منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الدين النصيحة

0
اشترك في النشرة البريدية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن من أعظم القربات بين المسلمين، ومن أهمها بعد التوحيد محاولة رَصِّ صفوف المسلمين، وتوحيد كلمتهم، وإشاعة الأُلفة والمحبة بينهم، وهذا لا يكون إلا بعد مراعاة ما أوجبه الله من حقوق الأخوة، والآخرة لا تدوم إلا بالحب المتبادل والتضحية من أجلها، والنصيحة والتناصح من أعظم مقومات الأخوة في الله، ولأهمية النصيحة جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من الدين، وبايع بعض الصحابة على النصح لكل مسلم.

منزلة حديث “الدين النصيحة”:

هذا الحديث جليل القدر وعظيم الشأن، قليل الألفاظ، كثير الفوائد والمعاني وأهميته تأتي من أهمية النصيحة التي جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوام الدين وعماده، وقد حدّد صلى الله عليه وسلم الناصح والمنصوص بشكل واضح؛ فالناصح هو كل مسلم آمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، فمن التزم بدين الإسلام وجب أن يكون ناصحًا.

أما المنصوح: فقد بينه صلى الله عليه وسلم بقوله: «النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم». ولربما يسأل المرء نفسه: كيف تكون النصيحة لهذه الأصناف؟

1- النصيحة لله:

المزيد من المشاركات
1 من 14

معناها منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها، وتنزيهه من جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، وموالاة من أطاعة ومعاداة من عصاه، والاعتراف بنعمته وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور، والدعوة إلى جميع الأصناف المذكورة، والحث عليها، والتلطف مع جميع الناس ودعوتهم إليها.

2- النصيحة لكتاب الله:

وتعني أنه كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود، منزَّلٌ غير مخلوق، تكلم الله به حقاً، وألقاه إلى جبريل فنزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم الاهتمام بتلاوته والخشوع عندها، وحفظه، وتفسيره، والذب عنه، ودحض تأويل المحرفين وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والاعتقاد بأنه منهج للحياة شامل كامل صالح لكل زمان ومكان، وبذل ما في الوسع لإقامة حكمه، والعمل به، والوقوف عند أحكامه وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والاهتمام بتعلمه وتعليمه.

3- النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

وتعني تصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيًا وميتًا، ومعاداة من عاده، وموالاة من والاه، وإعظام شريعته، ونفي التهمة عنها، ونشر علومها والتفقه في معانيها، والتلطف في تعلمها وإعظامها، وإجلالها، والتأدب عند قراءتها والإمساك عن الكلام فهيا بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه؛ فالنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم هي محبته حبًا يفوق محبة النفس والأهل والولد والنسا أجمعين عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» [رواه البخاري].

4- النصيحة لأئمة المسلمين:

وتكون بإعانتهم على ما حُمِّلوا القيام به، ومعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ما لم يبلغهم من حقوق المسلمين، وتألف قلوب الناس لطاعتهم، والاتصال بهم وإخبارهم بعيوبهم، وتذكيرهم بالله تعالى واليوم الآخر، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحثهم على الزهد والورع والعدل، ومجانبة الظلم. ومن النصيحة لهم كذلك الصلاة خلقهم، والجهاد معهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم ضعف أو سوء عشرة أو فجور أو ظلم؛ ما أقاموا الصلاة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يُدعا لهم بالصلاح.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

5- النصيحة لعامة المسلمين:

وتعني إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم؛ فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف نهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذبّ عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة وتنشطهم إلى الطاعات.

آداب النصيحة

* أن تكون النصيحة لوجه الله وحده: بحيث لا يرجو الناصح إلا وجه الله تعالى والدار الآخرة.

* أن لا يكون الهدف انتقاصًا أو تشهيراً: والواجب على الناصح إشعار المنصوح بأن المقصود إرادة الخير له، ومحبته وأنه لا يرجو من وراء نصحه إلا رضا الله تعالى. 

* أن تكون النصيحة سراً: يجب على الناصح ألا ينصح أخاه إلا منفردا، وبها يستطيع أن يتحدث معه بكل وضوح فلا يخشى رد فعل في ذلك؛ لأن النصح على الملأ قد يوقظ في نفس المنصوح مداخل الشيطان، وتأخذه العزة بالإثم ويقابل النصح برد، وبذلك يكون الناصح عوناً للشيطان على أخيه المنصوح؛ لأن النفس البشرية لا تقبل أن يطلع أحد على عيوبها. 

* أن تكون النصيحة بالحكمة والموعظة الحسنة: فعلى الناصح أن يجعل قول الله تعالى: ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” والمطلوب من الناصح أن يدعو الناس بالأسلوب الحسن الهين السهل، ويكون لطيفًا معهم رفيقًا بهم، والرفق في النصح يأتي بالخير قال صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شأنه» [رواه مسلم].

* اختيار الوقت والظرف المناسب: من الضروري أن يفطن الناصح لمراعاة المقام المناسب للنصيحة حتى يوفق في نصيحته، وعلى الناصح أن يراعي بعض الأمور منها: أن لا يكون المنصوح مشغولاً بأمر ما؛ لأنه لا يستوعب ما تقول له وربما ينفر منك، أو يطلب منك البعد عنه، ويفضل أن يكون وحده؛ لأن الإنسان يحب أن يظهر أمام غيره بالكمال وأنت تنتقضه.

وأخيراً:

ليس منا من لا يخطئ ولا ينحرف عن طريق الحق، بل إن فينا من الغرائز والطباع ما يميل بنا إلى الرشد والغي والخير والشر، وليس كل إنسان يعرف خطأه أو يهتدي إليه. ومن الضروري -أخي المسلم- أن تعلم أنه يجب عليك أن تقدر أيضاً طباع الناس وغرائزهم وأنهم ليسوا ملائكة ولا أنبياء فالخطأ موجود، والزلل حاصل.  

ولهذا كان من حق الأخ على أخيه أن يبصِّره بعيبه وينصح له في أمره، وإذا تساهل الناس في هذا الحق؛ فإن العلاقات ستسوء، وتنقلب الصداقات إلى عداوات ويصبح المجتمع فوضى يموج بالشر والإثم.

وبالعكس إذا اتسمت الأمة بخلق التناصح فيما بينها فلا نرى حينئذ إلا حقاً محترماً وثقة بين الناس، فلا خيانة ولا غش ولا اتهام ولا تجريح، ويسود الأمن والطمأنينة في سائر المجتمع، كما كان الرعيل الأول من سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين، وجعلنا على خطاهم سائرين وبنهجهم آخذين، وبأفعالهم عاملين، وبدعواتهم داعين، وبهديهم مهتدين، والحمد لله رب العالمين.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.