منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ فكيف نجعل أبناءنا من أهلنا.

0
اشترك في النشرة البريدية

﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ عنوان لزراعة دنيوية لا علاقة لها بالآخرة، ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ تضخيم للجسد وهدم للروح، تمجيد للمبنى وتحطيم للمعنى، ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾، البنوة هنا عمل وليست ذاتا، ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾،  انعكاس تربية واتباع، لا انعكاس ذرية ونسل، تتحدد القرابة هنا لا على أساس ما تربطه العاطفة النسبيّة بالأب ، بل الأساس هو العلاقة الرسالية المختومة بهدي الله تعالى.

جاء في تفسير القرطبي رحمه الله:  ” قيل لسعيد بن جبير  يقول نوح:  ﴿إن ابني من أهلي﴾ أكان من أهله ؟ أكان ابنه ؟ فسبح الله طويلا، ثم قال:  لا إله إلا الله! يحدث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنه ابنه، وتقول إنه ليس ابنه! نعم كان ابنه، ولكن كان مخالفا في النية والعمل والدين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾”[1]، يعلق القرطبي رحمه الله بعد هذا الكلام بقوله: “وهذا هو الصحيح في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة من قال به، وإن قوله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ ليس مما ينفي عنه أنه ابنه” [2].

المخالفة في النية والعمل والدين، بأي نية تلد؟ وبأي عمل تسعى؟ سؤالان ينقلانك من ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ إلى  ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ الأهل سيان، لكن فعلُك وأمرُك هو المزايل بينهما، ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ ﴾ فعل يستحضر النية ويزكي العمل، نية يستبطنها أنبياء الله في دعواتهم، وعمل تجليه نصائحهم لأبنائهم.

بين ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ وبين ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ نية ودعاء في جوف الليل وصلاح في القول والعمل للأبوين ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ ( الأعراف 58)، الحاضنة الطيبة تعصر الطينة الطيبة، فهذا إبراهيم عليه السلام، وعلى عتي في الكبر  يطلب الذرية الطيبة الصالحة ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الصافات 100)، ﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ ( الشعراء 84)، قال ابن العربي: “يعني أن يجعل من ولده من يقوم بالحق من بعده إلى يوم الدين، فقبلت الدعوة، ولم تزل النبوة فيهم إلى يوم القيامة…، قال المحققون من شيوخ الزهد : في هذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذي يكسب الثناء الحسن ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. الحديث . وفي رواية إنه كذلك في الغرس والزرع وكذلك فيمن مات مرابطا يكتب له عمله إلى يوم القيامة.”[3]، قلت: والولد الصالح يكسب الثناء الحسن، ومن حسنة سيدنا ابراهيم سيدُنا محمد عليهما السلام، الذي تقرن الصلاة عليهما بفرض الصلاة عندنا، وهذا أعظم ذكر لسيدنا إبراهيم على لسان أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  إلى يوم الدين.

وهذا زكرياء  كان وزوجه الصالحة يسارعون في الخيرات ويدعون الله رغبا ورهبا وطلبا بصلاح الذرية، وطيبتها واستمرارا للنسل الصالح: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ (آل عمران:38)، ﴿ وَزَكَرِيَّاء إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء:89-90).

المزيد من المشاركات
1 من 30

بين ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ وبين ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ اختصاصُ عبودية ونسبةُ إلى الرحمن تصورا وتصرفا، وتواضعُ في الأرض، وقيامُ لليل، ودعاءُ في سَحره، وإخلاصُ لله، وحسنةُ نفقةٍ بين سيئتيْ الإسراف والإقتار، ولا يقتلون حياةً حقيقةً ولا مجازا، ولا يرتكبون فواحش، ولا يشهدون زورا، يكفون عن اللغو، ويتفاعلون مع كتاب الله فهما وعملا، يهيئون بذلك المجال الخصب لتربية وتنشئة سليمة، تتهيأ لطلب الولد الصالح ختاما، ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ ( الفرقان 74)، قرة العين نواة الصلاح في دوائر الإصلاح، قرة العين مشكاة النور المعبأة بطاقات الصلاح والإحسان.

بين ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ وبين ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ تعليم وتنشئة، الإيمان يُتشرب سلوكا، ويرصع تاجا محفورا على بياض الفطرة، لا إله إلا الله أول قطرة من الدنيا يجب أن تدخل القلب من مدخل ﴿ إنا سمعنا وأطعنا﴾ (البقرة 285)، حقيقة جلاها لقمان الحكيم عليه السلام: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وتتوالى بعد التوحيد عوامل الصناعة الإيمانية، لتقف حاجزا أمام المشاريع الشيطانية المزهوة بانتصاراتها الوهمية، المغرية ببريق شهواتها الدوابية، الصلاة مقدمة الإصلاح ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ  وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ  وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان 13 -19).

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في وصيته: ” الصلاة! الصلاة! الصلاة! الصلاة عمود الدين وعماده. فسطاط الدين وأوتاده.، إقامة الصلاة دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام لنفسه ولذريَّته: ﴿قال رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا، وتقبل دعاء﴾[4] .

في إحدى زياراتي لمجالس الأحد للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وهو يتكلم عن قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى ﴾( البقرة 220)، قال لنا متسائلا: ” أتدرون من اليتيم؟، قلنا: بجواب السطحيّ البسيط، اليتيم هو الذي فقد والديه، قال: نعم، ولكن اليتيم المسكين من أُشرب الماركسية، والإلحاد على الريق”، الماركسية والإلحاد مشروبان تضاف إليهما مشروبات تضليلية أخرى تفسد صفاء الفطرة، وتعرقل فعل الإصلاح، وعملية التقيء، ليست سهلة، أمام عقبات الدعوة الكؤود، التي لا تملك اليوم زمامة المبادرة، وهي المحاصرة بشياطين الإنس والجن.

إن أولادنا في زماننا هذا، يجب أن نحارب القتل الذي يصيبهم وهم أحياء، فلا نقتلهم خشية املاق ” ومن القتل بل من أقساه أن نترك عوامل التضليل والفساد تغتالهم من بين أيدينا “[5]

التضليل والفساد شعار الحقبة التي نعيشها، تيار  الدوابية الدهرية الشهوانية جارف بالانفجار التكنولوجي المبهر، في منزلك يعشش لصوص التلفاز  والهاتف، وفي الشارع لصوص الإغواء والإغراء، التخذير على أشده بالكرة والغناء وبكل التوافه المزركشة، رانُ وأقفال تخنق صوت الفطرة المبحوح، الذي يقاوم، وينتظر ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾.

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ دعوة متجددة للتذكير والتذكير، بأن الأبناء ثمرة البناء، وعنوان مسيرة الحياة في كل منعرجاتها، تؤسس بهم مصنع العمل الذي لا ينضب حتى ولو بعد الوفاة، فالولد الصالح العالم العامل بنك الدعاء المسترسل المعطاء، والصدقة الجارية في جسد الأمة، والعلم المبارك الذي تنتفع به.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ قرة عين الدعوة، لتصنع قرة العين الثمرة.

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ نقلة من جدباء ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾  إلى سعة الإسلام ورحمته.

فيارب أعن وسدد الخطى أفرادا وجماعات على أن نحول كل﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾  إلى ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ طه (132).

والحمد لله رب العالمين..

[1] – تفسير القرطبي 9/ 38، تحقيق عماد زكي البارودي وخيري سعيد طبعة 2008، المكتبة التوفيقية.

[2] – نفسه 9/ 38- 39

[3] – أحكام القرآن 3/ 458- 459 مراجعة محمد عبد القادر عطا طبعة دار الفكر لبنان

[4] – وصيتي 17  الطبعة الأولى: 2012

[5] – وصيتي 13

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.