منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نتائج وآفاق في قضية تعليم المرأة

0
اشترك في النشرة البريدية

قضية تعليم المرأة من القضايا التي شغلت المفكرين والعلماء منذ القديم وفي الحاضر وذلك لما يتعلق بها من اختلاف حول الخصوصية التي تميزها عن الرجل وكيف يمكن الحفاظ عليها دون الوقوع في التحيز والتمييز الذي يعطل وظيفتها في مجال العلم والتعلم، ويكبل إبداعاتها وعطاءاتها العلمية والفكرية؟

ونظرا لهذه الإشكالات، حاولت الإجابة عنها في هذا الموضوع. المعنون بـ “تعليم المرأة بين الخصوصية والتمييز رواية شرعية” فطرحنا آراء العلماء في القديم والحديث وبينا فيه التأصيل الشرعي لتعليم المرأة ثم تعرضنا إلى قضية التمييز في القديم والحديث.

المبحث الأول: الأصل الشرعي لتعليم المرأة

لما كانت أول سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي سورة اقرأ تأمر بالقراءة، تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب القرآني بروح العمل والتنزيل وذلك من خلال سنته المطهرة وسيرته العطرة موجها صحابته الكرام رضوان الله عليهم لطلب العلم دون تمييز بين الذكر والأنثى فحفز الجميع على طلب العلم فريضة من الفرائض فقال صلى الله عليه وسلم: ” طلب العلم فريضة على كل مسلم “(1) ولفظ (مسلم) يشمل الذكر والأنثى، “والإسلام جعل المرأة شقيقة الرجل في الأحكام، ومن ثم أوجب عليها ما أوجب على الرجل سواء بسواء، فهي مطالبة لمعرفة ما يلزمها في دينها وبيتها ورعيتها” (2) فكانت المرأة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حريصة على طلب العلم، فجئناه يوما فقلن: “غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وآمرهن”(3) فكثير من الأحاديث النبوية تبين مدى حرص المرأة ورغبتها في طلب العلم ومشاركتها الرجل في ذلك استجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.

لقد كرم الله المرأة بتكريم بني آدم جميعا، قال تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم” (4) والتكريم المقصود هنا يرجع إلى أصل الخلقة التي يستوي فيها الذكر والأنثى، المساواة الخلقية ينتج عنها مساواة كسبية قال تعالى: “إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض” (5) من هذا المنطلق يتبين أنه لا فرق بين الذكر والأنثى في أصل الخلقة وفي الكسب العملي، من عمل وتعليم، فمن الإنصاف التسوية فيما تساوت أسبابه ومقدماته وشروطه. والذي لا شك في أن التطابق والتماثل بين الرجل والمرأة كبير جدا وهو الأصل بينهما، وفي أحكامهما، وهما جنس واحد وأصل واحد. إذن لا خصوصية للمرأة في التعليم فهي تشترك مع الرجل فيما تملكه من قدرات خلقية من عقل وإرادة وفاعلية، وما كان من تحيز وتمييز فإنما راجع إلى تقاليد وعادات وأعراف المجتمع، قال الإمام الحجوي رحمه الله: “إني لم أقف في الكتاب والسنة على دليل يمنع المرأة من العلم، أو يوقفها عند حد محدود، بل الأصوليون صرحوا بأن المرأة يجوز أن تصل إلى رتبة الاجتهاد في علوم القرآن والسنة، وما يوصل إليهما من العلوم الإسلامية كأن تكون كمالك والشافعي وأضرابهما، كما كانت عائشة الصديقية التي تستدرك على الصحابة الكرام.

المزيد من المشاركات
1 من 30

المبحث الثاني: نماذج تاريخية في تعليم المرأة

استجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطلب العلم، حرص الصحابة الكرام رجالا ونساء على طلب العلم وكان في مقدمة هؤلاء النساء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة السيدة عائشة رضي الله عنهن جميعا، وناهيك بما روي عنها فقه وحديث وفتوى، “حتى لقد روي عنها 2210 أحاديث، بينما لم يروى عن أبيها رضي الله عنه إلا 142 حديثا” (6) وكذلك كانت حفصة رضي الله عنها اختيرت لوضع أول مصحف في الإسلام في حفظها وذمتها. وكانت كاتبة. إذن فتعليم المرأة وطلبها للعلم حظيت منه بنصيب وافر المرأة المسلمة في العصور الأولى “وشواهد التاريخ دلت على أنه لم يوجد في تاريخ البشر قبل القرن الرابع أمة حاولت إلحاق المرأة بالرجل في المعارف كالأمة الإسلامية” (7) وقد كان في النساء من يلقن علم الشريعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي روي عنه “خذوا ثلث دينكم عن هاته الحميراء” يعني عائشة رضي الله عنها،

لكن بعد القرون الخيرية الثلاث، وقع تقهقر في جانب تعليم المرأة والسبب هو “تقهقر الامة الإسلامية في الأعصار الأخيرة، ويعود ذلك إلى العجز الكائن في فهم الإسلام الصحيح من المرأة” (8). فتعالت أصوات بعض الإسلاميين المتحدثين عن موقف الإسلام من المرأة، والصائحين لأصوات منكرة: المرأة لا ترى أحدا ولا يراها أحد ” تخرج من بيتها إلى بيت الزوج أو إلى القبر” فقال الإمام الغزالي رحمه الله: “امرأة مغلقة على هذا النحو كيف تكون راعية بيت؟ وربة أسرة؟ ومنشئة أجيال محترمة؟ حتى صدق على ذلك العهد قول المعري في شأن تعليم المرأة:

علموهن الغزل والنسج والرد /// ن وخلوا الكتابة والقراءة

فصلاة الفتاة بالحمد والإخلاص /// تجزي عن يونس وبراءة

وكذلك نحد بعض أراء الفقهاء تميل إلى هذا التحيز والتمييز بين الذكر والأنثى في التعليم، فنجد مثلا الإمام الحجوي يتحدث في كتابه ” تجديد الفقه” عن تعليم المرأة في المرحلة الابتدائية فقط. بدعوة الفتنة والفساد المستشري في الجامعات وكثير من الآراء الفقهية تتسم بنفس الرأي وذلك راجع إلى التأثر بالواقع المعيش والعرف الفاسد الذي أدى إلى ظهور مثل هذه الفتاوى التي كانت عبارة عن رد فعل دون تفكر أو تدبر، وذلك بالرجوع إلى أصول الشريعة الصافية من كتاب وسنة. مثلا الفقيه الحجوي في كتابه.

المبحث الثالث: تعليم المرأة في واقعنا المعاصر

وكذلك في زمننا المعاصر وضع في تعليم المرأة بعض التمييز بين الذكر والأنثى، وذلك باعتماد بعض الفتاوى الشاذة من العهد القديم، تقول بعدم تعليم المرأة أو الاقتصار على المرحلة الابتدائية فقط. ومصدر هذه الفتاوى بعض رواد الفكر السلفي كما قال الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه “قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة”: “والسبب هو القصور العلمي الذي بلغ مرتبة الجهل المركب عند بعض الإسلاميين المتحدثين عند موقف الإسلام من المرأة والصائحين بأصوات منكرة: المرأة لا ترى أحدا ولا يراها أحد تخرج من بيتها إلى الزوج أو إلى القبر” بالإضافة إلى بعض التقاليد والعادات التي مازالت تحكم بعض الأفكار عند عامة الناس من القول بعدم تعليم الفتاة لأنها تصلح للزواج والبيت فقط، فيميلون إلى تعليم الذكور فقط. وذلك لأن الذكور هم الذين يتحملون المسؤولية ويتوفرون على فكر قوي وقوة عضلية، وأن المرأة ضعيفة في الجانب الفكري العضلي فيقع التهميش والتمييز، ولكن في المقابل يجب تجنب الاختلاط الذي يؤدي إلى الفساد وعدم الاستيعاب، الذي يقع فيه كثير من مؤسساتنا التعليمية، فيكون وقعه خطير على المردود العلمي للفئتين معا.

التقرير: نتائج وآفاق في قضية تعليم المرأة

كثير من قضايا المرأة وقع فيها الإفراط أو التفريط وذلك بحسب من تناولوا هذه القضايا، فهناك من جعلها طريقا لتحقيق إديولوجيته، وهناك من أغلق عليها جميع الأبواب باسم الشريعة والدين، وهناك من أراد لها التحلل والتفسخ لمرض في نفسه، ومن هذه القضايا قضية تعليم المرأة، ومنا وقع فيها من اختلاف بين القبول والرفض، وبين الغلو والاعتدال منذ القديم حتى عصرنا الحاضر. وكان لا بد من العودة بها إلى مكانتها الصحيحة، التي وضعها فيها شرع الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، دون تحيز أو تمييز.

وللعودة إلى هذه المكانة الصحيحة لا بد من العودة إلى المنابع الصافية من الكتاب والسنة المطهرة الصحيحة، وذلك للفهم الصحيح والتنزيل الموفق من طرف العلماء الراسخين في العلم والمنصفين من أهل الفكر والتربية. ولا بد من تنقية بعض الآراء الفقهية مما شابها من ظروف واقعها وزمان أصحابها وعدم عدها من أصول الشريعة.

بالإضافة إلى فتح نقاش في الموضوع بمشاركة المرأة والرجل معا للبحث عن الحلول التعليمية والعملية المتزنة البعيدة عن التعقيد والتشدد أو التحلل والتفسخ.

 

خاتــمة:

وختاما فالموضوع يحتاج إلى مدارسات جماعية يشترك فيها جميع الهيئات العلمية والمؤسسات التعليمية حتى نستطيع أن نعالجها من جميع جوانبه، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية… ولا يمكن معالجته في هذه الورقات والتي أعتبرها توطئة للموضوع فقط. على أساس أن تكون هناك بحوث تتوسع في الموضوع أكثر بآفاق أوسع.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

الهـوامـــش:

(1): أخرجه ابن باجه 224 وابن عبد البر في جامع العلم وفضله.

(2): سلسلة دروس ومحاضرات فضيلة الشيخ الأستاذ حسن بن الصديق ص 75

(3): رواه البخاري. باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء مما علمه الله الحديث 6880

(4): سورة الإسراء الآية 70

(5): سورة آل عمران الآية 195

(6): سلسلة دروس ومحاضرات. الجزء الأول ذ الحسن بن الصديق

(7): سلسلة أليس الصبح بقريب الطاهر بن عاشور ص 60

(8): الغزالي قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة ص 122

 

 

 

 

 

 

 

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.