منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لن تنهض الأمة إلا بفقه جديد

لن تنهض الأمة إلا بفقه جديد/ الدكتور أسامة حماد

0

لن تنهض الأمة إلا بفقه جديد

الدكتور أسامة حماد

عدة أمور، يجب أن تكون معلومة قبل الخوض في أمر نهضتنا :

-تحجر العقل وعدم استجابته لما يفرضه الواقع وتقضي به الضرورة سفه وغباء !!

-والنصية الجامدة التي لا تجيد فهم المعنى المراد والدلالة المقصودة خلف ظاهر الحروف بلادة شنيعة وسبب في اقتيادنا إلى حتفنا !!

-والتعصب لنصرة الخطأ، والإصرار على السير في طريق ثبت أنه مؤد إلى الهلاك دليل عمى في القلب وانطماس في البصيرة !!

-وعدم الاستجابة لدواعي الضرورة الملحة ومقتضيات العيش الكريم في ظل عالم مضطرب،، يكفر بالضعفاء ويجحد وجودهم ويستحل مالهم عصبية جاهلية وضلال مبين !!

-وعدم إدراك أن الإسلام ليس دينا خاصا بنا، وليس محصورا فينا، وإنما هو دين الله من الأزل إلى الأبد، أرسل به جميع أنبياء الله ورسله، وليس الرسول صلى الله عليه وسلم سوى حلقة وصل في تاريخه الطويل، أرسل لتجديده وإضفاء عليه الصبغة العالمية ليكون كلمة الله الأخيرة إلى جميع الخلق، كل ذلك بعد سحيق عن روح القرآن :

“وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا’

“شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ”

– نبذ النصية المقيتة التي تقف بصاحبها العاجز عند ظاهر النص مكتفيا بالدلالات السطحية للألفاظ، دون اختراق حجب الرمزية والولوج إلى المعاني العميقة الكامنة في الأعماق واجب محتم وضرورة ملحة !!

– يجب التطهر من دنس العصبية الجاهلية التي تملي علينا أن نتهم الآخرين باتهامات شنيعة ربما تكون ألصق بنا منهم، ومحاولة تزكية العقل بكل الثقافات المتاحة التي أنتجتها قرائح الملهمين الكبار، بغض النظر عن معتقداتهم أو جنسياتهم أو لغاتهم ما لم تتعارض مع مبادئ ديننا العظيم !!

– ويجب عدم حصر الشريعة الواسعة في نطاق “تطبيق الحدود”، فالقران الكريم يحتوي على أكثر من ستة آلاف آية، كلها في التربية والتوجيه وتهذيب الأخلاق والمعاملات، وقليل نادر منها في الحدود، التي يجب أن تقام في الظروف الصحيحة التي تسمح بإقامتها !!

كان المفروض على علمائنا أن يفطنوا إلى أن “تخلف أمتنا” راجع يقينا إلى سوء فهم القرآن أو سوء تطبيقه وعدم القدرة على إسقاطه على أرض الواقع ليكون أداة تحقيق الهدف وإثبات الذات، وأداء الرسالة المنوطة بأعناقنا على الوجه الأمثل، لأن “القرآن الكريم” هو العطاء الزاخر والقيمة الفعالة والنهج القويم !!

ولأنه ملاك عقل هذه الأمة التائهة، وهو ملاذها الأمين وحصنها المكين، وهو دستورها الخالد إلى آخر الزمان، وكما صلحت به أمتنا في أول زمانها، فلا صلاح لها إلا به في هذا الزمان وفي كل الأزمان !!

– ومعنى التزامنا الصمت تجاه تخلفنا المشين في شتى ميادين الحياة، واتساع الشقة بيننا وبين تحقيق هدفنا المنشود وغايتنا المقصودة أننا أصبحنا حجر عثرة في سبيل الإسلام، بل صرنا أداة الصد عن سبيل الله، والسبب الأول لرفض العالم كله لنا وللإسلام فكرة وموضوعا، وما يعد ذلك إلا فعلة منكورة تصمنا بالخيانة والتفريط في حق الله وفي حق ديننا العظيم !!

-لابد من صحوة عقلية جبارة تمكننا من رؤية الحقيقة لنضع أصابعنا على مواطن الخلل وأسباب الداء التي شوهتنا ونالت منا وأزرت بتا !!

-ولابد من قبض زمام الهيمنة على كل الوسائل العلمية المعينة على الفهم الصحيح من ثقافة وتجرد وإحاطة بفنون الحياة، ولابد أن تكون الدائرة التي سيعمل في إطارها ذلك العقل النابه ساحة للتفكر والتأمل، ومدرسة للتدقيق والتمحيص، ومرتكزا للحركة الفقهية الواعية، التي تقرأ الصورة قراءة لا يشوبها عجز ولا يعتريها قصور، ثم تضع بصمتها الإيجابية على الواقع المعاش، مسددة خطوه، ومصححة خطأه، وماضية به إلى تشييد صرحه العظيم !!

-ولابد أن نقر بأننا مرضى، وبأننا مصابون بداء عضال، ثم نعترف بأن حالتنا متدهورة، وأننا بأمس الحاجة إلى طبيب معالج يشخص لنا الداء، ويصف لنا الدواء، وإلا، فسنظل سادرين في طريق الزلل والغواية حتى نصطدم بالقاع، ثم نكون نهبة الطامعين وأكلة الآكلين !!

-لابد من البحث الجاد الدأوب للوقوف على سبب الأزمة، ومحاولة الإحاطة بسبب تخلفنا وفشلنا من كافة الزوايا، لنتمكن من تشخيص العلل، ثم بلورتها في نقاط محددة، ثم وضع خطة ممنهجة تتسم بالموضوعية والدقة للتغلب على هذه الأدواء، ثم النهوض للوفاء بحق الدين المهيض والأمة المتعبة !!

-لابد من وجود فقهاء مخلصين، يفهمون بعقل جديد، ويحسنون فهم مقاصد الشريعة، ويقدِّرون الفاصل الزمني بيننا وبين الأئمة الكبار، الذين اجتهدوا على قدر استطاعتهم لخدمة دينهم، مع الاعتراف بجهودهم العظيمة، والوضع في الاعتبار بوجوب سلوك طريق جديدة تتناسب مع الزمن الذي نعيشه، وليس الزمن الذي عاشوه منذ أكثر من ألف عام، والإقرار بوجوب البحث والاجتهاد لاستخراج القيم العظيمة من ديننا لكي يتم الانتفاع بها في شتى الميادين، وإلا نكون قد حجبنا القرآن وسجناه في عقول السابقين وأفهامهم، وخنا أمانة الرسالة التي كلفنا بنشرها وتحمل تبعات تعليمها للآخرين:

“وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ”

– لابد من تحديد وظيفة القرآن في الأمة، وأنه المصدر الأول للتشربع، ثم تأتي السنة في المرتبة الثانية، وتكون وظيفتها معلومة كما حددها العلماء الكبار، بحيث لا تكون حاكمة على القرآن ولا ناسخة له، ثم البحث العلمي الجاد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الصحيحة لكل ما جد في المجتمع من قضايا جديدة لم تكن موجودة من قبل، من منطلق أن هدف الإسلام الأساسي إعادة صياغة الإنسان، ومحاولة إبراز جانبه الإنساني في أجلى معانيه، وأجمل مغازيه !!

ثم لابد من محاكمة التراث الغث، الذي سبب لنا مشاكل كثيرة بسبب مخالفته للقرآن مثل أمور الحكم، وتداول المال بين الناس، وفهم الحد الفاصل بين مصادر التشريع وكيفية الربط بينها، والموازنة الدقيقة بين العمل للدنيا والعمل للآخرة، ثم نفي الخطأ الموروث بعيدا عن متناول الناس لئلا يمثل خطرا يودي بهم إلى سوء الفهم، ثم إلى سوء التقدير، ثم إلى الخراب الدمار !!
ولا بد من قراءة القرآن بعقل جديد، ومحاولة استنباط قواعد جديدة لفهمه والاستفادة منه في أرض الواقع، على سبيل المثال، النظر إلى الآية الكريمة:
“لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ”
ليس مراد الآية هنا مجرد الإشارة إلى اختلاف التشريعات المفروضة من حيث النسك والعبادات المجردة، ولكنها تدل على أن اختلاف التشريعات يفهم منه أنه مجرد وسيلة إلى غاية كبيرة، وأداة للحصول على مغنم كبير، يؤكد ذلك قوله سبحانه:
“فاستبقوا الخيرات” !!
لأن فعل الخير هو المقصود العظيم من الدين والشريعة، وليس النسك بصورته التي عرفها الناس ودرجوا عليها !!

-كل التشريعات المختلفة لوصل الإنسان الترابي بإنسان السماء، ولنفض غبار شهواته الدنية عن روحه السمية، وتشريفه بالأنس في رحاب الوصال بالله الواحد الأحد، والاستعداد لحياة أبدية في جواره !!

-اختلاف المناهج التشريعية في الرسالات السماوية المختلفة دليل على أن وظيفتها ليست جامدة، وليست ثابته، وليست مقيدة، وانما هي مرنة ومحكومة بقانون المصلحة التي رعاها القرآن وأثبتها الدين العظيم، إذ أن الثابت في عرف علماء الأصول أنه “حيثما تكون مصلحة الإنسان فثم شرع الله”
مصلحة الإنسان، وتهيئة المناخ الأمثل لكي يعيش كريما ويؤدي رسالته على الوجه الصحيح هو الهدف الأسمى للإسلام، والغاية المرجوة من وراء كل تشريعاته !!

– لابد من التوفر على إيجاد فقهاء يفهمون بعقل جديد، لا تطمسه غيمة من طمع، ولا تقصيه خشية من ذي سلطان، ولا تقيده رغبة في متاع زائل !!

لقد سادت أوربا بنهضتها العلمية المبهرة، حينما حاكمت مواريثها، وتقاضت أمام قاضي العقل، الذي قضى في محكمته بإقصاء كل ما يخالفه، أو يصادر حريته، أو يحاول تقييده، ثم نبذ كل فكر سقيم يخاصم الحياة ويرفض عقد صلح شريف معها !!
لابد من إدراك حقيقة أن رجال الدين القائمين، وكهنة الإسلام المفوضين، لن يستطيعوا باي حال من الأحوال هجران ما ورثوا من أفكار مغلوطة، ولا التحرر من أسر أكاذيب مزورة، ولا الانفكاك من قيد التبعية لمن سبق، والتقليد لمن لحق، ماداموا محكومين بعقول السابقين وأفهامهم، وبذلك فاليأس مقودهم إلى الفشل، والخسران حليفهم إلى الدجل، والرجاء ليس إلا في ناشئة جديدة، تصاغ بمنهجية دقيقة، وتؤسس على أصول محكمة، وتربى على مهاد سليم !!
وهذه الناشئة تتربى على تقديس قيمة العقل، واعتباره أعظم هدية من الله للإنسان، وأن إنسانا بلا عقل، إنما هو حيوان ليس له ذيل، ودابة تقوم على قدمين !!

العقل والنقل دعامتان أساسيتان لفهم الدين، والعقل من الدين هو أشد أعوانه، والنقل أهم أركانه، وأن الدين الذي يصادر فيه العقل دين كاذب، وصاحبه جهول، و ثمرته فجة ، لأن الذي صدق نبيا، وسار خلفه مؤمنا بكتابه المنزل عليه من ربه، كان قد آمن بربه بعقله، قبل أن يصدق ذلك النبي، ثم إنه بعد أن آمن بربه بوازع من عقله، تبع نبيه وخشع وخضع لسلطانه وأتى ما أمره به في وحيه الذي صدقه وآمن به !!
فمتى كان سيكون إيمان برسول قبل الإيمان بربه، وكيف السبيل إلى الإيمان بذلك الرب في غياب العقل المدرك والفهم السديد ؟!!
ثم الإيمان بوجوب الاستفادة من الأنظمة العالمية المستحدثة، ما لم تصطدم بقواعد شرعية، وإدراك أن النكوص عن أداء هذا الواجب خيانة محقورة تستحق التأديب والتهذيب !!

تلك بدهيات لازمة، أولها وضع أساس متين يقوم عليه بناء ناشئة جديدة تحمل رسالة الإسلام الخالد، وتلك أصول واجبة لبناء صرح الدين بوجود هذه الطائفة الفاهمة الواعية التي تفهم الدين بعقل جديد، وتعمل لخدمته ببرنامج جديد، وتنشر رسالته بأسلوب جديد :

“وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم”
“إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ”

في هذه الآية دلالة واضحة على وجوب التغيير، وهذا التغيير له سمت محدد بضوابط محكمة تقود إلى إصلاح الخطأ وتعديل المسار !!
وفيها إشارة خفية إلى وجوب وجود فئة ثائرة تتمرد على الخطأ، وتثور على الفساد، وتحاول بكل قدرتها تحطيم القيود المعيقة للحركة في اتجاه صحيح !!

وفيها دليل قطعي على وجوب انفعال العقول بالقرآن، متفكرة ومتدبرة، ومجتهدة لا تني باحثة عن طريق صحيح يؤمها إلى صلاحها وفلاحها، وكل ذلك متاح وممكن بشرط كسر حاجز النصية، واختراق السياق بشعاع العقل المتدرب على اجتياز ظاهر الألفاظ والولوج إلى معاقل المعاني الكامنة فيها، وبغير ذلك ستكون قراءة القرآن قراءة عديمة الجدوى، بل ستنقلب نوعا من العبثية المخجلة التي تفضح أصحابها، كالذي يرعى غنمه على منجم ضخم تتكدس فيه الكنوز الثمينة، وهو ذاهل عنه وعن كنوزه الدفينة أعماقه !!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.