منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الموت ليست فناء

بن سالم باهشام

0

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

مقدمة

فكرة الموت حيرت فلاسفة البشر، وأعجزت كل من سعى لفهم أسرارها، إلا من تواضع لله ربه، وتفهم فكرة الموت بحسب ما جاء في كلام الله سبحانه، وعلى لسان رسله عليهم السلام، وعلِم أن الروح من أسرار الله في خلقه، قال تعالى في سورة الإسراء: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) [الإسراء: 85] “.

وفي رحلتنا من دار الدنيا التي هي دار الفناء، إلى الدار الآخرة التي هي دار البقاء، نلاحظ أن الانتقال من هذه الدار إلى تلك الدار، لا يتم إلا عن طريق الموت، فما هي الموت؟ وما حقيقتها؟ وكيف يتم الاستعداد لها؟

الموت في القرآن

المزيد من المشاركات
1 من 34

مفهوم الموت في القرآن، هو خروج الروح من الجسد، بواسطة ملك من الملائكة، هو ملك الموت، قال الله تعالى في سورة السجدة: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) [السجدة: 11]، ويساعده مجموعة من الملائكة يقومون بنزع النفوس نزعًا من الظالمين، قال تعالى في سورة الأنعام: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) [الأنعام: 93] وقال تعالى في سورة النساء: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) [النساء: 97]، أما الطيبون فتتولاهم ملائكة الرحمة وتبشرهم برضوان من الله ومغفرة وسلام منه ورحمة. قال الله تعالى في سورة النحل: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ، يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: 32]، وقال تعالى في سورة الفجر: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر: 27 – 30].

معنى الموت عند المسلمين

الموت عند المسلمين كافة، هو انتقال الروح من الجسد إلى ما أُعد لها من نعيم أو عذاب، والروح مخلوقة مربوبة، خلقها الله سبحانه وتعالى كما خلق سائر الكائنات، ثم هي بعد ذلك خالدة، والمقصود بموتها مفارقتها الجسد.

قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح: (والصواب أن يقال: إن موت النفوس، هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر، فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدمًا محضًا، فهي لا تموت بهذا الاعتبار).

علامات الموت عند الفقهاء

ذكر الفقهاء علامات على الموت منها: ( انقطاع النفس، واسترخاء القدمين، وعدم انتصابهما، وانفصام الكفين، وميل الأنف، وامتداد جلدة الوجه، وانخساف الصدغين، وتقلص الخصيتين مع تدلي الجلدة، وبرودة البدن)، وهذه العلامات جميعها ليست علامات مؤكدة على الموت، ما عدا انقطاع النفس الذي ينبغي أن يستمر لفترة من الزمن، وقد تنبه بعض الفقهاء إلى احتمالات الخطأ في تشخيص الوفاة: فقرر التريث في تشخيص الوفاة: قال الإمام النووي في روضة الطالبين: (فإن شك بأن لا يكون به علة، واحتمال أن يكون به سكتة، أو ظهرت إمارات فزع أو غيره، أخّر ( أي تشخيص ) إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيره). وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم علامة هامة تحدث في كثير من الحالات عند الاحتضار وخروج الروح، وهي اتباع البصر. عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ اَلرُّوحَ إِذَا قُبِضَ، اتَّبَعَهُ الْبَصَرُ). [رواه مسلم (920)].

وعن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حضرتم موتاكم فَأَغْمِضُوا البصرَ، فإن البصرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وقولوا خَيْرًا، فإن الملائكة تُؤَمِّنُ على ما يقولُ أهلُ البيتِ). [أخرجه أحمد (4/125، رقم 17176)].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 35

الموت مصيبة تصيب الإنسان، والتحذير من الأعظم منها

الموت هو من أعظم المصائب التي تصيب الإنسان، وقد سماه الله تعالى مصيبة في القرآن الكريم في سورة المائدة فقال: (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) [المائدة: 106]، فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى. وأعظم من الموت الغفلة عن الموت، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكر فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكر.

الإنسان ورحلة الحياة والموت

رحلة الحياة والموت، هي الرحلة التي كتب الله سبحانه أن يعيشها خلقه، فهو سبحانه الذي وهب الحياة، وهو سبحانه الذي قضى الموت على الأحياء، فقال عز وجل في سورة آل عمران: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران: 185]، وهو سبحانه المتصف بالحياة الدائمة، التي لا تأخذها سنة ولا نوم، ولا يعتريها موت ولا نقص.

والموت والحياة خلقهما الله سبحانه، وجعلهما محط ابتلاء واختبار للعباد، قال تعالى في سورة الملك: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2].

والموت نراه بيننا – كما نرى الحياة – حقا لا شك فيه ولا مراء، وحقيقة قد أقر بها كل الخلق، وخضع بها كل الجبابرة، واستذل بها كل متكبر عنيد، لذا قد قضاها الله سبحانه على كل من في الأرض، ليعلموا قدر ضعفهم وانعدام حولهم، وزوال قدرتهم، كما يعلموا عظمة ربهم، وقدرته وقيوميته سبحانه، فقال عز وجل في سورة الرحمن: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن: 26]

دعوة الإسلام إلى تذكر الموت والاستعداد له

أمر الإسلام بتذكر الموت، والتدبر في أثره، والاستعداد له، قال تعالى في سورة المؤمنون: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا، إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون: 99 – 100]، وقال سبحانه في سورة المنافقون: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون: 10- 11]، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بتذكر الموت والتدبر فيه.

فلا يمكننا أن نقصر فكرة الموت على مجرد التذكرة والموعظة، كما يفعل كثير من الوعاظ، فيتحدثون عن الموت بغية التأثير في الناس بالأجواء التي يمكن أن تكون محيطة به، من فراق للصحبة والمتاع، وسكون في التراب، ورحيل عن الحياة، فيستدعون الدمع الذارف، والنحيب والبكاء على أنفسهم أو أقاربهم الذين قد فارقوهم وتركوهم فحسب، ليظل التفكر في الموت قاصر على المواقف المؤقتة، والمصائب المؤثرة.

بل إن فكرة الموت في الإسلام، فكرة منهجية، ورؤية الإسلام للموت رؤية متكاملة، وحديثه عن الموت، حديث عن مفترق طريق، وبرزخ بين سبيلين، أحدهما خالد، والآخر منته.

والأسباب وراء أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتذكر الموت، ليست قاصرة على مجرد الاتعاظ والتذكرة، بل لأن فكرة الموت تجمع حولها كثيرا من المعاني الإيمانية، والمبادئ الحياتية، والدوافع السلوكية، التي قد تغير طبيعة حياة الإنسان، من لهو وعبث، إلى قيمة وأثر.

الموت أخذ صاحب الأمانة لأمانته

الحياة في نظر الإسلام هي هبة ربانية من الله سبحانه للناس، خلقهم فيها واختبرهم، وأمرهم ليصلحوا بالقول والعمل، ويعمروها بالصلاح والعبودية، بل إن ما في الأرض جميعا هو خلق الله سبحانه، قال تعالى في سورة الصافات: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات: 96] “.

والأبناء والأحفاد والذريات هم كذلك هبة ربانية، قال تعالى في سورة الشورى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا، وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا، إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) [الشورى: 49- 50].

والمال والمتاع أيضا منه سبحانه وتعالى، قال تعالى في سورة النحل:( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل: 53]، وقال تعالى في سورة النور: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [النور: 33] “.

فإذا قضى الله سبحانه الموت على أحد، فإنا له وإليه راجعون، والعبد عبده، والخلق خلقه والأمر أمره، لا إله إلا هو، فهو يهب الحياة والنعمة، وهو سبحانه يقبض الروح ويوقف الإنعام إذا شاء.

فتأتي فكرة الموت هاهنا، لتؤكد على ذلك المعنى تأكيدا يضطر الإنسان المؤمن إلى الاستشعار بالفقر والضعف الكاملين تجاه ربه سبحانه، والحاجة التامة له عز وجل ولإنعامه وعطاياه، فيرجوه ويسأله، ويحسن عمله ويطهر عبوديته.

الموت تذكير باللذة الحقيقية الدائمة

ليس هناك لذة دائمة في الحياة الدنيا يمكن أن يركن إليها الإنسان، وإنما اللذات منتهية وزائلة، فاللذة الحقة، هي لذة المتاع في الآخرة، وإنما لذة الدنيا في استشعار معنى العبودية في كل شأن من شئونها، والركون إلى جانب الله سبحانه والرضا بأقداره، لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتدبر الموت أيضا من هذه الجهة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ – صلى الله عليه وسلم –: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اَللَّذَّاتِ: اَلْمَوْتِ)

ولفظ هاذم، بالذال المعجمة، وقع في بعض الروايات كما هو هنا، وجاء في بعضها “هادم” بالدال المهملة، وفي بعض آخر “هازم“. بالزاي، وكل ذلك له وجه، فالهاذم بمعنى القطع. والهادم بمعنى: الهدم. والهازم بمعنى: القهر والغلبة. والمراد بذلك كله: الموت.

وذكر هاذم اللذات، يقلل الارتباط بالدنيا، ويقوي الارتباط فيما عند الله. ومن ثم كان هذا المعنى من أهم ما أكد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من فكرة الموت، وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قَالَ: (أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَأْتِنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ،….»)[ صحيح البخاري رقم (1284) وبنت الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هي زينب رضي الله عنها، وابنها الذي توفاه الله تعالى هو علي بن أبي العاص 2/79.]. والمعنى هاهنا واضح تمام الوضوح، والفكرة الإيمانية تتجلى بقوة في هذا المعنى، ومن أجل ذلك نجد المرأة الصالحة – أم سليم رضي الله عنها – توصل لزوجها أبي طلحة نفس الفكرة بصورة مبسطة جدا لما مات ابنه الذي يحبه، كما أورد مسلم في صحيحه: (قَالتْ: يَا أَبَا طلْحةَ، أَرَأيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْماً أَعارُوا عارِيتهُمْ أَهْل بيْتٍ فَطَلبوا عاريَتَهُم، ألَهُمْ أَنْ يمْنَعُوهَا؟ قَالَ: لا، فَقَالَتْ: فاحتسِبْ ابْنَكَ…) [صحيح مسلم 4 / 1409 رقم: 2144 واللفظ له.]

الموت لا تقطع الحياة الدنيا عن الآخرة

فكرة الموت في الإسلام فكرة لا تقطع الحياة عن الآخرة كما يظن كثير من الناس، فيعتبرون الموت انقطاعا تاما وفراقا كاملا، بل إن الموت في الإسلام هو حاجز وممر بين الحياة الدنيا والآخرة، بل إن بعض الألفاظ الشرعية في وصف الموت تشعرك أنه وكأن هناك دارين بينهما حاجز وممر، أحدهما الدنيا، والآخر هو الآخرة، وممرهما هو الموت، فيسمى الموت عندئذ بالبرزخ، ولفظة البرزخ أعم من القبر، فكل ميت سواء حرق أو غرق أو غيره فهو في برزخ، يقول ابن كثير: “ولو أحرق وذري في الهواء فهو في برزخ، إذ يصف أهل اللغة معنى البرزخ بأنه ” الحاجز والممر “، فهما طريق واحد وحسبة واحدة وسبيل متصل”.

والموت في الفكرة الإسلامية أشبه بمصفاة للخير عند المؤمنين الصالحين، فهم لا يفارقون صلاحهم ولا يتركون الخير الذي قدموه، ولا ينقطعون عن الهدى والفضل، إنما الذي يفارقهم هو تبعة الابتلاء الحياتي، وثقلة الجسد الدنيوي، ومسئولية التكاليف التي سيسألون عنها، أما المتاع الصالح، فلهم مثله وخير منه، فالزوجات الصالحات العابدات، والذرية الصالحة الطيبة معهم في الآخرة، قال تعالى في سورة الطور: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) [الطور: 21]، وكل متاع كريم في الدنيا لهم وأفضل منه في الآخرة، قال تعالى في سورة السجدة: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 17].

من أجل ذلك جاء في الحديث عند مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: ( مَنْ أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ )، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أكَراهِيَةُ المَوتِ، فَكُلُّنَا نَكْرَهُ المَوتَ؟ قال: ( لَيْسَ كَذَلِكَ، ولكِنَّ المُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وإنَّ الكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذابِ اللهِ وَسَخَطهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وكَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ)، [أخرجه مسلم 8/65 ( 2684) ( 15 )]. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها: (وَلَكِنْ إذَا شَخَصَ الْبَصَرُ، وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ، وَتَشَنَّجَتْ الأَصَابِعُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ، مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)، [صحيح مسلم (8/ 66) ح 7002]

هذا الحديث يفسر آخره أوله، ويبين المراد بباقي الأحاديث المطلقة من أحب لقاء الله، ومن كره لقاء الله، ومعنى الحديث، أن الكراهة المعتبرة، هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبته ولا غيرها، فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه، وما أعد له، ويكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله، لينتقلوا إلى ما أُعد لهم، ويحب الله لقاءهم، أي فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه، لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم، أي يبعدهم عن رحمته وكرامته.

الخاتمة

الذين يعتقدون بأن الموت فناء للإنسان، هم بذلك ينكرون البعث والنشور والحساب، والحقيقة أن الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.