منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعلم عن بعد بين التنظير والتطبيق

اشترك في النشرة البريدية

بعد تفشي وباء كورونا بمعظم دول العالم ، اتخذت الحكومة المغربية جملة من الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار هذه الجائحة، من بينها تعليق الدراسة بالمؤسسات التعليمية ضمانا لسلامة المتعلمين ، وطرح بديل افتراضي يتمثل في الدراسة عن بعد عبر إحداث منصات ومواقع خاصة للتعلم ، بالإضافة إلى العمليات التطوعية التي قام بها المدرسون من خلال إنشاء مجموعات ومنابر على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها .     فما مدى نجاعة التعلم عن بعد ؟ وإلى أي حد حقق الأهداف العملية التعليمية التعلمية ؟ وهل استطاعت هذه المواقع والمنصات التعليمية أن تكون بديلا عن العملية التعليمية التعلمية داخل الفصل الدراسي- بحضور المعلم- ؟ أم أن التعلم داخل الفصل الدراسي أنجع وسيلة للتعلم ؟

التعلم عن بعد من التقنيات  التعليمية الحديثة التي تقوم على وضع المحتوى التعليمي للمتعلم بعيدا عن المعلم ومجموعة القسم ، وذلك لاستقطاب الطلاب الذين لم يحالفهم الحظ للحضور المكاني بالمؤسسات لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو موضوعية(الاكتظاظ ، نقص الأطر التربوية والإدارية ..) وتقنية التعلم عن بعد ليست وليدة اللحظة وإنما ظهرت في نهايات السبعينات من القرن الماضي بالجامعات الأمريكية والأوروبية بحيث كانت ترسل مجموعة من الأشرطة والكتب للطلاب عبر البريد تقدم لهم شرحا وافيا عن المناهج التعليمية .

ومما لا شك فيه أن عملية التعلم تقوم على أسس ثلاثة : المعلم والمتعلم والمعرفة ،وفي ظل استراتيجيات التعلم الحديثة (التدريس بالكفايات ) فإن” الأنشطة ترتكز على المتعلم كفاعل أساسي من خلال اعتبار المتعلم محورا فاعلا لأنه يبني المعرفة ذاتيا ، واعتبار المدرس مسهل لعمليات التعلم الذاتي”  (1) و بناء على هذه الاستراتيجيات يمكن للمتعلم أن يواكب التعلم عن بعد عبر منصات التواصل الاجتماعي ومختلف المواقع التي تعنى بهذه العملية .

لكن السؤال الذي يطرح نفسه ، هل فعلا تحقق عملية التعلم عن بعد نجاعتها إذا حاولنا تطبيقها عمليا، بعيدا عن التنظير  ؟

ما لاحظناه من خلال مواكبتنا للمتعلمين عبر هذه المنصات – محاولة منا تطبيق هذه العملية- اعتراض  مجموعة من الإشكالات والصعوبات حالت دون تحقيق هذه العملية أذكر من بينها –على سبيل المثال لا الحصر – :

المزيد من المشاركات
1 من 17
  • لا يمكن الاستغناء عن المعلم في العملية التعليمية التعلمية ، فدوره في هذه العلمية مركزي لما يقوم به من تيسير و تبسيط للمعلومات على الطلاب ، كما أن المتعلم يتأثر بمدرسه في جوانب أخرى تشمل السلوك والوجدان .. وهذا لا يتحقق في عملية التعلم عن بعد .
  • من حيث طرق التدريس ، فعملية التعلم داخل الفصل الدراسي يلجأ فيها المدرس إلى مجموعة من الأساليب والطرق والبيداغوجيات لتحقيق أهداف التعلم ، بخلاف التعلم عن بعد غالبا ما يكتفي فيه المتعلم بطريقة التلقي ، وهي من الطرق التقليدية المتجاوزة (خاصة في مراحل التعليم الابتدائي والثانوي بسلكيه)
  • الاشتغال بالمجمــــوعات والفرق داخل الفصل الدراســـــي في إطار ما يســــــمى ” بالبيداغوجية الفارقية ” يؤدي لنتائج إيجابية تتمثل في انخراط مختلف المتعلمين في العملية التعليمية التعلمية وإزالة الحواجز (و التدبير اليسير للبيداغوجيا  الفارقية  يقتضي العمل في فريق و التشاور …) (2)  بخلاف التدريس عند بعد الذي تغيب فيه هذه البيداغوجية مما ينعكس سلبا على أداء المتعلم .
  • التعلم عن طريق الخطأ أو ما يسمى “ببيداغوجيا الخطأ “، فلا يمكن التعلم بهذه الطريقة إلا من داخل الفصل الدراسي بحضور المعلم الذي يلعب دورا كبيرا في تيسير العملية التعليمية التعلمية ، وتنزيل هذه البيداغوجية بمختلف الطرق ، بخلاف التدريس عن بعد الذي يكتفي فيه المتعلم بالتلقي .
  • عملية التواصل التربوي لا يمكن أن تتحقق بطريقة سليمة من خلال التدريس عن بعد ، بخلاف الفصل الدراسي الذي يبدع فيه المعلم والمتعلم لتمر هذه العملية في جو يسوده التواصل الفعال والحوار البناء .
  • غياب الوسائل التعليمية والديداكتيكية للتعلم عن بعد عند معظم المتعلمين ، ولا سيما الفئات الفقيرة التي تعاني أوضاعا اجتماعية هشة ،- فانطلاقا من تجربتنا في عملية التدريس عن بعد- لاحظنا أن جل المتعلمين الذين ينخرطون في هذه العملية من الطبقة الميسورة أو المتوسطة ، في حين سجلنا غيابا تاما للمتعلمين الذين  ينحدرون من الأحياء الهامشية أو الذين يعيشون أوضاعا مزرية… وهذا يضرب في المبدأ الذي جاءت به الرؤيا الاستراتيجية 2015-2030 الذي ينص على تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص (3) بين جميع المتعلمين .
  • ضعف التكوين في تقنيات الإعلام والتكنولوجيا الحديثة عند أغلب المتعلمين ولا سيما المدرسين مما يحول دون تحقيق عملية التدريس عن بعد .
  • عدم انضباط أغلب المتعلمين للحصص المبرمجة لتقديم الدروس في ظل انعدام ضوابط وشروط تجعلهم يتعاملون مع هذه العملية بشكل جدي وإيجابي .
  • الأنشطة الصفية لها دور فعال في تيسير عملية التعلم ( الورشات ، العروض ، الندوات ، إنتاج أعمال جماعية…) ، كل هذه الأنشطة- والتي أثبتت فعاليتها – تكاد تصبح مستحيلة في عملية التعلم عن بعد .
  • عدم تقبل المجتمع لهذا النوع من التعليم ، لا سيما التكاليف المادية الباهظة التي يجب على الأسر تحملها (توفير الوسائل التقنية والتواصلية ..) من أجل إنجاح هذا النوع من التعلم .

جميع هذه الصعوبات والعراقيل تجعل التعلم عن بعد أمرا صعبا في ظل هذه الظروف والأوضاع الاجتماعية الهشة، مما يحتاج إلى دراسة عميقة وتأسيس مبني على قواعد محكمة  وشروط موضوعية من اجل كسب هذا الرهان .

وعملية التعلم عن بعد قد تكون ناجعة في المسالك الجامعية التي تعتمد- غالبا- على طرق الإلقاء والمحاضرة – وهي من الطرق البيداغوجية المتجازوة  في العصـــــر الحديث-  ، ونظرا لغياب الشروط الموضوعية لتنزيل الطرق والاستراتيجيات الحديثة بالجامعات  يلجأ غالبية المدرسين لهذه الطرق التقليدية (4) ، ومن ثم فعملية التدريس عن بعد بالجامعات لها ايجابياتها  كتخفيف الاكتظاظ الذي تعج به مدرجات الكليات، وسد النقص الكبير في الهيئات التدريسية ، وكذا التخفيف من ضعف الإمكانيات التي تعاني منها الجامعات المغربية .

كل هذه المحاولات -من أجل إنجاح عملية التعلم عن بعد- تبقى صعبة التنزيل والتطبيق في ظل وجود مجموعة من الصعوبات والعراقيل تحول دون كسب هذا الرهان ، لذلك لا بد من دراسة ميدانية حقيقية تشخص الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمتعلم المغربي ، مع توفير الوسائل والعدة الديداكتيكية والبيداغوجية ، ولاسيما تقنيات التواصل الحديثة ، ودعم الفئات الهشة والضعيفة لتتمكن من مسايرة الفئات الأخرى في إطار تحقيق مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص ، مع وضع قواعد وشروط صارمة تضبط هذه العملية .

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. Imrane يقول

    موضوع راااااااااااااااااائع جدا بالتوفيق ان شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.