وسيبقى ركنا أساسيا ضمن عملية التفكير والدراسة مادام مجاله مرتبطا بالإنسان ومستقبله.

لقد عرف النظام التعليمي في المغرب مسارات عديدة في منظومته  الإصلاحية  ,كما انه  كان وما يزال إلى اليوم  مثار جدل واسع بين كل الأطراف المتدخلة في هذا الموضوع .

سنحاول بشكل مختصر أن نبرز أهم المحطات التي مر بها إصلاح التعليم بالمغرب كمايلي :

أولا : فترة ما قبل الحماية “نظام تعليمي تقليدي “[14]

فالنظام التعليمي الأصيل قبيل الحماية, تميز بكونه نظاما لم يتغير عبر العصور في البلدان الإسلامية سواء في القرى أو المدن، من خلال استناده إلى القرآن الكريم، كمنظومة ومؤسسات في طابعه العتيق يساير البنيات التقليدية المتواجدة ويحافظ على استمرارها ويعيد إنتاجها، ويقدم تعليما محدودا، خاصا بنخبة محظوظة، لها الإمكانيات المادية لمساعدة أبنائها على مواصلة الدراسة وتبقى أساليب هذا التعليم تقليدية من حيث الاعتماد على الذاكرة والإكراه، إذ يعامل المتعلم الصغير وكأنه راشد، يرتكز على العلوم النقلية في غياب للعلوم العقلية. فالهدف من هذا التعليم هو الحفاظ على استمرارية نخبة ثقافية متشبعة بالتعاليم الإسلامية وإتقان اللغة العربية وقواعدها لتدبير شؤون الدولة والمجتمع وإعادة إنتاجهما.

يقول المفكر عابد الجابري :” أما عن التعليم الحديث ،بكل أصنافه ، فيمكن الرجوع به هو الأخر إلى ما قبل الحماية .وهنا يجب أن نبادر إلى القول بان المغرب لم يعرف ,قبل الحماية ,تعليما ينمو ويتطور وينتشر ,إلى جانب التعليم الأصلي ,كما حدث في المشرق.”[15]

بيد أن المغرب قبل فرض الحماية حافظ على استقلاله وعزلته في نظامه التعليمي، وعلى بنياته الثقافية والتعليمية الأصيلة، بعيدا عن كل تحديث منقول عن الغرب، وعلى العموم، يمكن وسم التعليم بالمغرب، خلال فترة قبل الحماية الفرنسية، بكونه تميز بغالبية الطابع الديني عليه سواء في مستوياته الأولى ( الكتاتيب القرآنية، المساجد، الزوايا،…..)، أو في مستوياته العليا ( القرويين، وكلية ابن يوسف ) بالنسبة للسكان المسلمين.

ثانيا : فترة  الحماية الفرنسية  ” تعليم استعماري “

وضعت فرنسا خطة  سياسية لتوطيد نظامها التعليمي بالمغرب بشكل صريح وواضح ,وهنا نستحضر شهادة صادرة عن المسيو هاردي يقول :” إن القوة تبني الإمبراطوريات، ولكنها ليست هي التي تضمن لها الاستمرارَ والدوام، إن الرؤوس تنحني أمام المدافع، في حين تظل القلوب تغذي نارَ الحقد والرغبة في الانتقام، يجب إخضاعُ النفوس بعد أن تم إخضاعُ الأبدان.”[16]

يظهر جليا وبشكل واضح أن الهدف الأساسي من السياسة التعليمية الاستعمارية في المغرب، إنها حصرًا – وكما عبر”هاردي” – تهدف إلى ضمان تبعية الجيل الذي ستتم تنشئته في المدارس الفَرنسية لكي يكون خاضعا للمستعمِر؛ حيث يتم الاستفادة من طاقات الشباب المغاربة لخدمة مصالح فرنسا.

ثالثا :فترة ما بعد الاستقلال

هذه هي كرونولوجية الإصلاح في قطاع التعليم، من المبادئ الأربعة إلى التدابير ذات الأولوية. فمند بداية الاستقلال إلى اليوم جرب المغرب 12 محاولة لإصلاح القطاع، كما حددتها الوثائق الرسمية، وكدا عدد من الباحثين في الميدان، ومن بينهم  المصطفى الحسناوي، باحث في علوم التربية وممارس بيداغوجي بالرباط، حيث جاء في بحث له أن إصلاح التعليم المغربي مر بهذه المراحل:

  1. اللجنة العليا للتعليم (1957م): إصلاح التعليم الموروث عن الاستعمار (الهياكل، البرامج، الأطر…)، مع المناداة باعتماد المبادئ الأربعة : (المغربة، التعريب، التوحيد، التعميم) لإرساء نظام تربوي وطني.
  2. اللجنة الملكية لإصلاح التعليم(1958م) : إصلاح التعليم بالدعوة إلى إجباريته ومجانتيه مع توحيد المناهج والبرامج.
  3. المجلس الأعلى للتعليم(1959م) : التأكيد على ضرورة مجانية التعليم وتعميمه.
  4. مناظرة المعمورة(14 أبريل 1964م) : الدعوة إلى تطوير آليات ثوابت الإصلاح : المغربة، التعريب، التوحيد، التعميم.
  5. المخطط الثلاثي(1965م – 1967م) : إلزامية التعريب في مرحلة الابتدائي.
  6. مناظرة إفران الأولى(1970م) : تطوير التعليم العالي والاهتمام بالتكوين المهني.
  7. مناظرة إفران الثانية(1980م) : تقدم مسلسل التعريب ومغربة الأطر بالرغم من المشاكل المادية التي كان يجتازها المغرب في تلك الفترة، والتي أثرت على البنيات التحتية للتعليم نتيجة اعتماد التقويم الهيكلي “سياسة التقشف”.
  8. اللجنة الوطنية للتعليم(1994م) : محاولة تجاوز آثار التقويم الهيكلي على التعليم خلال ثمانينيات القرن الماضي وذلك بالرفع من بنياته.
  9. اللجنة الملكية للتربية والتكوين(1999م) : وضع أسس إصلاح التعليم : إلزامية التعليم، إدماج التعليم في المحيط ..
  10. اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين: (الميثاق الوطني للتربية و التكوين سنة 2000) : إصلاح المنظومة التعليمية بتغيير البرامج والمناهج،  تعددية الكتب المدرسية، الاهتمام بتدريس اللغة الأمازيغية الخ
  11. المخطط الاستعجالي: (2009 – 2012م) : زرع نفس جديد في مسلسل إصلاح المنظومة التربوية : اعتماد بيداغوجيا الكفايات والإدماج، محاربة الهدر المدرسي، تشجيع جمعيات دعم مدرسة النجاح.
  12. التدابير ذات الأولويةلوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والبحث العلمي والرؤية الإستراتيجية لإصلاح التربية والتكوين للمجلس الأعلى للتربية والتكوين (2015م – 2030م)

يمكن تصنيف تلك المراحل الإصلاحية بعد الاستقلال  إلى مرحلتين  :

1مرحلة التأسيس والبناء للمنظومة التعليمية .

2مرحلة الميثاق الوطني للتربية والتكوين .

نستخلص مما سبق ذكره وبيانه في هذا المبحث , أن كل تلك  محاولات الإصلاح المتكررة للنظام التعليمي المغربي لم تحقق النتائج المنتظرة؛ وهذا الوضع أصبح يُثيرُ مخاوف كل المعنيين بميدان التعليم، لأن مشاريع الإصلاح تستنزف الجهد والموارد المالية دون أن يتحقق المُراد، وفي ظل هذه الانتكاسة، حيث تخيب الآمال يوما بعد آخر في بناء المدرسة الوطنية، أصبح من اللازم البحث عن حلول مَنْطِقية لهذا المشكل الاجتماعي.

 

المبحث الثالث : تحديات إصلاح نظام التعليم بالمغرب غداة الاستقلال

من خلال ما سبق ذكره في المبحث السابق ,فقد عرف النظام التعليمي أنها فشلت في إخراج النظام التعليمي المغربي بعد الاستقلال محاولات إصلاحية ,بيد أنها فشلت في خراج التعليم من أزمته الخانقة ,بيد أن هذا الفشل راجع إلى التحديات التي واجهت هذا النظام التعليمي يمكن إجمال تلك التحديات في العناصر التالية :

العنصر الأول: التبعية وغياب الملائمة

إن من ابرز التحديات التي واجهة الجهود الإصلاحية للنظام التعليمي في المغرب ,مشكل التبعية التاريخية للنظم التعليمية الفرنسية البالية وغير الملائمة للخلفية الثقافية المغربية,حيث  لم  يسلم هذا البلد من الاستعمار الفرنسي الذي خرج من الباب ودخل من النافذة .

تظهر التبعية في النظام التعليمي الحكومي، على مستوى البرامج والكتب المدرسية، صبيحة الاستقلال في احتذاء نموذجين متناقضين: المشرقي والفرنسي. وكان الهدف من النظام تكوين الأطر بالدرجة الأولى، ومحاربة الأمية في مستوى ثان. ورغم «مغربة» الكتاب المدرسي في الستينات، ظلت المقاربة التربوية تقليدية في كل المواد: اعتماد التلقين والحفظ، ثم كانت محاولات لتجديد البرامج والطرق البيداغوجية في أواخر السبعينات، وتم بعد ذلك، إحداث الأكاديميات والجامعات الجديدة، والميثاق، فالبرنامج الاستعجالي، لكن التبعية ظلت هي السائدة، حيث يتم اللجوء إلى التجارب الغربية فرنسية أو كندية، ويكون استنساخها و«تعريب» أدبياتها وتقديمها على أساس أنها المقاربة الجديدة للخروج من الوضع القائم.
وعندما تغير فرنسا، مثلا، نظام تعليمها العالي باعتماد «الإمدال» (إ.م.د) ومدارس الدكتوراه، نبادر إلى السير على منوالها دون أخذ الوقت الكافي للتجديد أو توفير الشروط الملائمة له. ولم يكن ينجم عن التبعية غير الارتجال.

يبرز الدكتور ثامر عزام الدليمي ,في كتابه الإدارة الفرنسية في المغرب ,الأسلوب ألاستلابي الذي مارسته ولا تزال تمارسه فرنسا على المغرب إلى اليوم بقوله : “والى جانب ما انطوت عليه الإدارة الفرنسية من استغلال لإمكانيات البلاد وامتصاص لثرواته الطبيعية ,فقد استهدفت أيضا القضاء على هويتها القومية والثقافية والدينية ,وإخضاع الشعب المغربي لإرادتها المحتلة فعملت والى اليوم على السيطرة على قطاع التعليم في المغرب …وعملت الإدارة على محو اللغة العربية وفرنسة المجتمع المغربي ,وذلك بجعل التعليم في المدارس المغربية باللغة الفرنسية وتهيئة نخبة متجددة ومطبوعة بثقافة فرنسية للاستفادة منها قي الوظائف والأعمال المختلفة.”[17]
طبع الارتجال كل هذه الصيرورة، علاوة على غياب الملائمة فلم يظهر ذلك النسق المتكامل بين مكونات المجتمع المغربي ,وكانت تحصل التغييرات في أوقات الأزمات التي نصل فيها إلى الطريق المسدود، وتظهر النتائج عكس المتوقع، فتكون الاضطرابات والإضرابات إعلانات عن فشل السياسات التعليمية: 1965 ـ 1979 ـ 1990 ـ 1999 ـ 2009، أي أننا منذ بدء العمل بـ”إلزامية التعليم” إلى “مدرسة النجاح”، ونحن ندخل في مسار، لنخرج منه إلى آخر، غير موفرين الشروط الضرورية لأي انتقال. وكلما جاءت حكومة جديدة تحاول التخلي عن المشروع السائد، فلم نراكم من هذه الصيرورة غير النتائج الكارثية.

وقد بين المفكر محمد عابد الجابري في كتابة أضواء على مشكلة التعليم ,أن التعليم الذي أقامته فرنسا هم تعليم استعماري , محاولا تعرية جذور مشكل التعليم، من خلال استعراض الوقائع ليعرض حصيلة أنواع التعليم التي تواجدت أثناء الحماية، والتي منها ما كان قبلها فاحتفظ به ومنها ما أقامته بنفسها وهو التعليم الرسمي.

وهو بذلك يرمي إلى إبراز الحقائق والملاحظات الأساسية التي تثبت أن الحماية الفرنسية قد طبقت فعلا مخططها التعليمي، وبالتالي إبراز حقيقة الإطار العام الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي الذي تحرك ضمن تعليمنا منذ الاستقلال، ومنه أفرز لنا انفصاما في الشخصية المغربية، وعمق الهوة بين النخبة العصرية والنخبة التقليدية، فأصبحنا أمام نمطين فكريين متنافرين إلى حد بعيد.

العنصر الثاني : أزمة المعرفة وغياب المنهج الملائم

 إن من التحديات الخارجية هو استيراد المعرفة  الجاهزة  والمنهج التي تتخبط فيها البرامج والمقررات التعليمية بالمغرب في كل المستويات بدء بالابتدائي وصولا إلى الجامعي.وقد خلق هذا الأمر أزمة عملت على تكريس التعدد والازدواجية، وفسحت المجال واسعا للتراجع عن التعريب بدعوى المغربة أولا، وعن التعميم بدعوى انخفاض المستوى بسبب التعريب، وعن التوحيد بدعوى فتح المجال للمدارس الحرة والتعليم الأصيل ليسهم كل منهما في تعميم التعليم، مما يهيئ تعليمنا لأن يبقى يدور في حلقة مفرغة؛ رافقت نظامنا التعليمي منذ الاستقلال إلى اليوم فجعلته يعيش في أزمة دائمة، أزمة أسس، أزمة بنيات، أزمة أهداف ” اما عن المواد العامة التي ستتخلل هذا النظام التعليمي التطبيقي ,فهي,بطبيعة الحال ,اللغة الفرنسية التي بواسطتها “سنتمكن من ربط تلاميذنا بفرنسا ,والتاريخ الذي يجب أن يعطيهم “فكرة عن عظمة فرنسا”.[18]

لقد تنبه كثير من المصلحين المهتمين بالحقل التعليمي بالمغرب , أن التعليم هو القنطرة الأساسية والوحيدة لتحقيق التنمية الفعلية والمستدامة، وأن كل تقدم مجتمعي وحضاري لا بد أن يستند إلى التعليم، وبالتالي ضرورة تبني منهج واضح القواعد وشامل بخصوص قضايا التعليم بالمغرب ، فلا تغيير ولا تطور ولا ازدهار مجتمعي بدون نهج سياسة تعليمية واضحة، فما فتِئوا يطالِبون بإصلاح مؤكدين على أن إصلاح المؤسسات التعليمية يستلزم إعادة النظر في مناهج تعليمها وطرق تدريسها، سيما فيما يتعلق بأسلمة المعارف والعلوم وتعريبها وربطها بالتوجيه  الإصلاحي للتعليم، وبمبدأ الاستخلاف في الأرض، مناهج تتأسس على تنمية التفكير الإسلامي الناقد، وتحرص على بناء الإنسان ثقافيًّا ووجدانيًّا، تتوحد فيها مصادر المعرفة الأصيلة وتتكامل إسلاميًّا، مبرزين الدور المركزي للأسرة في الحفاظ على الفطرة الإلهية والهوية الإسلامية، وكذا لرجال التعليم، باعتبارهم رواد المؤسسة الثانية للتنشِئة الاجتماعية، داعين إلى تكوينهم معرفيًّا وأخلاقيًّا، كما طالبوا بالعناية بالتعليم ، ومنح اللغة العربية المكانة التي تستحقها، بتحقيق التعريب الشامل العميق في مختلف مجالات حياتنا الاجتماعية والفكرية.

العنصر الثالث: أزمة اللغة ولغة التدريس

إن أي امة لا يمكن أن تبدع خارج لغتها .فاللغة هي محضن الفكر وهي من تشكله ,قد كان من اكبر التحديات التي واجهة إصلاح نظام التعليم في المغرب ,مشكل اللغة ,حيث يتداخل   فيه ما هو سياسي مع ما هو اقتصادي مع ما هو ثقافي . فكانت اللغة الفرنسية (لغة المحتل) هي لغة المناهج التعليمية، والتي كانت حكرا على فئة معينة من الشعب وهي نفسها فئة النخبة المسيطرة وما يرتبط بها، لذا كان أول اختبار أمام الشعب المغربي وممثلوه هو تعريب المواد الدراسية وجعل اللغة العربية هي لغة التعليم والتدريس.

فبدأ بالتالي مسار تعريب المواد الدراسية الذي تعرض لعراقيل كثيرة وضعها أنصار الفرانكفونية الذين يستحوذون على مراكز صنع القرار السياسي ويرتبطون ارتباطا وثيقا مع المصالح الفرنسية، وفي نفس الوقت شنت حرب شعواء على اللغة العربية والهوية الإسلامية التي يسير الشعب المغربي نحو استردادها، مما أعاق مسيرة التعريب وجعله مقتصرا على المواد الأدبية بينما تخضع المواد العلمية للهيمنة الفرنسية لاسيما في مرحلة التعليم العالي، فصارت الأمور على هذا الشكل المتناقض والمعوج مما أولد أزمة جديدة وهي مشكل الازدواج اللغوي.

يقول الأستاذ الباحث الصادق بنعلال في مقال له بعنوان “التعليم المغربي ازمة اللغة “:” إذا نظرنا إلى التقارير الدولية الأخيرة للتنمية البشرية، لاستنتجنا دون عناء يذكر أن التعليم الأكثر تطورا في البلدان العربية هو ذلك الذي يستند إلى العربية في تلقين العلوم الدقيقة كالرياضيات و الفيزياء، مثال ذلك الأردن و العراق و سوريا و مصر و فلسطين ،  و يا للغرابة ! فإن الذين يطالبون باعتماد اللغة العامية في التعليم الابتدائي المغربي ، و الفرنسية في تدريس المواد العلمية يعزون تدني مستوى التعليم بالمغرب إلى اعتبارات تعوزها البراهين المقنعة ، من قبيل عدم  التنفيذ الفعلي لمضامين الوثائق و المشاريع التربوية المتوالية : كالميثاق الوطني للتربية و التكوين ، و الحال أن هذا الميثاق يوصي بوضوح  بالتوسل باللغة العربية أداة للعملية التعليمية – التعلمية ، و بالتالي   إذا كانت العربية لا تتحمل مسؤولية ضعف المنظومة التعليمية الوطنية فأين الخلل ؟ و كيف يمكن إنقاذ هكذا قضية وطنية بالغة المكانة ؟”[19]

ان صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين عام 1999م والذي جاء بالإصلاح المزعوم، تفاقمت مشاكل القطاع التعليمي وتغولت ظاهرة الازدواج اللغوي لتشمل جميع المراحل التعليمية بدءًا من التعليم الأولي ما قبل الابتدائي، التي ستخلق لدى التلميذ المغربي البسيط مشاكل لغوية لا يستطيع على إثرها مواكبة تعلم لغته الأم بكل أريحية وبشكل سليم، فاللغة الفرنسية الأجنبية تزاحمه طيلة حياته الدراسية وتشكل له هاجسا، لتأتي بعد هذا قوانين جديدة كالقانون الإطار الذي يرسخ سطوة الفرانكفونية وهيمنة لغتها الفرنسية التي ستتمدد على باقي المراحل التعليمية.

فقد كان من الطبيعي أن تبقى اللغة الفرنسية مقصورة على حالها كمادة من المواد التعليمية في مجال تدريس اللغات، لكنها تحولت بشكل فج وعلى إثر الهيمنة الخارجية إلى إحدى لغات التدريس التي تحتكر المواد العلمية والتطبيقية، فتمنع بذلك التلميذ من تشكيل الفكر الذاتي وتحقيق الإبداع والنمو المعرفي، فالإنسان في النهاية لا يبدع خارج لغته.

ونعطي مثال على هذا التحدي بمشروع   قانون أكاديمية محمد السادس للغة العربية ،  قد تم الإعلان عنها سنة 2003 ،  تهدف إلى تعزيز و تحسين اللغة العربية و معالجة اختلالاتها ، و أجرأة مواد و فصول الظهير الشريف بإعادة تنظيم المجلس الأعلى للتعليم (2006) ،  من اختصاصاته الإدلاء بالرأي في كل القضايا المتصلة بالمنظومة الوطنية للتربية و التكوين ، و تنفيذ مقتضيات الميثاق الوطني للتربية و التكوين الداعية إلى أن يرقى نظام التربية ببلادنا إلى مستوى امتلاك العلوم و التكنولوجيا المتطورة ، و المساهمة في تطويرها بما يضمن القدرة التنافسية للمغرب و انفتاحه على العالم  ,بيد أن هذا كله تبخر في الهواء وصار حلما ,فأقبر مشروع الأكاديمية.

إن تخصيص حيز زمني الكبير للغات الأجنبية والرفع من معاملاتها وتعميمها في تدريس المواد العلمية, يبرز الحقد  القائم على اقبار اللغة العربية  من التدريس ,يقول عبد الصمد بلكبير، “ذبح أكاديمية محمد السادس للغة العربية، عبر تقزيمها وجعلها تابعة للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، في مؤامرة تستهدف اللغة العربية الفصحى”. وأضاف الأستاذ الجامعي في مداخلة له بندوة علمية حول اللغة العربية بالرباط، مساء اليوم الإثنين، أن مشروع القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة، أقبر الأكاديمية استجابة للاستعمار الفرنسي الجديد الذي يسعى إلى تحطيم اللغة العربية باعتبارها لغة موحدة للمغاربة، وذلك ضمن مخطط لاستهداف الهوية المغربية”.[20]

العنصر الرابع : غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح

لقد عرف المغرب فشلا كبيرا في إصلاح منظومته التعليمية رغم بعض الجهود الإصلاحية لبعض الأفراد الغيورين على هذا البلد ,بيد أن رؤيتهم الإصلاحية تعارضت مع مصالح بعض السياسين ,فشكلت بذلك تحديا حقيقيا أمامهم ,ولا أدل على ذلك تلك الكرونولوجيا الإصلاحية التي تعاقبت على المغرب منذ الاستقلال الى اليوم  .

كل ذلك اثر سلبا على المشهد التعليمي بالمغرب فمعطيات من قبيل ترتيب المغرب في الدرجة 126 من أصل 177 دولة في تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة برسم 2007 و 2008، ونسب الهدر المدرسي ما زالت مرتفعة، فأزيد من 400 ألف تلميذ يغادرون أقسام الدراسة سنويا، كما نجد مليونين ونصف المليون طفل خارج الزمن المدرسي. ونسبة الأمية ما زالت تهم %38 من الأطفال في سن العاشرة فما فوق ـ

حسب دراسة للسوسيولوجي المغربي عبد الرحيم العطري ـ. تكشف عن نية مبيتة لثبات الوضع واستمراره، إذ كيف يعقل أن تكون هذه الأرقام في دولة تزعم أنها تشتغل على ورش التعليم منذ أزيد من نصف قرن ,يقول الاستاذ العطري :” ما يميز الفاعل السياسي بالمغرب، موالاةً ومعارضةً، هو ترديده المستمر لخطاب الارتياح، حيال واقع الحال واحتمال المآل في كل المشاريع الإصلاحية التي همت المدرسة، بدءاً من “مناظرة إيفران” إلى “الميثاق” فـ”عشرية الإصلاح” و “البرنامج الاستعجالي”، وأخيراً “رؤية 2030” و “القانون الإطار”.

ففي كل هذه المحطات التي أُنْفِقَ فيها الكثير من الوقت والمال والفكر، لم ينته الساسة من تسويق “المفاهيم” و “التمنيات” التي لم تمنع التقارير الدولية من إفحامنا وتذكيرنا في كل حين بأن “رواندا” الخارجة من حرب أهلية حققت طفرتها النوعية، وتقدمت علينا كثيراً بالاستثمار في التعليم لا غير، وأن غزة الواقعة تحت الحصار الصهيوني أفضل حالاً منا، من حيث مؤشرات محو الأمية وجودة التعليم.”[21]

العنصر الخامس: ضعف البنيات التحتية

يتضح جليا للكل أن معظم مؤسسات التعليم العمومي في بلادنا مهترئة , ونحن هنا نتحدث عن العالمين الحضري والقروي، وبعض المؤسسات بالعالم القروي لا تتوفر على أبسط الضروريات مثل زجاج النوافذ بل وحتى الأبواب، وافتقارها إلى طاولات مريحة تسمح للتلميذ بالتركيز على الدرس، والعديد من المؤسسات لا تتوفر حتى على المرافق الصحية للتلاميذ وبعضها لا يتوفر على ماء وكهرباء وطرق معبدة، ومعظم تلاميذ العالم القروي إن لم نقل كلهم يقطعون كيلومترات عدة للوصول إلى المدرسة، وعند وصولهم إليها منهكين لا يجدون أي شيء ينسيهم تعبهم ويخفف عنهم عناء المسير لساعات، فالحجرات باردة في فصل الشتاء والكثير منها يتحول إلى برك مائية أثناء التساقطات المطرية.

وهذا  كله يؤدي بالكثير من المتعلمين الى الانقطاع عن الدراسة فقد بينت الإحصائيات الرسمية  الصادرة عن وزارة التربية الوطنية، والتي أجريت خلال سنة 2008 أن أكثر من 300.000 ألف تلميذ وتلميذة من الفئة العمرية (6-15سنة ) ينقطعون سنويا عن الدراسة [22]، هذا الأمر الذي يتسبب في تأخر التعليم من جهة ، وفي الرفع من نسبة الأمية  من جهة ثانية ، والتي تصل نسبتها إلى حوالي 34% حسب الإحصائيات  الرسمية [23],بينهم أكثر من مليون طفل يتراوح عمرهم 9 و14 خارج المدرسة لا يعرفون القراءة والكتابة. كل هذا يجعل بلادنا تحتل مراتب متدنية في مؤشرات التنمية البشرية بالرغم من المجهودات المبذولة .

فالهدر المدرسي يشكل آفة تؤثر سلبا في تنمية مجتمعنا، حيث أظهرت دراسة من طرف المجلس الأعلى للتعليم سنة 2008 أن التلاميذ الذين ينقطعون عن الدراسة بعد أربع سنوات يؤولون إلى الأمية، مما يشكل استنزافا للموارد البشرية والمادية للبلاد، إذ يمكن تقدير تكلفة عدم التمدرس والانقطاع عن الدراسة بنسبة 2%من الناتج الداخلي الخام، وهذه الظاهرة كما أسلفنا تنتشر بالعالم القروي، مما يستنزف التقدم الذي تحقق  في تقليص الفوارق في نسب التمدرس بين الوسطين الحضري والقروي، وبين الجنسين فمعدل تمدرس الفتيات بين 12 و14 سنة من العمر لم يتجاوز %43 في الموسم الدراسي 2006-2007 مقابل %75 كمعدل وطني بالنسبة لهذه الفئة العمرية. وتضاف فئات التلاميذ المنقطعين عن الدراسة، إلى صفوف المستهدفين  ببرامج محاربة الأمية وبرامج التربية غير النظامية، التي تبقى المسلك الوحيد لإعادة الإدماج في المنظومة ، علما أن الطاقة الاستيعابية لاستقبال المستفيدين من هذه البرامج لا تكفي آلاف المنقطعين عن الدراسة.

وقد جاء في  تقرير منظمة اليونسكو، وهي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة،   والصادر سنة 2014، جاء فيه أن المغرب احتل المرتبة ما قبل الأخيرة عربيا في عدد الخريجين. كما أن 10% من الأطفال لا يلتحقون بالمدرسة، و حوالي 34.5 % فقط هي نسبة التلاميذ الذين يلتحقون بالتعليم بالثانوي، هذا راجع لضعف  الإمكانيات التي توظف في قطاع التربية والتعليم.

علاوة على ذلك نجد أن الميزانية المخصصة للبحث العلم شبه منعدمة ,فكيف يمكن تحقيق الإصلاح في ظل تلك التحديات التي واجهت ولازالت تواجه كل الذين يبذلون الجهود من اجل الرفع من مستوى جودة التعليم بالمغرب.

 

العنصر السادس : محاولة خوصصة القطاع

التخلي عن فكرة الإصلاح بشكل كامل، وتم اعتماد حلول أخرى مختلفة تماما، اتضحت معالـمها في المحاولات الأخيرة المفضوحة لخوصصة هذا القطاع وبيعه للقطاع الخاص، بغية التخلص منه وإعفاء الوزارة من تدبيره المكلف، وكذا لتوفير الميزانية التي يستهلكها لصالح مشاريع اقتصادية ذات عوائد مادية وأرباح فورية كالفلاحة والسياحة، على اعتبار أن قطاع التعليم وغيره من القطاعات كالصحة والقضاء والخدمات، قطاعات غير منتجة وغير مربحة في نظر الجهات المسؤولة، وبالتالي يجب عدم التركيز عليها.

ولذلك وجدنا كثير من المصلحين كعلال الفاسي ومحمد المختار السوسي وعبد الكريم الخطيب ومحمد عابد الجابري ,ذهبوا الى مسالة جوهرية وهي تعميم التعليم ومجانيته حتى يستفيد الجميع بهذا الحق .[24]

قدم كثير من المصلحين غداة الاستقلال والى اليوم مجموعة من الرؤى  والمشاريع الإصلاحية فيما يخص قطاع التعليم ,بيد أنه واجهتهم تحديات ,التي سبق ذكرها في هذا البحث .فكانت  بذلك عاملا من عوامل هدم تلك المشاريع الإصلاحية الحقيقية  التي جاء بها رواد الإصلاح بالمغرب .

ولقد حاولنا في هذا البحث أن نبسط لأهم التحديات التي واجهت ولا زالت تواجه إصلاح نظام التعليم بالمغرب منذ الاستقلال حتى اليوم.

 

خاتمة

من خلال ما سبق بسطه وبيانه في هذا البحث نخلص الى ما يلي :

أولا : لم تفلح هذه المخططات في النهوض بمستوى وجودة التعليم في المغرب، كما لم تُفلح كذلك في الحد من تفاقم مشاكلِه، وزاد من الوضع سوء التصنيف الخاص بالتعليم الذي وضعته منظمة اليونسكو، الذي احتل فيه المغرب المراتب متأخرة عالميا من حيث جودة التعليم

ثانيا : يتضح أن كل هذه المشاريع والمخططات (الجديدة القديمة) لم تحقق الأهداف المرجوة منها، ولم تحرز التطور المرجو في قطاع التعليم.

ثالثا : مشكل التبعية واستيراد البرامج والمناهج من غير دراسة لها ولا تقويم لما فيها,حيث يتم تنزيلها مباشرة,الشيء الذي يحدث فشلا دريعا في هذا القطاع .

رابعا :عدم إشراك كل المتدخلين في هذا المجال التربوي ,بل يكون الإقصاء أمرا مقصودا من قبل النخبة السياسية ,فتستحوذ على القرارات من غير اشتراك لكل الهيئات المعنية بهذا المجال.

خامسا : رسوخ فكرة كون التعليم قطاع غير منتج مما يستلزم تسليمه للقطاع الخاص وتلك إن حدثت تكون قاسمة الدهر لهذا القطاع.

سادسا : الحل الحقيقي لأزمة التعليم في المغرب، يكمن في شيء واحد  ,وهو الإصلاح الجاد والحقيقي الذي يستهدف مواطن الضعف والخلل والقصور، وذلك بتوجيه دفة هذا الإصلاح ناحية(المعلم والمتعلم).

سابعا :  إصلاح المقررات الدراسية لتتماشى مع متغيرات العصر حتى لا تبقى المدرسة حبيسة وفق مناهج وبرامج تتلاءم مع ثقافة وهوية المجتمع المغربي ,لا أن تكون مستوردة .

ثامنا : بنية تحتية قوية لجميع المؤسسات من طرقات وحجرات وقاعات متعددة الوسائط وقاعات للمطالعة  ,علاوة على تحسن جودة التكوين والرفع من ميزانية البحث العلمي .

 

لائحة المصادر والمراجع :

أ

  • الإدارة الفرنسية في المغرب 1939_1956,الدكتور ثامر سليم الدليمي الطبعة الأولى ,2017م.
  • أضواء على مشكل التعليم بالمغرب الجابري محمد عابد، ، دار النشر المغربية، 1985.
  • الإمارات إلى أين..استشراف التحديات والمخاطر على مدى 25 عاماً ,أنيس فتحي ، مركز الإمارات للدراسات والإعلام, أبو ظبى,2005.

ت

  • التبيان في تفسير غريب القران، أحمد بن محمد شهاب الدين ابن الصائم (ت:815هـ) تح: ضاحي محمد، 1/58، دار الغرب الإسلامي – بيروت – ط: 1، 1423هـ.
  • التعريفات : علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: 816هـ) المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء دار الكتب العلمية بيروت -لبنان الطبعة: الأولى 1403هـ -1983م.

 

  • التوقف على مهمات التعاريف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031هـ) عالم الكتب 38 عبد الخالق ثروت-القاهرة الطبعة: الأولى، 1410هـ-1990م.

 

ج

  • جامع بيان العلم وفضله: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي “ت: 463هـ” “تح”: أبي الأشبال الزهيري دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية ,ط, الأولى، 1414 هـ – 1994 م.

خ

  • الخصائص : أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ) ,ص  78الهيئة المصرية العامة للكتاب

 

ع

  • العالم العربي على صفيح ساخن دراسة للمنظور التربوي لإشكالية الأصالة والمعاصرة, محمد كتش مركز الكتاب, 1422.

 

  • عملتي التعليم والتعلم ,حسناء راشدي ,مذكرة لنيل شهادة الليسانس لأستاذ التعليم الثانوي , جمهورية الجزائر ,المدرسة العليا للأساتذة ,سنة 2004.

ك

  • ـ الكليات، للكفوي، 1/561، مؤسسة الرسالة، بيروت.
  • ـ كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للتهانوي، 2/1093.

م

  • ـ الموسوعة الإسلامية العامة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ص: 159، ط: 1، 1424هـ.

المقالات العلمية والمواقع العلمية الالكترونية :

  • الأمة الإسلامية والتحديات المعاصرة، زكريا داوود, مقال منشور على موقع:alwihdah.com/print.php، أخر تحديث بتاريخ 2/9/2003.
  • مقال بعنوان: “تحديد معنى الإصلاح” للدكتور عمار سليم العلواني، كلية الآداب العراق، قسم الاجتماع، 2016م.
  •   مقال بعنوان الصادق بنعلال: التعليم المغربي أزمة اللغة أم.. لغة الأزمة؟ للكاتب الصادق بنعلال,صحيفة رأي اليوم , 15ماي 2019
  • مداخلة للدكتور عبد الصمد بلكبير في ندوة علمية في موضوع ” التعدد اللغوي وأفاق النهضة العلمية من خلال القانون الإطار” ,10 ماي 2019.
  • مقال بعنوان ” المسكوت عنه في معركة فرنسة التعليم بالمغرب ,الأستاذ عبد الرحيم العطري ,جريدة trtعربي ,25 يوليوز 2019.
  • نظرة عامة عن  الحالة الراهنة للمدرسة المغربية – تقرير المجلس العلى للتعليم لسنة 2008.
  • وقع وزارة التربية الوطنية على الإنترنيتmen.gov.ma

 

[1] الأمة الإسلامية والتحديات المعاصرة، زكريا داوود, مقال منشور على موقع:www.alwihdah.com/print.php، أخر تحديث بتاريخ 2/9/2003.

[2], العالم العربي على صفيح ساخن دراسة للمنظور التربوي لإشكالية الأصالة والمعاصرة, محمد كتش مركز الكتاب, 1422, ص40.

[3] ، الإمارات إلى أين..استشراف التحديات والمخاطر على مدى 25 عاماً ,أنيس فتحي ، مركز الإمارات للدراسات والإعلام,  أبو ظبى,2005,ص 15-7.

[4]  ـ الكليات، للكفوي، 1/561، مؤسسة الرسالة، بيروت.

[5]  ـ كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للتهانوي، 2/1093.

[6]  ـ التبيان في تفسير غريب القران، أحمد بن محمد شهاب الدين ابن الصائم (ت:815هـ) تح: ضاحي محمد، 1/58، دار الغرب الإسلامي – بيروت – ط: 1، 1423هـ.

[7]  ـ الموسوعة الإسلامية العامة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ص: 159، ط: 1، 1424هـ.

[8]  ـ  مقال بعنوان: “تحديد معنى الإصلاح” للدكتور عمار سليم العلواني، كلية الآداب العراق، قسم الاجتماع، 2016م.

[9] الخصائص : أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)  ,ص  78الهيئة المصرية العامة للكتاب

الطبعة: الرابعة.

[10] التعريفات : الجرجاني ,ص 200.

[11] التوقف على مهمات التعاريف: لتهانوي ,باب العين ,فصل اللام , ص246.

[12] جامع بيان العلم وفضله: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي “ت: 463هـ” “تح”: أبي الأشبال الزهيري دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية ,ط, الأولى، 1414 هـ – 1994 م.

[13] عملتي التعليم والتعلم ,حسناء راشدي ,مذكرة لنيل شهادة الليسانس لأستاذ التعليم الثانوي , جمهورية الجزائر ,المدرسة العليا للأساتذة ,سنة 2004.

[14]  الجابري محمد عابد، الجابري محمد عابد، أضواء على مشكل التعليم بالمغرب، دار النشر المغربية، 1985.

[15] المصدر نفسه ,عابد الجابري ,ص 12

[16] المصدر نفسه ,ص 18

[17] الإدارة الفرنسية في المغرب 1939_1956,الدكتور ثامر سليم الدليمي ,ص230,الطبعة الاولى ,2017م.

[18] المصدر السابق ,محمد عابد الجابري,ص 19

[19] مقال بعنوان الصادق بنعلال: التعليم المغربي أزمة اللغة أم.. لغة الأزمة؟ للكاتب الصادق بنعلال,صحيفة رأي اليوم , 15ماي 2019

[20] مداخلة للدكتور  عبد الصمد بلكبير في ندوة علمية حول اللغة العربية بالرباط

[21] مقال بعنوان ” المسكوت عنه في معركة فرنسة التعليم بالمغرب ,الأستاذ عبد الرحيم العطري ,جريدة trtعربي ,25 يوليوز 2019.

[22] وقع وزارة التربية الوطنية على الإنترنيت  www.men.gov.ma

[23] نظرة عامة عن  الحالة الراهنة للمدرسة المغربية – تقرير المجلس العلى للتعليم لسنة 2008

[24] أضواء على مشكل التعليم ,محمد الجابري,ص 93

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. الطوسي يقول

    بحث ممتاز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.